]]>
خواطر :
سألت عنك جزر الأوهام ، غرقت مباشرة في مياه البحار، بعد السؤال...سألت عنك الوديان، جفت مياهها قبل حتى إتمام السؤال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

اداب الحوار والمناظرة

بواسطة: الاستاذ منصور عزت ابو ريدة  |  بتاريخ: 2012-11-09 ، الوقت: 18:05:39
  • تقييم المقالة:
أخلاق الحوار

 

        تتجلى أخلاق الإنسان وتظهر حقيقتها بالحوار ، لأن هناك مجموعة من الأخلاق تظهر وتتضح أثناء الحوار ، فسلامة النية أو فساد الطوية يظهر بالحوار ، كذلك سلامة المعتقد أو فساده ، إلى جانب عفة اللسان أو بذاءته ، والتسامح أو التعصب للرأي ، والتثبت أو التسرع في إصدار الأحكام ، والرفق أو الشدة ، والحلم أو الغضب ، وقبل كل شيء إبراز علم المحاور أو جهله ، ولذلك يقول الإمام الغزالي : "اعلم وتحقق أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام وإظهار الفضل والشرف والتشدق عند الناس وقصد المباهاة والمماراة ، واستمالة وجوه الناس هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله المحمودة عند عدو الله إبليس" (55) .

        ولكي يكون الحوار مثمراً ومؤدياً الغرض المطلوب منه لا بد وأن يتحلى المحاور بمجموعة من الآداب والأخلاق ، ينبغي لكل محاور أن يتقيد بها ، لأن القصد من الحوار أن يتعاون الفريقان المتناظران على معرفة الحقيقة ومن هذه الأخلاق :

أولاً : الإخلاص وتوفير النية الحسنة من أجل الوصول للحق :

        فينبغي على المناظر أو المحاور أن يقدم تقوى الله عز وجل وإخلاص نيته له سبحانه بادئاً باسمه تعالى ، سائلاً لمعونته وتوفيقه في طلب الحق وإدراكه ، وألا يقصد بحواره المباهاة والمفاخرة ، ولذلك فالواجب على المحاور أن يطلب الحق ، ويستشعر المسئولية أمام الله تعالى عن قصده مع الحرص على عدم الانتصار للذات أو حب الظهور والشهرة حيث يقول الرسول r: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ..." (56) .

        يقول الشيخ مروان القادري : "إن سلامة النية خير معين على استجلاء الحقيقة ، والأتقياء حري بهم أن يراقبوا الله قبل الدخول في الحوار وأثنائه وأن يتخلصوا من حظوظ النفس وحب الذات" (57) .

ثانياً : التأدب في القول :

        يعتبر القول أداة التعبير عن التفكير ، ومطلوب من المحاور أن يكون مهذباً في ألفاظه ؛ لأن الكلمة الطيبة المهذبة تفتح مغاليق العقول والقلوب ، وتظهر حسن نية المحاور ، كما أن بذاءة اللسان أو التجريح يفسدان جور الحوار ، فعلى المحاور أن يبتعد عن كل طعن أو هزء أو سخرية أو استهزاء أو احتقار لوجهة النظر التي يدعيها أو يدافع عنها من يحاوره وقد أرشد القرآن الكريم والسنة النبوية إلى هذا الخلق حيث قال الله تعالى : }وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ {(58)وقال : }وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ{(59) وقال تعالى : }وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً{(60)، بل نهى عن سب الذيـن يدعـون من دون الله فقال تعالى : }وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ{(61)كما نبه النبي rإلى هذا الأدب فقال : "ليس المؤمن بطعَّان ولا لعَّان ولا فاحش ولا بذيء" (62) .

ثالثاً : العدل والإنصاف :

        لكي يكون الحوار مفيداً ومجدياً لا بد أن يتحلى المحاور بخلق العدل والإنصاف مع نفسه ومع خصمه ، وهذا يؤدي إلى إيثار الموضوعية في نقاشه دون أن يخضع لتأثير هوى الذات أو الحزب أو الجماعـة ، وقـد أشـار القرآن الكريم إلى هذا الخلق في قوله تعالى : }وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى {(63)وقال أيضاً : }وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ {(64).

        وللعدل إمارات تظهر من خلال قبول الحق إذا ظهر على لسان الخصم وإن كان يخالف قناعة من قبله ، وكذلك الاعتراف بالخطأ دون حاجز التعصب الذميم أو الهوى المتبع فإمارات العـدل أن يتحـرر المحاور من التعصب لهـواه ، ولذلك كان وصف المؤمنين : }الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ{(65).

        فكم من محاور يحركه هواه طلباً للشهرة والجاه والمباهاة والظفر بالخصم ، والسرور بالغلبة والقهر ، ولكن إذا ظهر الحق على لسان خصمه أخذته العزة بالإثم ورفض الحق ، وقد قال الرسول r: "الكبر بطر الحق وغمط الناس" (66) أي دفع الحق وإنكاره ترفعاً وتجبراً ، واحتقار الناس .

        وقد أكد العلماء على هذا الخلق في التحاور حيـث قال المعتصم الخليفة العباسي رحمه الله : "إذا نُصِرَ الهوى بطل الرأي" (67) وقال الإمام ابن تيمية : "والمناظرة والمحاجة لا تنفع إلا مع العدل والإنصاف" (68) وقال أيضاً : "وليس مما أمر الله به ورسوله ، ولا مما يرتضيه عاقل ، أن تقابل الحجج القوية بالمعاندة والجحد ، بل قول الصدق والتزام العدل لازم عند جميع العقلاء ، وأهل الإسلام والملل أحق بذلك من غيرهم إذ هم – ولله الحمد – أكمل الناس عقـلاً ، وأتمهم إدراكاً ، وأصحهم ديناً ، وأشرفهم كتاباً ، وأفضلهم نبياً ، وأحسنهم شريعة" (69) .

        إن عدم العدل والإنصاف يرجع إلى الجهل والقصور العلمي بل وفساد النية وضيق الأفق ، وعدم الاعتراف بآراء الآخرين ، ومن كان هذا شأنه فليست لديه أهلية للحوار . 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق