]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تعريف القلق كظاهرة سيكولوجية

بواسطة: الاستاذ هشام العفو  |  بتاريخ: 2012-10-31 ، الوقت: 19:00:06
  • تقييم المقالة:

 

- تعريف القلق كظاهرة سيكولوجية[1]

يعد القلق من الناحية النفسية، حالة من الترقب والخوف الغامض، الذي يصيب تفكير الإنسان، ويستبد بمشاعره، ويسبب له كثيرا من الضيق والألم، ويوجد فرق بين القلق والخوف، ويعتبر الأخير رد فعل طبيعي لخطر معروف وواقعي يمكن تحديده، مثل الخوف من الحيوانات المفترسة، أو الخوف من النار...، أما القلق فهو رد فعل لشيء غامض غير معروف، غير محدد، ولا يستطيع الإنسان الذي يعاني من القلق أن يعرف له سببا واضحا.

والقلق موجود مع الإنسان منذ مولده وحتى وفاته، فهو حالة نفسية تبدأ بالتشكل في المراحل الأولى من عمر الإنسان، وخاصة في مرحلة الطفولة – إذا كانت العلاقة بين الطفل ووالديه غير مستقرة- فالطفل الذي لا يشعر بالحب والعاطفة في سنواته الأولى، تنمو في داخله بذور القلق والكراهية لوالديه، وبالتالي يشعر بالعداء نحو الآخرين، ويتوقع الشرر والضرر من كل إنسان.

  ويكون الطفل في تلك المرحلة العمرية غير قادر على إظهار الغضب والكراهية لوالديه، لأنه يعتمد عليهما كثيرا. فإنه يكبت تلك الكراهية ومشاعر الغضب لتظهر بعد ذلك على شكل القلق، وهو قلق مرضي.

ويوجد ارتباط بين القلق والحزن، حيث يبدو الإنسان القلق حزينا ومكتئبا ومحبطا، لأن القلق هو رد فعل ينتج عن الخوف من فقدان عاطفة أو الخوف من ذلك.

ويعبر الطفل عن قلقه بالبكاء عندما يجد نفسه مع شخص غريب بدلا من وجود أمه، وينجم هذا التعبير تلقائيا لأن الطفل لا يستطيع التمييز بين الغياب المؤقت والفقدان الدائم. أما الشاب المعطل الذي يئس من طول الانتظار، فقلقه دائم ومستمر وحزنه لا يفارق محياه، فعلامات اليأس والكآبة والشعور بالضياع والتيه، يبقى الترقب والتشبث بالأمل الواهم، تتغير تصرفات وسلوكات الشباب تدريجيا وتزيد حدة القلق بالإضافة إلى السرعة التي يتميز بها إيقاع الحياة المعاصرة.

ويعاني بعض الأشخاص من الإعياء المستمر والاضطرابات الهضمية والضيق والصداع والأرق نتيجة للقلق المستمر.

والقلق حالة نفسية تنتج عن الأحداث الفيزيائية والكيميائية التي تحفز أنظمة الجسم على إفراز الهرمونات وإحداث بعض التغيرات الفيسيولوجية، ومن أجل هذا فإن على الإنسان القلق أن ينظر إلى الحياة نظرة متفائلة، كما يوجد بعض المشروبات يمكن أن تساعده على الاسترخاء وتقليل إفراز الهرمونات، ومن هذه المشروبات، تلك التي تحتوي على أعشاب طبيعية، مثل البابونج الذي يساعد على استرخاء العضلات، وعشبة الجنسنج التي تساعد في علاج أعراض القلق والتوتر.

ولعل القلق هو حالة من الصراع النفسي الذي يعتري الإنسان من مصدر غامض، ولا يستطيع الإنسان معرفة سبب ذلك في أكثر الأحيان.

يلعب الصراع القائم بين الأنا (النفس) والأنا الأعلى (الضمير) دورا أساسيا في هذه الحالة[2].

يتدخل القلق في جميع أعراض العصاب الذي يتعرض له الإنسان كالوهن النفسي والوسواس وهسترية القلق وعصاب القلق.

 * تعريفات بعض علماء النفس للقلق[3]*

1- تعريف فرويد: القلق: رد فعل لحالة خطر

2- تعريف هورني: القلق: هو استجابة انفعالية لخطر يكون موجها إلى المكونات الأساسية للشخصية.

3- تعريف حامد زهران: القلق: هو حالة توتر شامل ومستمر، نتيجة توقع تهديد خطر فعلي أو رمزي، قد يحدث، ويصحبها خوف غامض وأعراض نفسية وعضوية.

4- تعريف أحمد عبد الخالق: القلق، هو شعور عام بالخشية، أو أن هناك مصيبة وشيكة الوقوع وتهديد مصدره غير معلوم، مع شعور بالتوتر، وخوف لا مسوغ من الناحية الموضوعية، وغالبا ما يتعلق بالمستقبل والمجهول.

5- تعريف نعيم الرفاعي: القلق: هو استجابة انفعالية مركبة من الخوف والتوتر والضيق لخطر يخشى من وقوعه يكون موجها للمكونات الأساسية للشخصية.

 

6- تعريف محمد قاسم عبد الله: القلق: هو استجابة انفعالية مركبة من الخوف والتوتر والضيق لخطر أو تهديد واقع أو يخشى وقوعه موجه نحو الشخصية بكاملها.

 

وأستطيع أن أعرفه بأنه: حالة نفسية شديدة تتسم بالتوتر الشامل، من شيء معروف، أو غامض يتعطل معه تفكير الشخص.

 

ويتبين من خلال تلك التعريفات وغيرها أن ما يميز القلق هو أنه:

 

أ‌-       انفعال (جوهره الخوف الغامض)

 

ب‌-ينطوي على تهديد وخطر (دوافع أو يخشى وقوعه)

 

ج- يرافقه شعور بالتوتر والتوجس

 

د- الخطر والتهديد موجه نحو الشخصية بكل مكوناتها (الجسمية والنفسية والاجتماعية)

 

ح- مبالغة الفرد في خطورة الموقف.

 

2- تعريف القلق وطبيعته[4]

 

القلق كما يتفق علماء التحليل النفسي وحتى علماء النفس المعاصرين، ما هو إلا نذير بأن هناك شيئا سيحدث، ليهدد أمن الكائن وتوازنه وطمأنينته، إنه أشبه بجرس الإنذار الذي يعد لمواجهة الخطر، ولهذا فإن القلق هو الاستجابة التي تغلب على الناس، عندما يجد أحدهم نفسه مقبلا على الشيء مهم أو خطير، ولهذا فمن الطبيعي أن يزداد القلق عندما يكون الإنسان ضحية أزمة صحية أو كارثة مادية، أو تحت تأثير أشياء تهدد أمنه أو حياته أو في المواقف الاجتماعية المتأزمة.

 

ومن العسير حقا أن نضع قائمة شاملة بالمواقف المثيرة للقلق، إلا أن المواقف التي تثير القلق تشترك فيما بينها في الخصائص التالية:

 

-         جميعها تتعلق بالمستقبل أو بأشياء مرتقبة

 

-         جميعها ينطوي على شيء مهدد أو مخيف

 

-         التهديد في بعضها حقيقي، والتهديد في بعضها الآخر ليس حقيقيا أكيدا، بل يراه الإنسان كذلك[5] .

 

ومن هنا يأتي تعريفنا للقلق، بأنه انفعال يتسم بالخوف والتوجس من أشياء مرتقبة، تنطوي على تهديد حقيقي أو مجهول، ويكون من المقبول أحيانا أن نقلق للتحفز النشط ومواجهة الخطر، لكن كثيرا من المواقف المثيرة للقلق لا يكون فيها الخطر حقيقيا، بل متوهما ومجهول المصدر.

 

ولهذا فإن القلق يشيع أكثر ما يشيع، بين فئة من الناس، يطلق عليها العلماء اسم العصبيين- أي الفئة التعيسة من البشر التي تتوجس شرا من كل موقف- ويعيش أفرادها لهذا في إزعاج دائم وخوف.

 

ولهذا نجد من القلقين من ينزعج لأشياء غير مهددة بطبيعتها، بل قد تثير لدى غيرهم التقبل والاستحسان، كمشهد بعض الحيوانات الأليفة، أو السفر إلى مكان جديد، أو الدخول في علاقات اجتماعية مرغوبة، حتى النجاح والتفوق والحصول على شيء كان يصعب تحقيقه، قد يثير لدى الإنسان الذي تتسم حياته بالقلق أكثر من الخوف، بأن تنقلب هذه الأشياء السارة في المستقبل إلى كارثة محتمة.

 

إن الخطر الذي يسبقه القلق، عادة ما يكون خطرا متوهما ومختلفا، والخوف الذي يمتلك الناس في حالات القلق وخوف مجهول المصدر. وغامض، وغير عقلاني، ومن ثم يجيء تعريف العلماء للقلق، بأنه، خوف من شيء مجهول المصدر، وأنه حالة وجدانية غير سارة، تتملك الإنسان وتجعله يرى أخطارا غير حقيقية ذات مصدر غير معلوم للآخرين.

 

وجاء في كتاب لسان العرب لابن منظور، أن القلق هو الانزعاج ويقال، بات قلقا وأقلقه غيره، وأقلق الشيء من مكانه وقلقه، حركه، والقلق: ألا يستقر في مكان واحد.

 

والقلق حالة نفسية تتصف بالخوف والتوتر، وكثرة التوقعات، وينجم القلق عن الخوف من المستقبل، أو توقع لشيء ما، أو عن صراع في داخل النفس بين النوازع والقيود التي تحول دون تلك النوازع.

 

والقلق أكثر الاضطرابات النفسية شيوعا، فهو يصيب 10 – 15%من الناس، ويزداد حدوثه في الفترات الانتقالية من العمر، كالانتقال من مرحلة البيت إلى المدرسة، أو من مرحلة الطفولة إلى المراهقة، وعند الانتقال إلى سن الشيخوخة والتقاعد، أو سن اليأس عند النساء[6].

 

كما قد يحدث القلق عند تغيير المنزل أو العمل أو ما شابه ذلك، وقد يصاب الإنسان بالقلق كانفعال طارئ يزول بزوال السبب، وقد يصبح مزمنا يبقى مع الإنسان لساعات أو أيام.

 

ومن أشكال القلق، قلق الأم على ابنها أن تأخر عن موعد وصوله وقلق الإنسان على وظيفته وعمله، أو قلق الإنسان على صحته حين يمرض، وقلق الطالب على نتائج امتحاناته، أو قلق التاجر على تجارته[7].

 

أما عن طبيعة القلق: فكثير من علماء النفس يركز على أن القلق شعور عام بالخيبة، أو بخطر وشيك الوقوع، ومصدره غير معلوم، إنه استجابة مبالغ فيها، لمواقف لا تشل خطرا حقيقيا، وقد لا تخرج عن إطار الحياة العادية، ولكن الفرد الذي يعاني القلق يستجيب لها غالبا كما لو كانت تمثل خطرا ملحا أو موقفا يصعب معالجته.

 

*وقد حدد لويس Lewis، الخصائص الست للقلق هي:

 

1- إنه حالة انفعالية Emotional stateيرتبط به، ذعر، خشية، توقع خطر، توجس.

 

2- هذا الانفعال يتميز بأنه غير سار unpleasant

 

3- إنه انفعال موجه نحو المستقبل Directed Toward Future

 

4- لا يوجد تهديد حقيقي أو معروف أو محدد أو أن التهديد إن وجد فعلا فهو لا يستدعي مثل هذا الانفعال ولا يتناسب معه بهذه الدرجة من التهويل.

 

5- هناك شكاوي جسمية ذاتية تحدث في القلق وخاصة شعور بضيق الصدرEspecially construction of cheast .

 

6- يرافقه أيضا اضطرابات وتغيرات عضوية وجسيمة واضحة Manifest Bodily disturbance

وقد وضع نايتزل وبرنستاين Nietel, Bermsten 1981)*)، أربعة مبادئ سلوكية تميز القلق، وأضاف إليها بيلاك ورفاقه 1988 ثلاثة أخرى اعتمد عليها الكثير من العلماء في تقديرهم للقلق وطبيعته وهي:

1-      أن القلق ليس سمة أو خاصية للشخصية موجودة داخل الفرد.

2-      يمكن اكتساب القلق بطرق التعلم المختلفة (التي شرحها السلوكيون، مثل الاشراط، التعلم بالقدوة).

3-      يضم القلق مكونات سلوكية متعددة ومعقدة، تحدث مرتبطة بمثيرات استجابات القلق، من هنا يتحدث علماء النفس السلوكيون عن ثلاثة جوانب لاستجابة القلق وهي:

 

-         تقرير الشخص نفسه وما يتحدث عنه من ضيق وتوتر وخشية.

 

-         تغيرات عضوية جسيمة، وخاصة التغيرات المتعلقة بإثارة الجهاز العصبي السمبثاوي.

 

-         الاستجابة الحركية الظاهرة التي قسمها (بوال) إلى قسمين: مباشرة: (قياس اللواحق السلوكية والآثار الظاهرة للإشارة العضوية) وغير مباشرة.

4-      أن مكونات استجابة القلق هذه ليست مترابطة بدرجة عالية، لقد دعيت هذه الخاصية للقلق، بأنها تجزئ الاستجابة Response Fractionation.

5-      إن مكونات استجابة القلق هذه، تشرح لنا العمليات المعرفية والعقلية عند الفرد: الإدراك والإدخال، والترميز للمعلومات وتفسيرها، وتبخيس الفرد لقدراته وصورته عن نفسه.

6-      إن التصنيف التشخيصي الذي وضعته الجمعية الأمريكية للقلق وأمراضه شجعت الكثير من البحوث من أجل دراسة الفروق و (التشابه) في أسبابه، ومظاهره، وجوانبه النفسية والعضوية.

7-      يجب التشديد في الاعتماد على المعيار التشخيصي الدقيق الذي وضعه الدليل التشخيصي والإحصائي للأمراض النفسية(Dsmm)، لتشخيص أمراض القلق ووجود عوامل تؤثر في تقديرنا السلوكي للقلق وتشخيصه.

1- القلــق العـام:

وهو عبارة عن مشاعر خوف ورهبة مبالغ فيها أو غير مبررة لعدم وجود سبب واضح لها، وتستمر هذه المشاعر المبالغ بها أو الوهمية لمدة تزيد عن ستة أشهر.

وشرائح المجتمع الأكثر عرضة للإصابة بالقلق العام تشمل الأطفال والمراهقين من كلا الجنسين، ولكن بشكل عام البالغون من الجنسين ما بين سن العشرين والثلاثين هم اكثر شرائح المجتمع عرضة للإصابة بالمرض[8]

أعراض القلق العام

-         التعرق الزائد

 

-         اسهال وكثرة التبول

 

-         النرفزة وسرعة الغضب

 

-         الغثيان والشعور بالدوخة

-         فقدان القدرة على التركيز

-         توتر عضلي وعصبي واضح

-         الشعور بالبرودة والرطوبة في اليدين

-         النشاط الزائد وعدم القدرة على التزام الهدوء

-         الشعور بتعب وإجهاد وزيادة عدد دقات القلب

-         جفاف في الفم مع صعوبة في بلع الطعام أو الشراب.

إذا تحدثنا عن أسباب القلق العام ونوبات الهلع، لابد من التأكيد على نظرية العوامل العضوية النفسية الاجتماعية في فهم الاضطرابات النفسية، حيث يختلف تأثير ووزن عامل على حدة من حالة لأخرى، وتبين الدراسات الحديثة تأثير العوامل العضوية في نشوء اضطربات نوبات الهلع بشكل أوضح من حالات القلق العام[9].

فمن الناحية الوراثية، تبين أن 25%ثيرأمن أقارب الدرجة الأولى للمريض لديهم نفس الاضطراب، كما تصل نسبة إصابة التوائم وحيدة البيضة إلى 5 أضعاف إصابة التوائم ثنائية البيضة، وتشير إحدى النظريات العضوية إلى وجود حساسية خاصة في جدع الدماغ لغاز ثاني أوكسيد الكربون(CO2)   وهي حساسية مزمنة تؤدي إلى فرط التنفس المزمن (سرعة التنفس وسطحيته)، وقد تبين بالتجربة أنه إذا كان هواء الغرفة مشبعا بنسبة 5%من غاز CO2  ، فإن ذلك يؤدي إلى حدوث نوبات هلع في الأشخاص المهيئين لهذا الاضطراب. وعمليا نجد أن عديدا ممن يشكون من نوبات الهلع ينزعجون عند دخول غرفة مكتظة وسيئة التهوية، مما يمكن أن يفسر سبب الحساسية الخاصة لغاز الكربون، والذي ينتج عن تنفس الحاضرين الاعتيادي.

وتتفاوت الفرضيات العضوية في تأكيدها على أهمية منطقة معينة من الدماغ من حيث زيادة نشاطها أو وجود نقص في أحد الخمائر الدماغية وغير ذلك في علاقتها بنشوء القلق، وربما تكون منطقة اللطخة الزرقاء (Locus corrolous)هي المسؤولة عن إفرازات دفعة من مادة الادرينالين المولدة للقلق.

[10]ثيرأوبشكل عام، لا يوجد إلى الآن تفسير قاطع وواضح حول آلية حدوث نوبة الهلع وحول سبب الخلل العضوي الكامن وراءها، ولكن الدراسات الحديثة والتطورات التقنية تبشر بفهم أعمق وواضح لماهية القلق وأسبابه العضوية.

وإذا تحدثنا عن الأسباب النفسية نجد أن هناك عدة أمور أساسية مثل ما يسمى (بقلق الخصاء Angoisse de castraction)، والذي يحسه الشخص في أعماقه على شكل خطر وتهديد من رموز السلطة الأبوية، وهو ينتج عن أسباب تربوية تؤدي بالإنسان إلى الشعور بالتهديد والقلق، عندما يحاول أن يثبت ذاته، أثناء حله لمشكلة يعترضه لقلق الفشل والشعور بالضعف والقصور، وهناك الانفصال(Angoisse de separation) والذي يمكن أن يبدا بشكل خوف من الذهاب إلى المدرسة في سن الطفولة، وفيما بعد، يظهر بشكل نوبات هلع عندما يغادر الإنسان منزله أو يسافر بعيدا عن أهله وعلاقاته المهمة، وغير ذلك من المواقف الحياتية التي تثير حساسية قلق الانفصال مما يؤدي إلى ظهور النوبات ويرتبط بذلك التعقيدات النفسية والحرمانات والالام التي يتعرض لها الإنسان خلال مرحلة الاستقلال والانفصال في نموه النفسي.

وتفيد نظريات التعلم السلوكي في فهمنا لأسباب نوبات الهلع وهي تتلخص في أن الإنسان قد تعلم أن ازدياد دقات القلب مثلا، مرتبط بحدوث الخطر الشديد مهما كان سبب هذا الازدياد، ويؤدي ذلك إلى ارتباط الخوف والقلق بالظرف المؤلم وبالتالي بتوقع الخطر.

 

2- القلــق النفسي:

 

ينشأ القلق النفسي Anxiety Neurosisمن عجز الإنسان عن حل صراعاته بالطريقة المباشرة أو غير المباشرة- الحيل الدفاعية اللاشعورية، وهو نقطة البداية لكل ألوان سوء التكييف واضطرابات الإنسان وإذا زادت حدته إلى درجة تعوق التكيف أصبح الإنسان ذي استعداد عصبي أو عصبي فعلا، وهو حالة انفعالية وقتية أو حالة من التنظيم الإنساني تختلف في الشدة والتذبذب بمرور الوقت.

 

وتتميز هذه الحالة بمشاعر موضوعية ومدركة شعوريا من التوتر وتوقع الشر، وإثارة الجهاز العصبي، وهي انفعالات عاطفية معقدة يدركها الأفراد كتهديد شخصي، وهو شعور عام غير سار وغامض مصحوب، بالتوتر والخوف والتحفز وتوقع الخطر والسوء وحدوث كل ما هو مهدد للشخصية، ويخبره الناس بدرجات مختلفة من الشدة وفي مظاهر متباينة من السلوك، مصحوبا ببعض المظاهر الجسيمة والانفعالية المتكررة وهو أكثر الأمراض النفسية شيوعا[11]ثيرأ.

 

وسمي هذا العصر بعصر القلق، وذلك لتعقيد الحضارة وسرعة التغير الاجتماعي، وصعوبة التكيف مع المتغيرات الاجتماعية الحديثة والمليئة بالمشاكل المادية، والتفكك العائلي وضعف القيم الدينية والأخلاقية وصعوبة تحقيق الرغبات الذاتية، فالحياة العصرية تتميز بزيادة درجات القلق إلى الحد الذي أصبح فيه القلق ظاهرة عامة في حياتنا اليومية، وذلك لازدياد ضغوط الحياة التي يتعرض لها الإنسان المعاصر عندما يسعى لتحقيق أهدافه وكلما واجه صعوبات في تحقيق هذه الأهداف وعجز عن تحقيق ذاته كلما انتابه القلق النفسي.

 

والقلق من المشاعر المؤلمة والمعقدة التي يصعب على الإنسان المعطل تحملها وتعتبر الأساس لكل سلوك سوي أو مضطرب عند هذا الإنسان، ورغم أن القلق يمثل أحيانا روح الحياة والركيزة الأساسية لكل الانجازات البشرية المألوفة منها والإبداعية إلا أنه وعندما يصل إلى درجة من الشدة تغمر الإنسان، فإنه يتحول من القوة الدافعة للشباب المعطل إلى القوة التدميرية الأولى لكل قدراته وميزاته، فيشعر الإنسان المعطل بالإحباط والعجز واليأس والاضطراب، ويتشتت تفكيره، ويفقد الشعور بالأمان وبالدفء العاطفي[12]ثيرأ

 

وقد يكون القلق كحالة أو كسمة، كحالة مؤقتة نتيجة سبب ما، وكسمة يكون في الإنسان بشكل مستمر بسبب أو بدون سبب مباشر، غالبا أسباب لا شعورية في العقل الباطن.

3- أسباب القلـق:

يرتبط القلق بالصراعات التي يعاني منها الإنسان ارتباطا وثيقا ويلعب وخز الضمير دورا مهما في إثارة ذلك القلق، كما ينشأ القلق نتيجة لشعور الإنسان بالتهديد الخارجي الواقعي أو غير الواقعي الذي ينتج عن تخيل الإنسان لذلك التهديد الموهوم[13]ثيرأ.

تلعب الرغبة المكبوتة التي لا يستطيع الإنسان إشباعها دورا مهما في ذلك القلق.

تلعب الدوافع المختلفة دورا مهما في ذلك أيضا، فالحرمان من الحب والحنان وعدم إشباع الحاجات البيولوجية والخوف من إيقاع العقاب على الإنسان الذي يتميز بأنه مسلوب الإرادة أو الطفل الذي يتصف بضعف في الإنسانية. أو الشباب الفاقد للأمل والذي يعاني من القهر الاجتماعي.

كما ينشأ القلق نتيجة للتهديدات المختلفة التي يشعر بها الإنسان سواء كانت خارجية أو داخلية.

كذلك تلعب أمور مختلفة دورا مهما في ظهور القلق كالتوتر النفسي الناتج عن الصراع بين الأخلاق والتقاليد ومطالب المجتمع والضمير والتعاليم الأخلاقية بين النفس المثالية والنفس النزوعية، بين تحقيق الذات والعائق لذلك، بين إشباع الدوافع، وبين الممنوعات خاصة ما يتعلق بالغرائز الجنسية.

ويمكن إجمال أهم أسباب القلق على النحوالتالي:

* الفراغ الروحي:

وما يتبعه من شعور بالوحدة والضياع والخوف من اليوم والغذ والصراع بين الأنا (النفس) والأنا الأعلى (الضمير).

* عدم القدرة على تحقيق مكانة اجتماعية.

ألا يستطيع الإنسان أن يرتقي بقدراته وتطلعاته إلى أن يصل إلى المنزلة الاجتماعية أو المستوى الاقتصادي والاجتماعي المرتفع الذي رسمه لنفسه، ولاسيما إذا كان المجتمع الذي يعيش فيه يقيس منازل الناس بقدر ما في جيوبهم، ويحيطهم بهالة من التبخيل والتقدير، فيسيطر القلق على هذا المحروم نتيجة سريان التوتر في أوصاله، وتنسكب الكآبة في جوانحه.

* عدم القدرة على مجاراة النمط الاستهلاكي.

عدم قدرة هذا الإنسان على مجاراة النمط الاستهلاكي السائد في محيط مجتمعه الصغير – الأسرة- أو الكبير- المجتمع الخارجي- فيتملكه القلق، وتنشأ زوابع الكأبة في نفسه.

* النزاع والشقاق المتأصل.

الذي يسود أسرة المريض بالقلق، وكذلك التفكك الأسري، نتيجة الانكباب على المادة، وإهمال أهمية الأسرة المتعاونة المتحابة.

ولا يرتاب اقل في أن القلق يختلف من مجتمع إلى آخر، بل ومن فرد إلى فرد آخر، أولا بحسب المعتقدات، وثانيا بحسب نوع ونمط المعيشة الاجتماعية والاقتصادية والعادات والأعراف والتقاليد، فالمجتمع المتدين لا يعاني من هذه المشكلة مقارنة بالمجتمع المادي الذي يكون الإنسان فيه عبدا للمادة، والمجتمع الفقير الذي لا تبعد آمال وتطلعات أفراده كثيرا تتطاحن طموحات أفراده للظفر بالخيرات المتاحة...

ومن بين العوامل المسببة للقلق النفسي نجد أيضا[14]ثيرأ.

1-      الأفكار المكبوتة

2-      الرغبات والاحتياجات والتوقعات غير المسددة في مجال العلاقات- الانجازات- الممتلكات- المظهر وصحبة الآخرين.

3-      عوامل حيوية كإثارة الجهاز العصبي الذاتي مما يؤدي إلى ظهور زمرة من الأعراض الجسيمة وذلك بتأثير مادة إلا بنفرين على الأجهزة المختلفة وقد وجدت ثلاثة نواقل في الجهاز العصبي تلعب دورا هاما في القلق النفسي وهي: النورا بنفرين Norapinephrineوالسيروتونين serotonineوالجابا Gaba.

4-      العوامل الوراثية: أثبتت الدراسات وجود عوامل وراثية واضحة في القلق النفسي سيما في مرض الفزع Panic Disorders.

  وعندما نتحدث عن القلق النفسي، فإننا نتحدث عن مجموعة من الأمراض التي تندرج تحت هذا المسمى وكل مرض يتميز ببعض الخصائص المميزة له ومن هذه الأمراض:[15]ثيرأ.

·       الفزع والخوف البسيط simple phobia

·       رهاب الخلاء Agora phobia

·       الخوف الاجتماعي social phobia

·       الوسواس القهري Obsessive Compulsive disorder

·       قلق الكوارث poste traumatic stress disorder

·       حالات القلق الحاد Acute stress

·       القلق العام Généralized axiety disorder

·       القلق الناتج عن الأمراض العضوية organic amxietyأو استخدام الأدوية Anxiety related tomedicine

·      القلق النفسي المصاحب للإكتئاب

  Axiety Depression

        * الفزع Panic Disorder     

الفزع عبارة عن نوبات من الخوف والقلق الشديد المصحوب بأعراض جسمية، والتي تحدث فجأة وتصل ذروتها في خلال عشر دقائق، ومن هذه الأعراض، خفقان القلب والعرق والرعشة وصعوبة التنفس والإحساس بالاختناق وآلم الصدر والغثيان واضطراب الهضم والإحساس بالدوخة والصداع والخوف من الموت، حيث يعتقد المريض أن تلك النوبة ليست إلا أعراض الموت. وكثيرا ما يكون مصاحبا لأمراض أخرى كأمراض القلب او أمراض الجهاز العصبي ورغم أنها تعرف بمفاجأتها للمريض إلا أنها قد تحدث عقب إثارة شديدة أو مجهود عضلي أو جنسي أو مصحوبة بشرب كميات من القهوة أو الخمرة.

* الخوف الاجتماعي social phobia

وهو الخوف الشديد والمستمر في المواقف الاجتماعية التي لا تثير الخجل لدى الآخرين ويحدث للمريض الارتباك والشعور بالإحراج من تلك المواقف التي تحدث أمام الآخرين أو مقابلة شخص ذو مسؤوليات أعلى أو الأكل والشرب أمام الآخرين أو عند إمامة الصلاة أو إلقاء درس، ويتركز الخوف في الشعور بمراقبة الآخرين، وتصل نسبة احتمال الإصابة بالخوف الاجتماعي إلى 13%من الناس ويؤدي هذا الخوف إلى تعريض علاقات المريض الاجتماعية والعملية إلى التأثير والتدهور، ويصحب الخوف أعراض جسمية كالخفقان وسرعة التنفس وجفاف الفم ورعشة الأطراف.

* الوسواس القهريObsessive Compulsive disorder

وهو عبارة عن اضطراب في الأفكار أو الأفعال، ويستغرق وقتا طويلا من المريض، وقد يعيق المريض عن أداء واجباته ومسؤولياته ويظهر على شكلين:

* وسواس الأفكارObsessional thaights

وهو عبارة عن أفكار ملحة ومستمرة أو شعور أو صورة غير سارة يعرف المريض بسخافتها ولا يستطيع كبتها. وعادة ما تكون الأفكار حول الدين والطهارة او الجنس أو المرض. كالتفكير في الإصابة بمرض ما كالإيدز مثلا أو مرض جنسي أو مرض في القلب أو السرطان، وكثيرا ما يتجه المرض إلى العيادات غير النفسية للبحث عن مشاكلهم يصحب الاكتئاب النفسي أكثر من 50%من الحالات.

* وسواس الأفعال: Obsessional Rituals

وهو تكرار أفعال معينة، كتكرار الوضوء أو تكرار الصلاة أو أجزاء منها أو غسل اليدين أو الاستحمام وقد تستغرق وقتا طويلا.

* القلق النفسي العام Généralized axiety disorder

يعرف على أنه التوتر وانشغال البال لأحداث عديدة لأغلب اليوم ولمدة لا تقل عن ستة أشهر ويكون مصحوبا بأعراض جسمية كالآم العضلات والشعور بعدم الطمأنينة وعدم الاستقرار وبضعف التركيز واضطراب الذم والشعور بالإعياء وهذه الأحاسيس كثيرا ما تؤثر على حياة المريض الأسرية والاجتماعية والعملية، وغالبا ما يصيب الأعمار الأولى من الشباب ولكنه يحدث لجميع الأعمار.

4- أنواع القلـق:

تتعدد وتختلف أنواع القلق ويمكن تلخيصها كما يلي:[16]

·       القلق الذي يتصل بالحالات الشعورية واللاشعورية

·       القلق الذي يرتبط بحالات من الهستيريا التي يتعرض لها الإنسان

·       القلق التحويلي الناتج عن التخلخل الحاصل في مقومات الإنسان

·       القلق غير الواقعي الناتج عن سيطرة تخيلات لا أصل لها على الإنسان

·       القلق الواقعي الذي يتأتى من مواقف واقعية يتعرض لها الإنسان وتثير لديه ذلك النوع من القلق.

·       القلق الطبيعي الناتج عن المواقف الطبيعية كتعرض الإنسان لمواقف فعلية تثير لديه القلق كالامتحان او إلقاء خطبة على جمع غفير من الناس أو الوقوف أمام الإدعاء العام وغيرها من المواقف الصعبة.

يوجد من يقسم القلق إلى نوع حر وآخر مفيد، موقفي وغير موقفي، قلق محور لا يعرف المريض سببا لذلك، بل يلعب العقل الباطن دورا مهما في ذلك التحوير.

يسيطر على الأفراد وخاصة الأطفال قلق ناتج عن الخوف من العقاب وفقدان الحب.

ويصنف القلق النفسي كما يلي:

* القلق الموضوعي: العادي

وهو رد فعل يحدث لدى الإنسان عند إدراكه خطرا خارجيا واقعيا، أو ينشطر حدوثه في زمن معين، وهو ما يشعر به معظم البشر، مثل القلق المتعلق بالنجاح، أو بمعرفة نتيجة تحليل طبي أو ما يشعر به الأب أو الأم لمرض ابنهما، أو بالإقدام على الزواج.

* القلق العصبي

وهو قلق داخلي المصدر تثيره ميزات كافية كالخوف المزمن من أشياء أو أشخاص ليس لها مبررا واضحا للخوف فيها بصورة طبيعية مع وضوح أعراض نفسية وجسمية ثابتة ومتكررة إلى حد كبير.

ويتضح القلق النفسي في أشكال عدة تختلف من شخص لآخر، ومنها:

-         القلق الحاد        القلق المزمن-         القلق الامتحان-قلق الانفصال      قلق السفر

      قلق الجنس    قلق الزواج    قلق الحمل       قلق الدورة الشهرية.//////////////////////////

 

الاستاذ هشام العفو

 استاذ الفكر الاسلامي والفلسفة

مدرب معتمد في التنمية الذاتية

اخصائي وباحث في علم النفس المرضي والتربوي/انظر المصادر اسفله////////////


[1]- محاضرات الدكتور إسماعيل علوي، كلية الآداب ظهر المهراز فاس 2006 /2007، سيكولوجية الضغط.

[2]- نفس المرجع السابق – إسماعيل علوي – ظهر المهراز فاس 2006 /2007.

[3]- نفس المرجع السابق – إسماعيل علوي – ظهر المهراز فاس 2006 /2007

*-  فاروق عثمان، القاهرة 2001.

[4]- الدكتور عمرو حسن أحمد بدرات، مؤلفه، كيف تتخلص من القلق؟ ص 13، 1999.

[5]- نفس المرجع السابق – عمرو حسن بدران 1999.

[6]- الدكتور عمرو حسن بدران: سلسة كيف ؟ كتاب كيف تتخلص من القلق؟، مكتبة جزيرة الورد بالمنصورة 2004.

[7]- نفس المرجع – عمرو حسن بدران 2004.

*- الدكتور محمد عبد الله شاووش، انتشاري الطب النفسي. جدة العودية.

*- نفس المرجع (محمد عبد الله شاووش)

[8]- الدكتور فاروق عثمان، القلق وإدارة الضغوط النفسية، القاهرة، دار الفكر العربي 2001.

[9]- نفس المرجع السابق (فاروق عثمان 2001)

[10]- محاضرات الدكتور اسماعيل علوي، كلية الآداب، جامعة سيدي محمد بن عبد الله ظهر المهراز فاس 2006 /2007.

[11]- لطفي الشربيني، بيروت، دار النهضة 1995.

[12]- نفس المرجع السابق (لطفي الشربيني 1995).

[13]- عمرو حسن بدران 1999.

[14]- الدكتور محمد عبد الله شاووش – مستشفى الصحة النفسية- جدة، السعودية.

[15]- نفس المرجع السابق – محمد عبد الله شاووش- العودية.

[16]- عمرو حسن بدران 1999


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق