]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كسرى العرب .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-11-10 ، الوقت: 12:37:26
  • تقييم المقالة:

 

 

إن الصراع الذي نجم بين الإمام علي وبين معاوية بن أبي سفيان كان حدثاً تاريخيا بارزاً . وقد بَدا في لَوْحَةِ الزمن تصويراً واقعياً للنزاع بين الدين في صفائه ونقائه ، وبين الدنيا في أطماعها وأَوْزارِها . ولاحَ في حَلبَة التنافس سباقاً حيّاً بين الخلافة الراشدة ، وبين المُلْكِ المتوارث . وقد كافح كل منهما من أجل الانتصار لعقيدته ، ومذهبه ، ورأيه في الإمامة والإمارة . وجاهد الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ أن تكون الغلبة للخلافة في صِبْغَتِها النبوية ، بكل هَدْيِها وعَدْلِها ونورها ، وأن يُجَنِّبَ الأمة مرحلةً من الحكم يصير فيها المُلْكُ عَضوضاً ، في حين كان معاوية يطمح إلى الخلافة يتولاها ، ويورِثُها أعْقابَه من بعده . ولأن الأيام التي جرت فيها الأحداث كانت أيام دولة دنيوية فقد تَمَّتِ الغلبةُ لمعاوية بن أبي سفيان وفِئَتِهِ .. ولِمَ لا وقد سبق أن أطلق عليه عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، لقب « كِسْرى العرب » ، حين دخل الشام ، ورأى تَرَفَه ، وبَذْخَه ، وإقباله على الدنيا ؟!

والرواة يذكرون أن مُساوَمَةً جرت بين معاوية وعمرو بن العاص ، في أول لقاء بينهما ، فسأل معاوية عَمْراً أن يتبعه ، فأقبل عمرو يسأله : لماذا ؟ للآخرة ؟ فوالله ما معك آخرة ! إنما هي الدنيا تتكالب عليها ، فلا كانت حتى أكون شريكك فيها ... فاتفقا على ذلك !!

ونحن نذكر تاريخ حوادث الإسلام لنعرف أقدار الغابرين ، ونُقَيِّمَ أعمالهم ، ونُمَيِّزَ بين ما هو حق وبين ما هو باطل ، ونفرق بين ما هو حسن وبين ما هو سيء . وتاريخ الإنسان ـ عموما ـ له موازين تقام بجوامع من الفكر ، والخلق ، والعقيدة ، والذوق ، والخيال ، كما قال العقاد (1889/1964) . فما هو حكم التاريخ ، والدين ، والعقل ، على معاوية وفئته ؟

إن الحق ، والعدل ، والشرف ، وكل الموازين التي أشرنا إليها تكون في أحد المعسكرين ، حين يظهر البَغْيُ والعدوان المبين ، وهي لا تتوزع أشتاتاً بين قادة المعسكرين ، فتضيع ، وتصبح قسمة ضيزى .. وإن الأحكام لا تَصْدُرُ ، بعد البحث والاستقصاء ، مُهَلْهَلَةً ، رَخْوَةً ، ومُذَبْذَبَةً ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، بل تميل في شريعة العدل إلى مستحقيها من المقسطين ، وتحمل على المخالفين بالإصْرِ والجرائر ، وبذلك يَبينُ نورها من ظلماتها .

ومما هو ظاهر أن قيام دولة بني أمية ، على يد معاوية بن أبي سفيان ، كان نتيجة الخداع ، والمكر ، أو الدهاء ، كما يحلو للكثيرين أن يطلقوا على سياسته ، وقد بدأت بمُوازاةٍ مع الأحداث الكبرى التي أعقبت مقتل الخليفة الثالث ، ثم تفاقمت وتضخمت ؛ إذ خدع معاوية المسلمين عن حقيقة مجريات الأمور ، وغَطَّى على نِيَّتِهِ في النزوع إلى الحكم والسيطرة بِصَيْحَة المُطالب بِدَمِ عثمان ، والنداء بنفاذ القصاص في قتلته . وصاحب الدهاء يعتمد على كل وسيلة « غير صريحة » ، ويلجأ إلى كل حيلة ، يبلغ بها مَأْرَبَه ، ويصل بها إلى غايته ، والدهاء يكون عادةً عِوَضاً عن الشجاعة ، والمروءة ، وغِطاءً للخوف والجُبْنِ

. والإمام علي تَنَزَّهَ عن هذه الخليقة ، وقال : « والله ما معاوية بأدهى مني ، ولكنه يغدر ويفجر ، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس » !!

ورغبة معاوية في الحكم والرياسة كانت قديمة ، نشأت في نفسه منذ حداثة سنِّهِ ، ورثها عن أبويه أبي سفيان وهند بنت عتبة ؛ قال الشافعي فيما رواه الطبري : قال أبو هريرة : رأيت هِنْداً بمكة ... ومعها صبي يلعب ، فَمَرَّ رجل فنظر إليه فقال : إني لأرى غلاماً إن عاش ليَسُودَنَّ قومه . فقالت هند : إن لم يَسُدْ إلا قومه فأماته الله ...

وقد تأخر إسلامه ، ودخل في دين الله عام الفتح ، وكان في عداد الطلقاء ، الذين أسلموا بعد فتح مكة ، راغبين أو راهبين . فكان منهم من حَسُنَ إسلامه ، وثَبَتَ يقينه ، ومنهم من ظل بين جوانحه إِرْثٌ من الجاهلية . وهاهي كلمات والده أبي سفيان تعلن صراحة عن نواياه الحقيقية ، وتكشف عن أطماعه وراء إسلامه ، وإسلام أهله وذويه ، حيث قال : « لقد صار الأمر إليكم فلا تدعوه يُفْلِتُ ، وتلقفوه كالكُرَةِ .. فإنما هو المُلْكُ لا أدري ما جَنَّةٌ ولا نار » !!

وإن المعارك التي نشبت بين علي ومعاوية سَطَّرَت مَلْحَمَةً من ملاحم الإنسانية الخالدة ، كُتِبتْ بمِدادٍ من دماء الشهداء والخبثاء ، وبأطراف من الأبطال والأنذال ، وفنيت فيها قبائل وعشائر ، ولاحت فيها ضخامة المجزرة في صفوف المسلمين ، الذين حركتهم آنذاك الحمية والأحساب والدين ، حتى كادت الحرب تُبيدهم عن آخرهم .

وحين التقى الجمعان في معركة صفين قُتِلَ من أصحاب معاوية من قُتِلَ ، وقُتِلَ من أصحاب علي كذلك ، ولكن حين قُتِلَ عمار بن ياسر ، وكان في صفوف علي اسْتبانت الضلالة ، كما قال خزيمة بن ثابت الأنصاري ، فَهَبَّ إلى القتال إلى جانب علي حتى قُتِلَ ، وعرف كثير من الصحابة أن الحق مع علي ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لعمار بن ياسر : « ويحك يا ابن سُمَيَّة ، تقتلك الفئة الباغية » .. وهو حديث مشهور بين المسلمين . ووقَعَ استشهادُ عمار من معاوية وأصحابه وَقْعاً شديداً ، فهم عرفوا أن النبي قال ذلك ، غير أنهم حَجَبوا هذه النبوءة ، وتأَوَّلوا الحديث ، وقال معاوية : أَنَحْنُ قتلناه ؟ إنما قتله علي وأصحابه ، جاؤوا به حتى ألقوه بين رِماحنا ، أو قال : بين سيوفنا !!

ورَدُّ معاوية هذا مُجانِبٌ للصواب ، وبعيد عن التوفيق ، فرسول الله ما ينطق عن الهوى ، وقوله في عمار هو الحق الذي لا مِرْيَةَ فيه ولا جدال .   

إن من الآثام والذنوب ما يوجب الكفارة ، والقضاء ، أو العقاب ..

وإن من تعطيل بعض الشرائع ما يقضي بالحكم بالرِّدَّةِ على أصحابها ، فيُطْلَبُ منهم التوبة ، أو إقامة الحدود ، وبَعْثِ السرايا والجنود ..

فما بالكم بأخطاء فادحة كانت شروراً كبيرة ، وفتناً مظلمة ، وطار فيها المسلمون بَدَداً ، وصاروا قِدَداً ، وزهقت فيها الأرواح ، وتكسرت فيها السيوف والرماح والنبال ، وتراكمت الجثث طبقا عن طبق ؟!

وما قولنا في النهاية إلا أن معاوية كان عبداً من عبيد الله ... وقد قضى نَحْبَه منذ قرون ، وإنَّ عمله فيما بينه وبين ربه ، إِنْ شاء رَحِمَهُ ، وإِنْ شاء عَذَّبَهُ ، ولا نقول : « رضي الله عنه » !! 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • براك | 2016-03-05
    هذي وجهة نظرك
    اما معاوية رضي الله عنه كان كانب للوحي ودعا له الرسول صلى الله عليه وسلم. والصحابة ذكرو بالقران الكريم ومن ضمنهم معاوية رضي الله عنه 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق