]]>
خواطر :
خيبة أمل ، عندما يكتشف الإنسان أنه في محيط تحت خط الصفر ، لا يستطيع الغوص أو السباحة فيه...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . فلا تكتُمُنَّ اللهَ ما في نُفوسكم ليَخفَى ومهما يُكتَمِ اللهُ يَعلَمِ يُؤخَّرْ فيُوضَعْ في كتابٍ فيدَّخَرْ ليوم الحسابِ أو يُعَجَّلْ فيُنقَمِ (زهير بن أبي سلمى   (طيف امرأه) . 

قراءة في فكر الأستئصال

بواسطة: ليث العبدويس  |  بتاريخ: 2011-08-14 ، الوقت: 15:09:14
  • تقييم المقالة:
قراءة في فكر الإستئصال   من بين المُنح السخيّة والعطايا الكريمة المبذولة من لَدُن صاحب النيافة الأمريكي المُنهمك بالرحيل غير مأسوفٍ عليه، هِبَةٌ حاتميّة خلعتها علينا مكارِمُهُ النبيلة دونما بُخلٍ ولا تقتير، فأنفق منها على أهل العراق إنفاق من لا يخشى النفاذ، كيف لا وإليه يعود نَسَبُها وبراءة اختراعها وقَصَبُ السبق والريادة في إتقانها، وأردف سِعَة البذل بتساوي الأسهم، فكان حريصاً كُل الحِرص على دخولها كُلَّ بيتٍ وتبوؤها كُلَ مدينةٍ وقريةٍ وحيٍ وشارعٍ وزُقاقٍ، بل كُلَّ لُبٍ وعقلٍ ومُهجةٍ وبؤبؤ.

وَفَدَ فِكرُ الإستئصال والبتر والإقصاء وفوداً غريباً إلى تلافيف مُجتمعٍ نُسج على التسامح والتآخي، وجُبِلَ على المحبّة والأُلفة، تَسرّب ببطءٍ من عوادم الجنازير الأمريكية الثقيلة وانساب بهدوءٍ من خلف تلك المُقَل الزرقاء المُزجّجة وفاحَ بصمتٍ من بين بزّاتهم الرقطاء كظهر أفاعي ألمسيسيبي، جاءوا يقطُرُ لعابهم معلناً إشتهاء اللحم الشرق أوسطي اللذيذ، ووسط الفوضى، لم يعد أحدٌ يذكر من زَخَّ رشقة الرصاص الأولى؟ من أسقط بواكير الدموع السواجم؟ من حَفَر القبر الجماعي الأكبر؟ من نهب الرتق الرقيق المهلهل الذي ستر عوراتنا قروناً؟ من أقام جدران الغيتو وإسفلت الأبارتاند بين أشقاء الأمس القريب؟ من شوّه وجه البراءة النَضِر وألبسه كُلَّ تلك الأقنعة المخيفة؟ من استلب دولاب الطفولة ليصنع منه تِرسَ دبابة؟ من أطلق فيروس الكراهية المُزمن؟ أتُراهم تعمدوا نشره نِكاية بنا كي يجعلونا فُرجة الأرض وعِبرة البشر أم كُنا منذ البدء مستعدين للإصابة؟ ولكن طالما أن الجميع فقد صوابه وسط لوثة الحقد الأهوج فلا طائل من الإجابة، فالحيلة انطلت وأطبقت أسنان الفَخِ على الفريسة الغافلة.

يحمل فِكر الإستئصال بذور دماره الذاتي الطبيعي طالما أنه يزعم حيازة/ تمثيل الحقيقة المطلقة المجرّدة، وبرفضه التصويب والمراجعة ينحدر سريعاً في دركات الإنغلاق والجمود والتقوقع والإنقطاع عن حركة الحياة وجريان الأحداث، وكُلُّ راكِدٍ يأسُنُ ويتفسّخ لا مُحالة، وكأيِّ جُثّةٍ متحللة لن يحوم حول فكر الإستئصال سوى الذُبابُ والضِباع وضواري القُمامة، ثُمَّ إنه تيارٌ نرجسي شديد الإعجاب والإعتداد بنفسه حدَّ الإفتتان والتولُّه بالذات التي استطالت وتضخمت كأيِّ غُدَّةٍ معطوبة فشلت في التواصل الطبيعي مع بقية الأعضاء وعجزت عن إداء وظيفتها الفسلجيّة، فعمدت إلى التمدد المَرَضي على حساب الكائن المُعتلّ المُرهق، هذا النَزَقُ يردُفًُه بُغضُ (الآخر) لمجرد كونه آخر، وهو ما ينسجم مع معادلة الإستئصاليين الأزلية بضلالة الُمخالِف وسُخفه، ويُفسّرُ نزوعهم المستمر لِمحو هذا الآخر وتصفيته وإلغاءه.

ومهما اشمئزت نظرتنا إلى تأريخ الأُمم الغابرة وتقسيمها الإقطاعي الطبقي العنصري للسُكان إلى سادة وعبيد أو مواطنين وأجانب، ومهما انتقدنا نُخبوية الحقوق العامة وجور التوزيع الإقتصادي للإمبراطوريات البائدة، تبقى استئصاليتهم بدائية ساذجة اذا ما قورنت بنظيرتها المعاصرة، وتبقى الهندسة التشظويّة التي أطلت علينا برؤوسها التنينية العولميّة عصيّةً على القياس النسبي مع الدهور القروأوسطية، فالكوننة التي أطاحت بالحدود القومية وهَزَمَت سيادة الدول وحنّطت استقلالية الشعوب وأمّمت التبادل الدولي البيني للأشخاص والأفكار والسِلع والخدمات والفن ورؤوس الأموال والمافيات والجريمة والإرهاب ونُسخ الأنفلونزا المقلدة والأصيلة والقرصنة والسلاح التقليدي والكُتلوي وشرعنت الإتجار بالبشر والمخدرات والدعارة والمعتقدات الوضيعة لم تؤدي في ختام المطاف سوى للمزيد من مصادرة الهوية والمزيد من الهُزء بالخصوصية والتمايز وبالتالي المزيد من الإستئصال، لقد نجحت العولمة في ردم الهوة الإنسانية الثقافية بصرف النظر عن هيمنة النمط الإستهلاكي الإمريكي الطائش على طابعها العام، بيد أنها أخفقت في إنتاج (المَعيّة) بل أصّلت لمفهوم (النِدّيّة) وبالتالي (الإستئصالية) بدلالة ترسخ مفاهيم الشمال والجنوب والعالم الصناعي وما دون الصناعي والثالث النامي ورابعٌ جنيني لم يزل يتدرج في سُلّم الصيرورة والتشكُّل يشهد نمو غابة كثيفة من نُظم الإستبداد والقمع والتطهير العِرقي.

وحتى أوروبا الغربية التي أقسمت-بعد الحرب العالمية الثانية- بإغلظ الأيمان على احترام الإنسان وجوداً وحقوقاً وكرامة، لم تُفلح في منع المجازر الإستئصالية من الحصول على أراضيها وشواهد البوسنة وكوسوفا لم تزل حيّة، ومن قبلها إرهابُ الألوية الحمراء وبايدر ماينهوف وإيتا والجيش الأحمر والجيش الجمهوري الآيرلندي .

نحن نعيش في عالمٍ مِلؤه الغرابة، يولد الإستئصال معنا ونمنحه شهادة ميلادنا ونُسرِفُ في تعاطيه ومعاقرته بدءاً بقمع صوت الحكمة في دواخلنا وانتهاءاً بممارسة أشد أنواع التسلّط والعسف والقسر بحق محيطنا الإنساني، فأيُّ حربٍ قادمة ستقفز بمعدل القتلى التقريبي مرتبة كاملة عن آخر النزاعات التي نعرف، من المليونية إلى المليارية، ولن تترك للناجين غير ذكريات مشوشة عن أرضٍ كانت يوماٍ خضراء متألقة، وشركة واحدة من تلك العابرة للقارات والمتعددة الجنسية تمتلك من القدرة والجسارة ما يؤهلها لإشعال حربٍ مدمرة لا لشيءٍ سوى لتأمين امتيازاتها في منجم يورانيوم أو ماسٍ لعين وسط أفريقيا، عالمٌ يتبجح فيه الكارتل الصناعي-العسكري الأمريكي بإنتاجه لآلةِ يومِ القيامة (Doomsday Machine) والقنابل شِبه الذريّة أو أُمُّ جميع القنابل (Mother of all bombs) ويُجري حسابات دورية عن عدد المرّات التي يُتيح مخزون الأسلحة النووية تدمير الكرة الأرضية عن بُكرتِها، ورُبَّ سؤآلٍ يتجرّعُ غُصَّتهُ ببراءةٍ صِغارُنا وأجيالنا الصاعدة: تُرى، أيسعى إنسان اليوم إلى استئصال نفسه؟  
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق