]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الكيف و الماذا و الفهم الخاطئ للإستراتيجية بدلالة التخطيط

بواسطة: علي بشار بكر اغوان  |  بتاريخ: 2011-08-14 ، الوقت: 03:42:43
  • تقييم المقالة:

 

الكيف و الماذا و الفهم الخاطئ للإستراتيجية بدلالة التخطيط

 

علي بشار بكر اغوان
طالب  ماجستير
جامعة النهرين
كلية العلوم السياسية
قسم  الاستراتيجية

مرحلة الكتابة

 

ان اي مختص ومعني بالإستراتيجية الحديثة يعي تماماً ان هناك تدافعاً مفاهيمياً كبيراً موجوداً في حقل الاستراتيجية العام ، هذا التدافع المفاهيمي أدى بدوره الى خلط الاوراق مع بعضها ، وتشويه جوهر الاستراتيجية وروحها ، وجعل منها  تغرق في محيط كبير من المفاهيم التي شوهت السمة الروحية لها ، وهذا الامر الذي جعلني ان اكتب هذه الرؤية التحليلية للاستراتيجية والفهم الخاطئ لها بدلالة التخطيط .

 

لماذا هذا التدافع المفاهيمي ؟؟

شهدت الحياة بشكل عام قفزة نوعية كبيرة جداً في كافة مفاصل البشرية ، وهذه القفزة نستطيع ان نقول عليها انها طفرة اصابت العالم بأسره جعلت من المفاهيم التي كانت تسود في القرن التاسع عشر وما قبله ذات بعد جامد ستاتيكي ولا يمكن تعميمها (نسبياً) على واقع الان وعلى طبيعة الحياة الحالية وما شهدته البشرية من تطورات خصوصاً في القرن العشرين و مطلع القرن الحادي والعشرين بسبب اختلاف طبيعة الاشياء عموماً ، الامر الذي ادى الى تطور العلوم كافة ، وهذا التطور جعل من التخصصات العلمية الصرفة والعلوم الانسانية تتداخل على بعضها ويحصل تلاقح مفيد من جانب وتشويه مضر للمفاهيم من جانب اخر ما بين هذه العلوم - العلمية الصرفة والعلوم الانسانية - الامر الذي ادى الى حدوث خلل في المنظومة المفاهيمية لكل علم ، بحيث نرى انشقاقات كثيرة تحدث ما بين العلوم و وصل الحال الان الى دراسة تفاصيل التفاصيل لكل علم وهو شئ جيد لانه يؤدي الى الدقة والتعمق في تفاصيل الحالة التي هي موضع الدراسة ، بعد ان كان الفرد في زمن ما طبيباً ومهندساً وشاعراً ورجل دين ... الخ ، اما الان فقد انتفت هذا الامور بعد القفزة الكونية الكبيرة و وصول العالم الى تكنولوجيا النانو ، والتعقد الكبير الذي اصاب الحياة البشرية بفعل التكنولوجيا .

 

من بين كل هذا وذاك اخص حديثي واحصره في العلم الذي ادرسه ، وهو علم الاستراتيجية ، ولي وجهة نظري خاصة في هذا الشأن ، حيث ان اساس كل علم هو إتباعه لمبادئ وقواعد واسس يقف عليها و يسلكها ويطبق قوانينه عليها ، وذلك اعتماداً على التنظير الفكري والتأطير المعرفي ، والاستراتيجية لم تخرج عن هذه الاسس ولم تهمل اي جزء منها ، بل على العكس من ذلك نرى ان علم الاستراتيجية هو بحد ذاته يقوم على التأكيد على هذه الدقائق ويدعو الى اتبعاها لكي يخرج الفعل الاستراتيجي بعد ذلك بصورة مشروع قائم على اساس المعالجات العلمية والالتزام بمعاير التنظير والتأطير الفكري ، ويمكننا ان نتلمس الفكر التنظيري للاستراتيجية من خلال النتاجات الفكرية لهذا العلم ، وما حققته هذه النتاجات من تطوير مهم في كافة بوتقات الحياة .

 

الفهم الخاطئ للإستراتيجية بدلالة التخطيط

لاحظت مؤخراً ان الكثير من الذين حاولوا الكتابة في مجال الاستراتيجية وتفصيلاتها وتشعباتها الطويلة والعريضة - هذا الحقل الهائل والكبير الذي يصعب الكتابة به لغير المختصين - انهم يتناولون الاستراتيجية على انها خطة بعيدة المدى أو انها خطة بشكل عام بغض النظر عن مداها وحدودها الزمنية يعمل على تنفيذها لتحقيق اهداف منظمة أو مؤسسة ما ، وان مثل هذه الكتابات اراها قد اصابت حقل الاستراتيجية بترهل مفاهيمي كبير ادت الى خلط المفاهيم حتى على الدارسيين الجدد لهذا الحقل وانا منهم في مرحلة من المراحل السابقة ، بحيث أضحى هناك اتجاه كبير من قبل (المختصين الطفيليين الجدد) في مجال الاستراتيجية والتخطيط والتخطيط الاستراتيجي و الذين يتناولون الاستراتيجية على انها خطة بعيدة المدى تسعى المؤسسة الى تحقيقها .

 

هذا الامر ادى بدوره الى تظيق المحتوى الروحي الاستراتيجية وجعلها اسيرة لمفهوم خنق ادائها الفعلي وجعلت منها جسد بلا روح ، وقامت بتقطيع اطرافها وشل حركتها الديناميكية عندما تم حصر الاستراتيجية في التخطيط والتخطيط الاستراتيجي ،  بمعنى انهم ضيقوا على انفسهم وعلى الكثيرين من المهتميين من بعدهم هذا المفهوم الواسع للاستراتيجية وجعلوه محصوراً بالتخطيط والتخطيط الاستراتيجي الذي يعد في الحقيقة مرحلة اساسية من مراحل الاستراتيجية نفسها وليس كلها ، والتي تبدأ بالتفكير وتمر بمرحلة التحليل والتخطيط والتنفيذ والتقييم والتقويم الاستراتيجي ، واشبه هذه الفئة من الدخلاء والمتطفلين على علم الاستراتيجية و الذين ارفض ان اطلق عليهم كلمة مختصين ، بالذي يقول ان هذه الغرفة في هذا المنزل هي اكبر من المنزل نفسه !! اي ما اعنيه هنا كأنهم عندما يعممون التخطيط والتخطيط الاستراتيجي على انه استراتيجية بحد ذاته ، هم بذلك يحجمون من دورها دون علمهم بمحتواها الروحي .

 

اخص الحديث هنا بمجموعة من الذين يبحثون في مجال التخطيط والتخطيط الاستراتيجي والذين يعنون بتطوير الموارد البشرية والادارة الاستراتيجية ، الذين هم بالاساس متخصصين في امور اخرى كالهندسة والطب والزراعة و الفيزياء والتاريخ والجغرافيا وحتى الاقتصاد(على الرغم من اقترابه الكبير من الاستراتيجية بحيث يعد اداه من ادواتها الرئيسية والحيوية) وغيرها من العلوم الاخرى ، التي ساعدت في تشويه المفهوم الجوهري لروح الاستراتيجية و للاستراتيجية نفسها ، بحيث ان هذه الفئة لديها الكثير من الطروحات التي اصابت الفعل الاستراتيجي بعملية الترهل المفاهيمي في تحديد المحتوى والوعائي والتنظيري لجوهر الاستراتيجية ، والذي استطيع ان اقوله في هذه الفئة  انهم يمتلكون الموهبة والفن  ولكنهم لا يمتلكون العلم نفسه ، والموهبة لوحدها لا تكفي ، والعلم لوحده ايضا لا يكفي ، فأساس كل حقل يبتغي النجاح في وظيفته الذي انشأ لأجلها هو ان يعتمد على المبادئ والاسس العلمية   وفن البراعة والمهارة في اداء هذا العلم اي انها عملية تزاوج ما بين اشياء فطرية تولد مع ولادة الانسان واشياء تكتسب من خلال الاحتكاك في اطر البيئة المعاشية والحياتية العملية ومع الدراسة العلمية الاكاديمية للحقل العلمي .

 

ومن خلال هذا الطرح اقدم مفهومي الخاص بالاستراتيجية على انها علم وفن وضع الاهداف وتوظيف الامكانيات اللازمة المتاحة والغير متاحة خلال فترة زمنية معينة قابلة للزيادة و النقصان لتحقيق هذه الاهداف ، مع الاخذ بنظر الاعتبار كافة المتغييرات والعوامل المتعلقة بالبيئة الاستراتيجية نفسها وخضوعها لمراحل اساسية مفصلية لا يمكن تجاوزها وهي التفكير والتحليل والتخطيط والتنفيذ والتقييم والتقويم .

 

وهذا المفهوم للاستراتيجية يرسم الخطوط العريضة للفكرة الذهنية التي تدور في عقل ومخيلة المنظر الاستراتيجي الذي يبحث في " الكيف " التي تفصل تفاصيل الفعل الاستراتيجي وتبحث في دقائقه الدقيقة و " الكيف " هنا تختلف كثيرا عن " الماذا " حيث ان هناك فرق كبير بين " العبارتين التاليتين  " كيف تفعل قبل ان تفعل و ماذا تفعل قبل ان تفعل " حيث ان " الكيف " تفصل التفاصيل للفعل الاستراتيجي على العكس من" الماذا " تبحث في الجزء السطحي للفعل الاستراتيجي ، وهنا جوهر الاستراتيجية وحوهر الاختلاف بين المختص الفعلي في مجال الاستراتيجية والدخيل المتطفل الذي ينظر في الاستراتيجية ، حيث ان المختص والدارس لحقل الاستراتيجية بصورته الاكاديمية يبحث في  " الكيف " على العكس من الدخيل على هذا الحقل الذي يبحث في الماذا عندما يحصر الاستراتيجية بالتخطيط والتخطيط الاستراتيجي .

 

و اذا ما قمنا بسؤال احد الاشخاص بالقول له (ماذا) ستفعل غدا صباحاً ؟؟ فسوف يجيب بأنه سوف يذهب الى الجامعة لحضور المحاضرة ومن ثم يعود الى المنزل فور انتهاءه  ونلاحظ  هنا السطحية في التفاصيل الفعل ، واذا ما سألنا السؤال مرة اخرى ولكن بصيغة اخرى وهي" الكيف " اي( كيف )ىتفعل ذلك غدا ؟؟ سوف يجيب ويقول سوف استقض في الساعة السابعة صباحاً وسوف ارتدي ملابسي الفلانية وانتظر الحافلة التي سوف تنقلني الى الكلية في نهاية الشارع من ثم اصل الى الكلية في الساعة الثامنة الا ربع ومن ثم ادخل المحاضرة في الساعة الثامنة واخرج منها في الساعة العاشرة وبعدها اذهب لتناول شئ في نادي الكلية ومن ثم اعود للمحاضرة الثانية وادخلها في الساعة الحادية عشر واخرج منها في تمام الواحدة وأغادر الكلية في الواحدة والنصف واركب في الحافلة في الساعة الثانية ضهراً واصل المنزل في الثانية والنصف .

هنا نلاحظ من خلال المثال التوضيحي السابق عدة امور منها ان " ماذا " اجابت على السؤال بصورة سطحية جدا بحيث لم تتفصل بدقائق الفعل على العكس من " كيف " التي كانت دقيقة في تحديد دقائق الفعل ، ومن هنا نستنتج ان الاستراتيجية تبحث في " الكيف " التي تقوم على اساس تحديد الخطوات المستقبلية للفعل الاستراتيجي نفسه وتحديد مفاصله بشكل مفصل بحيث لا تهمل اي جزء منه لان اهمال اي جزء من الفعل الاستراتيجي يؤدي الى احداث خلل في المنظومة الفكرية للفعل نفسه ، وعلى العكس من " الماذا " التي نراها انها تناولت الخطوط العريضة للفعل ورسمت له مساراً عاماً مستقبلياً ، وهنا استطيع ان اشبه " الكيف والماذا " بمنهجين من مناهج البحث العلمي والأكاديمي وهما المنهج الوصفي والمنهج التحليلي ، حيث يتناول الاخير تفاصيل الظاهرة ويدرس اسبابها ويبحث في اعماقها وتطوراتها وكيف حدثت ولماذا حدثت ومتى حدثت ، على عكس المنهج الوصفي الذي يدرس الاجزاء السطحية والخارجية للظاهرة ولا يبحث في تفاصيل تفاصيلها .

 

اخيرا يمكنني القول ان الاستراتيجية اصيبت بعملية ترهل كبير نتيجة لدخول بعض المتطفلين الذين شوهوا هذا العلم وجعلوا منه اسيراً لرؤاهم الضيقة والمحدودة والتي اتت من خلال موهبة غير ممزوجة بدراسة اكاديمية علمية لهذا الحقل ، بحيث ان مرض هؤلاء الجماعة انتقل الى بعض المختصين في العلوم السياسية والاستراتيجية نفسها بحيث انهم قاموا بتبني هذه المفاهيم الدخيلة والترويج لها ، وهذا السبب في رأي الشخصي هو الذي جعل من بعض المختصين ايضاً ينفون صفة العلم على الاستراتيجية وجعلهم يترددون ويخافون في اطلاق صفة العلم على هذا الحقل، ، وكما حدث سابقأ مع حقل علم السياسة بشكل عام بحيث انه لحد الان هناك بعض المختصين بالسياسة ينفون عليها صفة العلم بسبب التطفل الكبير الحاصل عليها من باقي العلوم الاخرى .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق