]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

11 أيلول..ثمة ما يستحق الذكرى

بواسطة: ليث العبدويس  |  بتاريخ: 2011-08-14 ، الوقت: 15:06:38
  • تقييم المقالة:

في مَعَرَضِ تَناوِلِهِ لِعِلَلِ تَصَدَعِ وانهيارِ الإمبراطوريّة الآشورية، يُحدِّدُ الفيلَسوفُ القَدير والمؤرِخِ اللامِع آرنولد توينبي قانوناً مُستَحكِماً بِمَصيرِ الأُمَمِ العُظْمى لا تَستَطيعُ الفَكاكَ مِنهُ أو تَخطْيه وَإنْ


أفلَحتْ بِإرجائِهِ وتأخيرهِ حيناً مِنَ الدهر، فتوينبي يرى أنَّ التَسَلُّقَ يتبَعُهُ التَدحرُجُ، وأنَّ البُزوغَ يعقُبُه الأُفول، فليسَ بعدَ الذروةِ إلا الحَضيض، وَليسَ خلفَ القِمَمِ غيرَ السُفوح، حتميّةُ توينبي التأريخيّة، التي تلتَقي في مَكنونِها وثيمَتِها الجوهريّةِ معَ نَظريّةِ أعمارِ الدول الخَلدونيّة، تقودُ إلى التسليمِ بِموتِ الأمُمِ الكُبرى مُختَنِقةٍ في الدِرع الثَقيل، مُتحَحشرِجةً في الصَفيح السَميك، تارِكاً لَنا مُتعَةَ التنقيبِ في أسبابِ الإختِناق، أتُراهُ وَهَنُ الجَسَدِ وَعجزِهِ عَنْ حَملِ سُرودِ الحربِ؟ أمْ تَراكُمُ لأمَةِ القِتالِ وَتَعاظُمَ وَزنِها الفادِح؟ أمْ هيَ النواميسُ قَضتْ بِتباطؤِ إيقاعِ الحياةِ للدولِ والحضاراتِ وتَضَعضُعِ بُنيَتِها وَتَهَتُّكِ نَسيجِها وُصولاً إلى لَحظةِ الإحتِظارِ فالسَكرةِِ، ثُمَ الرَقدَة الأبديّة على رُفوفِ التأريخ المُترِبة؟

قالَ أحَدُ الأُدباءُ النوابِغِ يوماً: (عِندما أصبَحَ العالَمُ أشدَّ اسوِداداً مِنْ عُيونِ العِميان، صاحَ هؤلاء: نَوَّرَتْ!)، وَلَئِنْ كُنّا عاكِفينَ على تقْديمِ واجِبِ العِزاءِ السَنوي للمرّةِ الثامِنةِ على التوالي تأبيناً لِضَحايا هَجَماتِ الحادي عَشَرَ من أيلول، فإنَّ هُناكَ على الدوامِ ما يَستَحِقُّ التثبيتَ والقول، إنْ لَمْ يَكُنْ على سَبيلِ المُكاشَفةِ والبوح ففي سياقِ التَداولِ والدردَشة.

كانَ آخِرُ ما طالَعتهُ أبصارُ الآلوفِ التي قضتْ نحبَها صَبيحةَ ذَلِكَ اليومِ الأيلولي المُشمِسِ في نيويورك وواشُنطُن، طائِراتُ البوينغ وهيَ تنقضُّ بِغَضَبٍ وحَزمٍ على أبراجِ التجارة السامِقة، لَكِننا نُدرِكُ اليوم بِبَصيرةِ السِنينِ العِجافِ الثَمانِ التي أعقَبتْ زوالَ ناطِحتي السَحاب التوأمينِ، أنهُم كانوا شُهودَ عيانٍ بِقدرٍ كونِهم خسائِرَ جانبية، شُهودَ عيانٍ على عواقِبِ الغليانِ الشرق أوسطي وهوَ يجتازُ عُتبةَ الإنفِجار ونُقطةَ اللاعودة بِفِعلِ الصَلَفِ الرأسمالي والتَجاهُلِ الغربي واعوجاجِ المكيال الدولي بل واختِلال الميزانِ الإنساني في النظرةِ والتفاعُلِ والمُعالجةِ لِجُذورِ الصِراعاتِ المُزمِنة الطويلة، فارتَكَستْ العِلاقةُ بين الطَرَفينِ(الشرق-الغرب) وهوتْ إلى وادٍ سَحيقٍ مِنَ الأحتِرابِ والوَحشيّة وأخلاقِ الغاب، وَلمْ يَكُنْ غريباً أنْ تشحَنَ الساميّةُ الإسلاميّةُ سِلاحَها لِتُسدِّدَ أشدَ الطَعناتِ إثخاناً إلى قَلب المسيحيّة الأنجلوسكسونيّة في غفلةٍ منها، فالحَقيقَةُ الغائِبةُ هيَ أنَّ للظُلمِ دورةُ حياة، تبدأ بِالعسفِ والعُدوان، ولاتتوقفُ عِندَ ِالحِقدِ والإنتِقام، ولن يُنتِجَ الظُلمُ في خواتيمِهِ سِوى الغيضَ والكُره، تماماً كما لا يُخَلِّفُ القملُ غيرَ صُئباناً وَقملا.

ولو انعَطَفَ مُحمّد عَطا بِطائِرتهِ المُختَطَفة ليتفادى الإصطِدامَ بِهَدَفِهِ النِهائي، بِوحيٍ من صَحوة ضَميرٍ أو لَفتةِ عَطف، فإنَّ أمريكا لَم تَكُن لِتجنَحَ في غارَتِها بَعيداً عَن أبراج العالَمِ الإسلامي، فاليَمينُ الأمريكيُّ المُتحالِفُ مَعَ الأنجيليينَ التدميريين ومُروّجي يومِ الدينونة بدا توّاقاً لِصِدامِ الحَضارات، وانهَمَكَ مُنذُ انطِفاء أوار الحربِ البارِدة بِتصنيعِ وتسويقِ عَدوٍ بَديلٍ يملأُ الفراغَ الذي خلّفَهُ غيابُ الإتحادِ السوفيتي، كما أنَّ الصَدأ الذي أَخَذَ يعلو فولاذَ مَدافِعِ الناتو، بَعدَ تَقاعُدِ خَصمِهِ الشيوعي القَديم، كانَ لا بُدَّ أن تَُجلّيهِ نيرانُ مَعرَكةٍ ما، وَلمْ يَكُنْ هذا العَدوُ الإفتراضيُّ سِوى الإسلام، وَلمْ تَكُنْ ساحَةُ المعرَكةِ غيرَ الفَضاء الإسلامي، وَهكذا التَقتْ الخُرافَة الدينيّةُ بالشَراهة التوسُعية لِتَصنَعَ عالَمَ ما بَعدَ 11 أيلول، عَالَمٌ لا تَدُلُّ عَليهِ سِوى شَواهِدُ القُبُور.

نَحنُ في دوّامَة لا قَرارَ لَها وَحَلَقَةٍ مُفرَغَةٍ بِلا نِهاية، فَبِرَغمِ الدَمارِ الشاسِعِ الذي خَلَّفَتهُ هَجمَةُ مانهاتِن، وَرَغمَ أن الوِلايات المُتَحِدة كانَت، وَللمَرّةِ الأولى في تأريخِها، تَحتَ النارِ لِساعاتٍ بَدتْ كالقُرون، بَعدَ أنْ تَبخَرتْ مَنَعَتُها الجُغرافيّةُ وَهوجِمَتْ في عُقرِ دارِها، فَإنَّ الشَكَّ لا يُساوِرُنا في قُدرَةِ هَذِهِ الإمبراطوريّة اللامُتناهية، باعتِبارِها خُلاصَة الجَبروتِ وَنِهايةَ كُلَّ التَصوراتِ الماديّة، على تَرميمِ الإصابةِ وَمحوِ آثارِها، بَل وَتجاوِزِ كُلِّ حُدودِ المعقولِ في البِناء والتشييد والعِمران، دونَ أنْ يُشاغِلنا إصرارُها على الهُروب إلى الأمام فَنتجاهَلَ البَصمةَ العًميقة للحادي عَشر مِنْ أيلول على الوِجدان والوَعي والشَخصيّة الأمريكية التي عادةً ما ترفُضُ الإذعان والإقرارَ بالهزيمة، هذا مِنْ جانِبِ الغرب البراغماتي المُسلّحُ بفلسَفَتِهِ الوجوديّة الصِرفة، و أمّا َمِن جانِبِ الشرقِ المُتَهمِ حَثيثاً بالإرهاب، فلا شيء يَدُلُّ على تَراجُعِ مُنظماتِ العُنفِ عَن مشروعِها الرامي إلى تَدميرِ العالم الغربيِ وَقلبِ نَمَطِ حياتِهِ وَفرضِ رؤيَتِهِ الذاتيّة كَمُتغيّرٍ رئيسٍ في مُعادلةِ العِلاقةِ بين العالمين، وباختِصار، تَكونُ الصورةُ الأخيرةُ كالتالي، سيبقى الغَربُ سادِراً في غَيِّهِ مُتعاميّاً عَنْ جُذورِ الصِراع، وسيبقى مُعتَنِقو نَظريّة الحَلِ العَنيف مُستَعِدينَ لِتجنيدِ المَزيدِ من الإنتِحاريين من طِراز مُحَمّد عَطا.

وَمهما اِجتَهَدَ الغَربُ في تَجفيفِ مَنابِعِ الإرهابِ فَلَن يُفلِحَ في تحصينِ مُجتَمَعِهِ أو وَعدِ مواطِنيهِ بِمُستَقبَلٍ أكثَرَ أمناً، فالطُمأنينَة العالَميّةُ دُفِنَتْ تَحتَ أنقاضِ الأبراجِ المُتهاوية، والعالَمُ أضحى محفوفاً بِالمخاطِرِ والتهديداتِ المُتعاظِمة، وَلنَكُنْ هادِئين ورابِطي الجأشِ في مواجَهة الحقائِق الصادِمة، إذْ كانَ بالإمكانِ احتواءُ نِظامِ طالِبان عِوضاً عَن إقْتِلاعِهِ ودفعِهِ إلى حَربِ الأنصار والأغوارِ المُرهِقةِ الطويلة، التي لا يبدو أنَّ للإطلسيينَ فُرصَةٌ لِكسبِها ولا لِطالِبانَ مَناصٌ مِنْ خوضِها، كَما لاحتْ، مِنْ جِهةٍ أُخرى، فُرَصٌ عِدّةٌ لِتطويعِ جِهاديي القاعِدة بَدلاً مِنْ تَحطيم الشَبكةِ الجَهنميّة وتَناثُرِ التنظيمِ كَكُرة البِلّور المُهشَّمة في أصقاعِ المعمورة، مُخلّفينَ ورائهُم سيلاُ مِنَ الدِماءِ والدَمار كَردِّ فِعلِ أيِّ ضاريٍ شَرِسٍ يَجري تَعَقُّبُهُ وحِصارُه، مِنْ بالي إلى مَدريد فَلندُن فالدار البيضاء فإسطنبولُ وكوالالمبور والباكستان والسويس وأخيراً وليسَ آخِراً العِراق، وَهكذا، يَشتَدُّ عودُ الإرهابِ فيما تذوي هِمّةُ الإمبراطوريّةُ الأمريكيةُ وهي تختَنِقُ في دِرعِها العسكريِّ الثَقيل كونها بَدلةَ قِتالٍ لا تُلائِمُ الحربَ العالميّةَ الرابِعة، الحربُ على الإرهاب، الحَلُّ يَكمُنُ في تَجفيفِ مَنابِعِ الإستِبداد الشَرق أوسطي وَتطهيرِ الكُرَة الأرضيّةِ مِنَ نُظُمٍ تَحكُمُ مُنذُ تَدوينِ التأريخِ بِلُغَةِ الأحكامِ العُرفيّة والمَراسيمِ الجَمهوريّة والدواعي الأمنيّة، وإلا فَمِن أشدِّ الإستِخفافِ بِقيمَةِ الإنسانِ أن يُرمى الجَدُّ في غياهِبِ السُجونِ ليقضي عُمرهُ فيه ثُمَّ تَمتّدُّ الأغلالُ الأثيمة لِتُصَفِّدَ الإبنَ البريء دونَ أن تستثني الحَفيدَ، ثلاثةُ أجيالٍ لَمْ تفقه من الدُنيا غيرَ القُضبانِ وشتائِمِ الجلادينَ وأطباق الحِساء القَذِرة، كُلُّ ذَلِكَ في عَهدِ حاكِمٍ واحِدٍ أو سُلالَةٍ طُغيانيّةٍ استعباديّةٍ مُتتالية تتوارَثُ السوطَ والنَطعَ والمَشانِق وأقبيةَ التعذيبِ باسم الشرعيّة الثوريّة أو الدينيّة، فَهيَ وحدَها مَفقَسَةُ الإرهابِ ووالِدهُ الرَحومُ وَأُمِّهِ الرَؤوم، (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق