]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تأملات أناضولية

بواسطة: ليث العبدويس  |  بتاريخ: 2011-08-14 ، الوقت: 15:03:43
  • تقييم المقالة:
تأملات أناضولية   يقال أن الامهات الاوروبيات خلال العصور الوسطى دأبنَّ على ترهيب أطفالهن المشاكسين بالعثماني المخيف، تماما كدأب ذوينا في إثارة ذعرنا ونحن صغار بقصص السعالي والطناطل
والجان والمردة ونحوها من أشباح وأطياف خلقتها عقليات ريفية ساذجة بوحي من عزلة المزارع واصوات البراري الغامضة، حيث تتعانق الوحدة مع شظف العيش وخواء الجهل وموروث المفاهيم في ابداع وتشكيل المسوخ الافتراضية الهجينة، وهكذا تولد الاسطورة عندما يصمت شهود العيان، وبينما زاولت اذهاننا تلك المخاوف بتقدم العمر وافتضاح الحبكة المفبركة لإدوات القسر النفسي تلك واكتشافنا أن تلكم الحكايات لم تكن سوى ضرب من الترويح أو التأديب، لا يبدو الحال كذلك بالنسبة للنشأ الاوروبي الذي التصقت روايات التركي العنيف بمخيلته ووجدت لها ما يسندها في وقائع التاريخ، فسقوط القسطنطينية حاضرة الكنيسة البيزنطية الآرثوذكسية الشرقية تحت سنابك خيول السلطان محمد الفاتح ليس ببعيد في حسابات القرون وعمر الزمان، وهدير المدافع العثمانية وهي تدك أسوار اوروبا الشرقية والوسطى ما فتئ يتردد حتى اللحظة لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد.
وسرعان ما شرعت مطارق الزمن ونواميس القصور الذاتي وتناقضات المادية الجدلية – إن صح المفهوم الماركسي – تفتت ذلك البناء الامبراطوري المهيب، فدبت الشيخوخة وتسرب الوهن ينخر ابنوس الباب العالي المزين بالعاج العتيق، وعقب المغامرة العابثة مع قياصرة المانيا دنت النهاية المحتومة وضاع زهو السلاطين الغابرعلى موائد التقسيم في فرساي يوم تداعى عليها الأكلة طمعا بسلب وحصة من ميراث الرجل المريض المحتضر، ومن تحت الرماد انبعث ذئب سالونيك الأغبر، أبو الاتراك أو أتاتورك مصطفى كمال، في الوقت الضائع المستقطع من تاريخ أمة توشك على الغرق، فامسك بالدفة ليوجهها صوب مرافئ الغرب يلتمس هوية مضاعة ووجها حديث، فأعلن الجمهورية عام1923 واستأصل الخلافة بعيد ذلك ببضع سنين واقتلع الحرف العربي واستبدله بالابجدية اللاتينية والغى المحاكم الشرعية ومنصب شيخ الاسلام معتمدا القوانين المدنية الاوروبية وارسى العلمنة منهجا ودستورا مؤتمنا العسكر يسهرون على صونها، فلم يتوانى هؤلاء في مواجهة الشعب بقبضة الفولاذ وقفاز الحرير اذا لزم الامر او طرأ ما يهدد أسس النظام العلماني ومبادئ الاتاتوركية الطورانية الصارمة، حتى أضحت الانقلابات والانقلابات المضادة ظاهرة تلازم تحولات السياسة التركية الحديثة، كل ذلك في عملية تجميل تغريبي حداثي خارقة لجدار الصوت.
شكلت تركيا الى جانب اليونان –بتجاهل القضية القبرصية الوعرة - رأس حربة السياسة الخارجية الامريكية في الشرق الاوسط والبلقان إبان غمرة صراع الحياة والموت المستعر بين المعسكرين المتناحرين، ويتبدى ذلك من خلال المعاهدات والاتفاقيات العسكرية والاقتصادية المبرمة بين الجانبين وفقا لمبدأ ترومان عام 1947 (ومن بعده مبدأ آيزنهاور عام 1957) القاضي بضرورة الالتزام بدعم ومساندة النظم الموالية للغرب في تصديها للزحف الشيوعي عن طريق انشاء جدار من الدول الحليفة للنظام الرأسمالي بوجه الكتلة الاشتراكية يعمل على عزل امبراطورية الشر-كما كان يحلو لليبراليين نعتها- وحصر مؤثراتها والحيلولة دونما امتداد الغليان الثوري الى نقاط الوهن الجيوستراتيجي الرخوة واهمها مياه الخليج الدافئة، وقد توّج هذا التعاون الاستراتيجي الوثيق بانضمام انقرة الى منظمة حلف شمال الاطلسي (الناتو) عام1951.
عقود ثمان ونيف مرّت على غيبة الصدر العثماني الاعظم بخيلائه الطاووسي وكبرياءه المشهود، تنكّرت فيها وخلالها تركيا لماضيها تنكّر الخجول الذي تطارده آثام قديمة قارفها وذنوب ارتكبها، وقد بلغ الفصام والجحود لجلدها وجذرها منها مبلغا تركها تترنح من فرط التشقلب العنيف في اراجيح اللعبة الدولية والاقليمية، تركيا اليوم ترفض حتى التصنيف المعياري الاقليمي الذي يضعها في خانة الشرق الاوسط متذرعة بنظامها الديمقراطي التعددي القائم على تداول السلطة سلميا –نظريا على الاقل-وترى مرحليتها التاريخية في كونها نصف اوروبية/آسيوية جغرافيا وحضاريا، ولسان حالها يقول ان التطلع للاعلى (الشمال الاوروبي الواعد) خير واجدى من الحملقة البلهاء في الاسفل (الجنوب العربي المحبِط)، صراع عنيف بين ميراث الماضي وآفاق المستقبل ميدانه حاضر مربك متلون، ميراث لا ترى الدولة التركية الحديثة من بد للتعامل معه غير الشطب والالغاء وان دعاها ذلك الى مصادرة الحريات وكتم الافواه وتعسف الحقوق وشن حملات التطهير الثقافي داخل مؤسسات الدولة لتحييد المعارضين وكشط الافكار المشبوهة، وتتبدى الحساسية التركية المفرطة لمسائل بعينها ترى فيها تهديدا مباشرا لاسس النظام العلماني الذي اكتسب بفعل التنشئة الاجتماعية –السياسية والتعبئة القومية بعدا مقدسا بحيث صار المساس به من أشد المحرمات، فقضية الحجاب وتسرب القوى الدينية الى مؤسسات الدولة وتماهي الغيبيات الروحية مع النشاط السياسي أو الاسلام المسيس تعد خطوطا حمراء تهدد استقرار دعائم ارتكاز النظام وتقوض حالة السلم الاهلي وتفتح الباب امام شتى الصراعات وكل ذلك وفقا للمؤسسة الحاكمة وطاقم الجنرالات والقيادات العسكرية، وهم الذين يمارسون اعتى النفوذ من خلال محكمتهم الدستورية الالعوبة ومجلس الامن القومي السيف المصلت على رقاب الحريات السياسية، ولكن ذلك لم يمنع تنامي التيار الديني الذي حقق اطلالات متكررة نحو القمة متجسدا بالرفاه والعدالة والتنمية، والمطلع على نبض الشارع التركي يلمس بوضوح تعاطفه العميق مع قضايا المسلمين سواء من ارتبط الاتراك معهم بصلات القومية والعرق واللغة كالشيشان والانغوش والبوشناق(في البوسنة) والالبان وناغورني كاراباخ واقلية الايغور الصينية او حتى القضايا العربية كفلسطين ولبنان والعراق.
وها هنا بعد شائك للعلاقة العربية التركية، بعد ينطوي على التوتر وتاريخ مأزوم ملبد بالشك وملغوم بالارتياب، فالاتراك لن ينسوا/يغفروا للعرب ما اعتبروه يوما عقوقا وطعنة في الظهر حين أزَّ رصاص شريف مكة من جبهة الانجليز عام 1916 معلنا تمردا عربيا مرهقا جاء في أحلك مراحل التاريخ التركي، ثم تعمق الشعور بالغدر والخيانة عندما وقفت المنظومة العربية الرسمية والشعبية لا تحرك ساكنا ازاء ما اعتبرته أنقرة حقها التأريخي في قبرص بوجه اليونان بينما التفت امم أوروبا حول أثينا كالسوار على المعصم تذود عنها وتندد "بوحشية الاجتياح التركي للشمال القبرصي"، وفيما ذوت العلاقات الاقتصادية العربية التركية شيئا فشيئا حتى لم يبق منها غير الاسم والرسم في وقت غاصت فيه ركب الاقتصاد التركي بمشاكل المديونية والقروض والركود والتضخم والعجز، تضاعف التبادل التجاري مع اسرائيل مرات عدة وكشّرت اوروبا عن ابتسامة صفراء وفتحت لانقرة ابواب الانضمام للسوق الاوربية المشتركة مع وعد بمنحها عضوية الاتحاد الاوروبي ان هي اوفت بالشروط ووفرت الظروف المطابقة للمعايير الاوروبية فيما يتعلق بحقوق الانسان واستكمال التحول الاقتصادي وتأمين الحريات السياسية، ناهيك عن الشعور التركي بالمرارة ازاء ما تعتبره انقرة دعما سوريا عراقيا لحزب العمال الكردستاني المعارض المنخرط في صراع مسلح طويل مع النظام التركي منذ ما يربو على الثلاثين عاما ويزيد، صراع فاقمه من جانب ارتخاء قبضة النظام السوري على الاقليات القومية والطائفية ومحاولته اللحاق ولو على استيحاء بركب التحولات الديمقراطية الكوكبية المعولمة، ومن جانب آخر زلزال العراق الذي انجلى عن كردستان شبه الدولة المستقلة المتقلبة في بحبوحة حرية غير مسبوقة تثير غيرة كل الاقليات الكردية المضطهدة وتفتح شهيتها للمطالبة بحقوق نظرائها العراقيين.
أوما زلنا ننقم على تركيا أتاتورك بخلها علينا ببضع امتار مكعبة اضافية من مياه الفرات؟ او انشائها سدود الموت التي باتت تهدد بجعل الرافدين قاعا صفصفا وأثرا بعد عين؟ او نعيب ازدرائها لكل روابط الدين والتاريخ والثقافة والجوار التي تجمعنا بها ثم ننكر عليها تغزلها بالغرب وارتمائها في احضانه وتشببها بالدولة العبرية؟ ثم متى وفي عرف من صار التلاقي مع تل ابيب على صعيد واحد مثلبة ونقيصة؟ اولسنا اليوم من نتسول صنفا هابطا من السلام والامن والتطبيع تأنف أدنى السلائق الانسانية كرامة القبول به؟ أولسنا نحن من اليوم من يقف بالطابور يلتمس نظرة عطف من ضواري المجتمع اللاانساني القابعة عند قمة هرم السلسلة الغذائية الدولية لتشفع لنا عند بنات آوى وثعالب البحر الابيض المتوسط؟.
وهذه واقعة لله ثم لقراء التاريخ ننصف بها جارتنا الشمالية الابدية، فعشية عربدة الحرب عام2003، وبينما تحركت أسراب الغزو وارتال الاحتلال من قواعدها المنبثة في بلادنا العربية كاورام السرطان وبثور الجدري وهي تتهيأ لالتهام العراق دون نكير، انعقد البرلمان التركي في جلسة عاصفة كتبتها ذاكرة الايام دليلا على النضج وصواب القرار، رفض المجلس بشكل قاطع استخدام الاجواء والاراضي والمياه التركية منطلقا لاي عمل عسكري يستهدف أمن ووحدة وسلامة العراق، فيا ليت شعري، هل نرى عربنا بعد مليارات السنين الضوئية يتحلون بعشر معشار ذلك من الشجاعة؟  
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق