]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سحر السفارة

بواسطة: وائل بنجدو  |  بتاريخ: 2012-11-09 ، الوقت: 11:47:11
  • تقييم المقالة:

 

  في مثل هذا التاريخ(7 نوفمبر) من كل سنة و قبل إنتفاضة ديسمبر ـ جانفي كانت الإحتفالات تعم أرجاء الوطن تخليدا لذكرى "التحول المبارك" و لكن في هذا العام و إن غابت المظاهر الإحتفالية المعتادة عن الطرقات و الساحات العمومية فإن الحكام الجدد لم ينسوا أن يحتفلوا بتلك الذكرى على طريقتهم الخاصة . لم تكن تمر هذه الذكرى على الشعب التونسي دون أن يرى في نشرة أخبار الثامنة مساء الإبتسامة المصطنعة للجنرال الهارب و هو يصافح غريمه " الحبيب بورقيبة" في فيديو مسجل مل الناس تكراره. لم تختلف الصورة كثيرا في هذا العام و إن إختلفت الوجوه ، فقد إختار الحكام الجدد (حركة النهضة) أن يصافحوا الحكام القدامى (نداء تونس) بنفس الإبتسامة. لكننا لا يجب أن نغفل عن نقطة إختلاف رئيسية بين الصورتين و هي إختلاف المكان ففي الصورة الأولى حصلت المصافحة و تبادل الإبتسمات في المستشفى ليحاولوا التأثير في المشاهد و يصوروا "بن علي" كمنقذ للبلاد بعد المرض و العجز الذي أصاب" بورقيبة"، أما في الصورة الثانية لهذه السنة فإن الراعي الرسمي للإبتسامات و المصافحات هي السفارة الأمريكية . غابت السفارة في المشهد الأول و حظرت في المشهد الثاني رغم أن الإمبريالية هي مهندس إنقلاب 7 نوفمبر 1987 و هي مهندس عملية تنصيب العملاء الجدد بتاريخ 23 أكتوبر 2011 و يعود ذلك لسبب رئيسي : إن ما دفع السفارة الأمريكية للظهور في المشهد الثاني و البروز بقوة في الساحة السياسية منذ 14 جانفي هو وجود لاعب جديد و قوي إستعاد زمام المبادرة و أصبح يهدد مصالح الإمبريالية بالقطر هي الجماهير الشعبية التي لازالت تواصل المقاومة و تعكر صفو الطبقات الحاكمة و وكلاء الإستعمار الجديد .  إختارت حركة النهضة و حركة نداء تونس أن تحيي ذكرى السابع من نوفمبر 2012 من خلال الحج للسفارة الأمريكية ليؤكدوا وفاءهم لنهج العمالة و التطبيع الذي ميز حكم "بن علي" وأنهم سيواصلون إنتهاج نفس السياسة الإقتصادية المرتهنة للدوائر الإمبريالية و لإملاآت أدواتها (صندوق النقد الدولي ، البنك الدولي ، منظمة التجارة العالمية ). إن ما يمكن إستخلاصه من هذه المقارنة الكاريكاتورية بين ما كان يحصل في "ذكرى 7 نوفمبر" قبل إنتفاضة ديسمبر ـ جانفي و بين ما حصل بعدها ( 7نوفمبر 2012) هو أنه و إن إختلفت الوجوه ( بورقيبة ، بن علي ، الجبالي ، السبسي ...) و تكررت إبتساماتهم المستفزة و المصطنعة فإن ذلك لن يحجب واقع الظلم و الإستغلال الذي تعاني منه الطبقات الشعبية و لن يخفي دماء و دموع المضطهدين التي لازالت تسيل ، فمن يوقف نزيف الدم و الدموع ؟ إن الشعب هو محرك التاريخ وهو القادر وحده على إيقاف هذا النزيف و من واجب الطلائع الثورية أن تواصل التمسك بالشعار المركزي للإنتفاضة ، شعار إسقاط النظام بما يعنيه من إطاحة بالطبقات الحاكمة المرتبطة بالإمبريالية إذ و بالرغم من تعدد أشكال السلطة منذ بروتوكول الخيانة بتاريخ 20 مارس 1956 فإن النظام من حيث التشكيلة الطبقية لم يتغير و لازال يمثل السبب الرئيسي لآلام و أوجاع المسحوقين من أبناء الشعب. ليست هذه المرة الأولى التي تزور بعض فيها بعض الأحزاب السياسية السفارة الأمريكية فقد إجتمع في شهر رمضان الماضي 11 حزبا على مائدة إفطار السفير الأمريكي و كانت مكونات الترويكا الحالية (المؤتمر ، التكتل ، النهضة) من بين الحاضرين . وكان لذلك الإفطار بالنسبة لهم مذاقا آخر حيث كان ممزوجا بنكهة السلطة و تلاه بعدة أيام بيان ممضى من عدة أحزاب من الذين ملؤوا بطونهم في ذلك الفطور نص على ضرورة إنجاح موعد 23 أكتوبر 2011 ، و كان من المفترض أن يكون عنوان البيان :"بيان الفطور" وأن يحمل توقيع السفير الامريكي فقط عوض كل تلك التوقيعات و أسماء الاحزاب التي تتعب القارئ (هذا من باب التندر). كان ذلك ليلة 27 رمضان و هي ليلة يلقن فيها رجال الدين الأدعية للناس علهم يظفرون عند ترديدها بجنة الآخرة بعد إقناعهم أن جنة الأرض مستحيلة التحقق و أن المظلوم سينال الأجر و الثواب و يعلمونهم القبول بالقضاء و القدر و طاعة أولياء الأمور و في نفس الليلة كانت حركة النهضة الإسلامية تتلو التراتيل و تطلب رضاء الإمبرياليين حتى تنال جنة السلطة .  لكن ما ميز الزيارة الاخيرة بتاريخ 7نوفمر 2012 هو حدة الخلافات التي سبقتها بين الضيوف (حركة النهضة و حركة نداء تونس) خاصة بعد مصرع كاتب عام الاتحاد الجهوي للفلاحين ومنسّق حركة نداء تونس بتطاوين لطفي نقّض و إتهم أنصار نداء تونس مكونات الترويكا بالتخطيط و تدبير الجريمة. ولكن إندثرت الأحقاد و غابت الإتهامات بين الطرفين داخل مبنى السفارة الأمريكية وظهرت الإتسامات و إنبسطت أسارير الجميع حتى تكاد تحسب أن كل تلك الخلافات كانت مسرحية مفبركة ، فلم تعد "حركة نداء تونس "تمثل أزلام النظام القديم (بالتعبير النهضاوي) و لم تعد "حركة النهضة" حركة مجرمة تمارس الإغتيال السياسي(حسب تصريح قادة نداء تونس) ، فكأن شيئا لم يكن ، إنه حقا سحر السفارة ... يعتبر النضال ضد اليمين الديني و الليبيرالي و فضحه لدى الجماهير هي إحدى المهام المرحلية الملحة بالنسبة للقوى الثورية و يمثل التحرر من السفارة و عملائها من الاهداف الإستراتيجية التي يجب على كل الثوريين بالقطر رسم التكتيكات و إيجاد الوسائل من أجل بلوغ هذا الهدف الذي بدون بلوغه ستظل كل المشاكل التي تعاني منها الطبقات الشعبية عالقة.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق