]]>
خواطر :
ماخطرتش على بالك يوم تسأل عنى ... وعنيه مجافيها النوم يا مسهرنى...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ثقوب فى جدار العدالة (2)

بواسطة: أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض  |  بتاريخ: 2012-11-08 ، الوقت: 10:33:28
  • تقييم المقالة:

لقد حقَّق العديد من الفاشلين طموحاتهم الحاقدة بالنيل من الأذكياء والعباقرة والموهوبين من بعد ثورة يناير فأعملوا فيهم قوانين قد وضعها النُخبة منهم سلفاً كقانون الكسب غير المشروع فراحوا يكيلون به الاتهامات لكل من أثبت نجاحه عبر عقود ماقبل الثورة وقد شعروا بقزميتهم لجواره .. فصارت الاتهامات بعدم مشروعية الكسب فى العديد من الحالات مبرراً للملاحقة القضائية والحبس وغل اليد عن التصرف فى الأموال والأملاك التى اكتسبها العديد من الشرفاء بينما لم يستطيعون اثبات مشروعية بعضها او معظمها أمام جهات التحقيق اذ تلك الجهات لاتعتمد الا على أدلة الكسب الثابتة بالكتابة أو البيِّنة ومن ثم من لم يستطع اثباتها بهذا السبيل صار محلاً للاتهام بها وقد يكون رجل قانون مارسه زهاء عقودٍ عديدة وله العديد من المؤلفات العلمية وقد قدَّم آلاف المشورات القانونية المحليَّة والدولية وتقاضى عنها ملايين الجنيهات خاصةً لو كان ذو مكانةٍ فقهية قانونيةٍ عالمية وقد شغل العديد من المناصب القانونية المحلية والدولية كحال أحد شيوخ القانون فى بلادنا بل وهناك من يكون قد تقاضى الملايين من بيعه للوحاته التى اهتم بها الغرب ولم نفطن نحن لها وربما عاد هذا لبزوغ نجمه من وراء تقلُّدهِ لمناصبٍ ثقافية محلية ودولية ومن ثم لايستطيع اثبات دخله كتابةً وبالبينة كحال أحد كبار الفنانين التشكيليين فى بلادنا كذلك .. وأمثالهما الكثير ممن صاروا محل اتهامات جنائية على غرار المسجلين خطر رغم أسمائهم ومكاناتهم العلمية والفنيَّة التى شهد لهم العالم بها بينما البعض منا فلم ينشغلوا منها الا بالجانب الانتقامى الشخصى فقط فامتلأت سجوننا بعظيم رموزنا ومُفكرينا وفنانينا لمجرد غلاف المبادىء الثورية الذى يُغلِّف حقيقة الإنتقام والتشفى الذى يملأ قلوب البعض ..

لقد صار الحبس الاحتياطى من بعد الثورة ليس تدبيراً احترازياً انما عقوبة مُبتسرة من قبل أن يقضى القضاء فيها بقولة حقٍ فاصلة فى صحة الاتهامات ونفيها .. فإذا مانطق القاضى بالبراءة من بعد مكوث المتهم بمحبسه الاحتياطى زهاء العام او يزيد طعن العامة فى حكمه شعبيَّأً بالبطلان والفساد والمجاملة لأنهم لم يعودوا من بعد فترة الحبس الطويلة تلك أن يُصدِّقوا ببراءة المتهم .. ومن ثم فالحبس الاحتياطى صار عقوبة لاتدبيراً احترازيَّاً لايتمكن المقضى ببراءته من مطالبة المجتمع بتعويضه عن ليالٍ طوال قُيِّدت فيها حريَّته حبساً ولشهورٍ عديدة ظُلماً وعدواناً دون ان يُكلِّف المجتمع نفسه بكلمة أسفٍ واحدة لاتُكافىء انتهاك نفسيته وحريَّته وشرفه وبراءته..

لم تعد قرينة البراءة لدينا ذات قيمة فالمتهم مجرم بطبيعته لحين أن تثبت براءته .. انها قمة المصائب العدلية حقاً وقد تجلَّت فى قانون الكسب غير المشروع الذى يغتال قرينة البراءة لدى المتهم التى تتمسك بها كل مواثيق العالم إذ كيف نقتنع ان عبئ الاثبات يلى عبء النفى ومن ثم يقدم المتهم شرعية ماكسب رغم ان العدالة تتطلب العكس أنتقدم سلطة الاتهام عدم مشروعية الكسب.. لذا مامن قاضى عادل الا ويقضى بالبراءة فى هذه القضايا ولنرى معا ماقضت به محكمة النقض فى أسبابحكمها فى قضية الكسب غير المشروع الشهيرة لعبد الحميد حسن، محافظ الجيزة الأسبق: إن الدستور قد نص على أن الأصل فى الإنسان البراءة, فى حين تنص الفقرة الثانية من المادة الثانية من القانون رقم 62 لسنة 1975 الخاص بالكسب غير المشروع على "أنه كل زيادة فى الثروة تطرأ على الموظف بعد تولى الخدمة أو على زوجه وأولاده القصر لا تتناسب مع موارده، وعجز عن إثبات مصدرمشروع لها، تعد أمراً مؤثماً" بالمخالفة لقاعدة الأصل فى الإنسان هو البراءة،فضلاً على أن قانون الكسب نقل عبء الإثبات على عاتق المتهم بدلاً من أنيكون على عاتق سلطة الاتهام، بمعنى أن يقدم المتهم ما يثبت مصادر عدم مشروعية ثروته دون أن يتولى جهازالكسب تقديم مصادر عدم المشروعية بما يجعل قانون الكسب غير دستورى..

ان هذا القانون المُسمَّى بالكسب غير المشروع يحتاج لاعادة نظر وقد اغتال عبئ الإثبات بنقله الى المتهم وجعله معنيَّأً بإثبات مشروعية كسبه فإن عجز صار مجرماً يستحق العقوبة بينما فالمعنى بهذا عقلا وديناً وأخلاقاً ومنطقاً هو جهة الادعاء فتلتزم ان هى اتهمت بإثبات عكس هذا وهو عدم مشروعية الكسب ليتولى المتهم اثبات المشروعية بأدلة نفيه .. تلك هى الثوابت القانونية والعدليَّة الشرعيَّة ..

ان الحبس الاحتياطى كذلك لابد من اعادة النظر فيه لكونه قد خرج عن هدفه فبات فى عرف العامة عقوبة لايمكن تلافى أثرها النفسى والمادى اذا مالقضاء قد قضى ببراءة المتهم من بعد شهورٍ طوال قضاها فى محبسه يكون معها قد انتهى كقيمةٍ من أذهان الناس  وكإنسانٍ أمام نفسه وذويه  وان كان لابد منه فليكون فى أضيق حدود ويلزم تعويض المتهم المقضى ببراءته عنها من عموم الهيئة الاجتماعية بتعويضٍ يُكافىء اغتيال براءته به ماديَّأ ومعنوياً ..  بينما فالقول بغير هذا انما يمثل ثقباً آخر فى جدار العدالة ..

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق