]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التربية المعرفية لدى المتمدرس ودينامية الفعل التواصلي

بواسطة: الاستاذ هشام العفو  |  بتاريخ: 2012-10-31 ، الوقت: 17:48:35
  • تقييم المقالة:

 

 

4_ التربية المعرفية لدى التلميذ ودينامية الفعل التواصلي

 

                               

           اذا القينا تحية الصباح على الببغاء وقلنا له صباح الخير ، فلن نتعجب انه يرد علينا العبارة – صباح الخير – لان هذا الفعل ليس اراديا ومتحكما فيه ، وإما مجرد عملية  تكرار لفونيمات ومقاطع صوتية لم تتم معالجتها ذهنيا من طرف الببغاء ، والدليل انه اذا وجهت اليه سؤالا واضحا تسأله عن حالته هذا الصباح مثل قولك له : كيف حالك اليوم ؟ سيرد عليك نفس السؤال : كيف حالك اليوم  ولن يخبرك انه بحالة جيدة او العكس ، اذن من هنا قد نستنتج ان الفعل الذي قام به الببغاء هو تكرار وترديد لمقطع صوتي دون معالجته وخضوعه للقاموس الذهني او ارجاعه الى الطبيعة الموديلارية للغة حسب نموذجي فودور و فورستر.

     ما نقصده من خلال هذا المثال الواضح ، هو ان اللغة وخصائصها هي ميزة وخاصية بشرية محضة وهي اداة وقناة فعالة ورئيسية من اجل ارسال رسالة معينة الى وجهة اخرى والمفروض ان تكون هذه الرسالة ذات حمولة ودلالة رمزية او عينية ، لان فيها من الاشارات والمكونات الكثير والذي يجعل امر تفكيك اجزائها صعبا ، كما أن طبيعة الرسالة او محتواها ومضمونها لا تتخذ شكلا افقيا مستقيما ، لأنه حينما نتحدث بالانجليزية مع طفل في الخامسة من عمره ، نكون قد كسرنا اهم خاصية في الفعل التواصلي وخرقنا شروط التواصل التي من المفروض ان تحضر اثناء الفعل التواصلي ، ومن هنا فان هذا الفعل يبقى نجاحه رهينا باكتمال عناصره الاساسية ، واستيفائه للشروط الموضوعية حتى نسميه بالفعل التواصلي ، ونحقق من خلاله التواصل المنشود.إذن لابد لنا ان نعطي تعريفا اوليا للتواصل  حتى نحدد الاطار المفاهيمي ونؤسس لأرضية موحدة ، تمكننا من الاشتغال والتحليل بالمنطق العلمي ، وبتعريف بسيط ، فان التواصل هو مجموعة من العمليات التي يتم بمقتضاها نقل دلالات المعاني عن طريق عملية نقل رسالة من مرسل الى مرسل اليه ، او مخاطب عن طريق استخدام اشارات وعلامات معينة. أما عن شروط التواصل فلا بد من وجود تكامل بين الكفاءتين اللغوية والتواصلية ، فالفعل التواصلي لايستقيم إلا باستحضار عناصره ، والمتمثلة في قدرة المرسل على نقل معلومة بكيفية معينة قصد التأثير في الطرف المتلقي ، وتشخيص اثر السلوك التواصلي على هذا المتلقي ، وكذا قدرة المتكلم على اعطاء نفس الدلالة اللغوية.

 

 

 

 

 

التواصل من الناحية السيكولوجية :

 

لطالما اعتبر علماء السيكولوجيا من اقرب المهتمين بالتواصل ، نظرا لما يشكله هذا العنصر من حساسية ومن تأثير على نمط العيش وسلوكات الفرد داخل المجتمع ، وعلى تفاعله مع نفسه ومحيطه. وقد اهتم علماء النفس بالكثير من الجانب الضرورية منها : عملية التأثير الذي يمارسه المخاطب في المرسل اليه ، حينما يحاول توجيهه او اقناعه او التأثير عليه ، وكذا التعرف على حالته النفسية والتحكم فيها ، ثم المشاركة بين المربين والأطفال ، من الناحية العاطفية والوجدانية ، الى جانب الاشتراك بين المرسل والمرسل اليه في عملية تواصل وجدانية ، وقد احدثت سيكولوجية التواصل تغييرا عميقا في العملية التعليمية التعلمية ، وشكلت اساسا لها . ومن هنا كان من الضروري ان يلح علماء النفس في التواصل على ضرورة  مقاربة الوعي والشعور ، وهنا نجد المركز والحلقة المفقودة في الشبكة التواصلية او طرفي التواصل ونشدد على التواصل الكلي وليس الجزئي.

 

هل يمكننا الفصل بين الفعل التواصلي والتربية المعرفية؟

 

من النادر ان نجد جوابا او تحليلا مقنعا لهذا السؤال ، خارج تخصص علم النفس المعرفي وبالضبط المقاربة المعرفية للعملية التعلمية ، فقد واكبت هذه المقاربة التطور الحاصل في مجال المعلوميات والثورة العلمية والمعلوماتية ، كما انها استفادت من منزلقات المقاربات السابقة مثل السلوكية والاعتماد على النظرية التكوينية البياجوية وتطويرها، وقامت باستثمارهما من اجل تصحيح النظرة المعرفية للفعل التواصلي ، مع ابراز التداخل الحاصل بين التربية المعرفية وكذا طبيعة اشتغال النظام الذهني للتلميذ او الطفل ، وبين الفعل التواصلي بكل مكوناته ، كما ان المقاربة المعرفية استطاعت الى حد ما فك شفرات النظام الموديلاري للغة والتركيز على الشبكة اللغوية والقدرات الدماغية للإنسان من اجل تحسين العلاقة بينهما وتقويم الاعطاب ، ومن هنا نرصد تداخلا عميقا بين المقاربة المعرفية في علم النفس المعرفي وبين الطب العصبي والنورولوجيا و اللسانيات  ، وكذا حضور المقاربات السلوكية والتكوينية البنائية وغيرها ، والتي اكدت حضورها الدائم ، دون ان نغفل الجانب الاجتماعي وباقي الجوانب الاساسية المتدخلة في التكوين المعرفي والنفسي للتلميذ.

التعلم في النموذج الكلاسيكي:

لقد كان التعلم في التربية القديمة عملية يكتسب بها الطفل معارفه للحفظ والاستظهار ، وقد اعتمد على التدرج من المعقد الى البسيط ( المدرسة الترابطية ) وكان يركز على المدرس باعتباره الفاعل الوحيد ومحور العملية التعليمية التعلمية ، فأنتج لنا هذا النمط من التعلم تلاميذ ببغاوات –انظر المثال الذي ذكرناه في المدخل – ومجردين من اية فاعلية وكفاية معرفية ومهارية وتواصلية ، لكن مع تقدم العلم وظهور المقاربات المعرفية ، اصبح التعلم في التربية الحديثة عملية ينشا بها فعل معين ويتطور حسب الوضعية او الظرفية التي يواجهها التلميذ ( الوضعية المشكلة )  ، وكيفية استدخال مجموعة من المعلومات واستنفار القدرات والمعارف السابقة ثم تفعيل نظامه الذهني قصد حصول عملية الاستيعاب والملاءمة من اجل ادراك الوضعية الجديدة ومعالجتها.ومن هنا يمكننا ان نعرف التربية المعرفية على انها عملية  نقل خبرات ومهارات الى ما هو افضل ، وهي عملية اكتشاف المهارات الداخلية الكامنة لدى التلميذ ، كما يمكننا ان نعتبرها مقاربة منظمة لنقل ادوات الاشتغال الذهني.

ببساطة يمكننا ان نعرف التعلم بعد اخضاعه للدراسة والتدقيق المعرفي ، على انه تغيير ايجابي في المعارف والمهارات والقيم كما هو تفعيل للمدركات والمعارف السابقة لدى المتعلم وملاءمتها ، قصد اخضاعها للمعالجة والتكيف مع الوضعيات الجديدة ثم اخضاعها للمراقبة قبل عملية تنفيذ الفعل او الحل او الجواب.

 

كيف نتعلم؟

اولا ، لابد من الاشارة الى ضرورة الاخذ بكل تصورات المتلقي او الفاعل في اي مشروع تربوي او تعليمي ، فمنذ 20 سنة ، كانت المنظومة التربوية تستهدف الاطفال والبالغين ، وذلك برصد افكارهم المسبقة وطرح اسئلة معينة قبل بداية الدرس ، وذلك لإزالة العوائق والحواجز ، ونصوغ مثالا لذلك : الاسئلة التي تنحصر في سؤال محوري عن موقف التلاميذ من الدرس ، وانشغالاتهم وتصوراتهم المسبقة اتجاه الدرس ، وعن كيفية تقديم وشرح ظاهرة او سؤال ما ، والآليات المتبعة لدفعهم ودعمهم من التقدم في الدرس ، ومع استمرار الأفكار المسبقة في تصورات التلميذ ، ستكون النتيجة سلبية نظرا لقدمية وقساوة هذه التصورات والتمثلات .ومن هنا نؤكد على انه من الصعب تغيير تصورات التلميذ القديمة ، نظرا لترسخها في ذهنه باعتبارها مسلمة وإيجادها مكانا مناسبا لإبراز ذاتها ، وهذا ما نعيشه ونعايشه يوميا اثناء ممارستنا الفصلية وخصوصا في مادة الفلسفة .

ان هذه التصورات القديمة تقابل عندنا بالرفض ، ودليلنا انها تعتمد على السمع فقط ، اي ما يعرفه التلميذ مسبقا ، وليس وليد لحظة التعلم -كما سبق ان شرحناها -، وهذا ما يجعلنا نقبل كل  ما نسمعه ونتقبله بدون اية ممارسة نقدية.

ثانيا : يجب ايضا الاعتراف بعدم القدرة على التعلم خارج المدرسة ، ودليلنا ان التعلم بالنظريات القديمة مقيد بثلاث قواعد تعترضه وهي :

1-اعتبار المتعلم الة لتخزين المعلومات.

•وهنا تعارض واضح وجلي بين هذه المسلمة وما اتت به المقاربة المعرفية ومن هنا نتساءل ، هل يكفي ان تشرح المعلومات لتخزينها فقط في الذاكرة ؟

    

2-غياب الشفافية في عملية تلقين المعلومات وكذا العنف التربوي الممارس من طرف البرامج والمقررات والكتاب  المدرسي في حق التلميذ.

3-اعتماد التلقين والحفظ ثم الاسترجاع  مما يضع التلميذ في خانة المتلقي والمأمور وتغيب بذلك الفعالية المعرفية والكفاءة التواصلية.

ومن هنا فان تجاوز هذه القيود الثلاثة ، لن يتأتى إلا من خلال :

* تشجيع التلميذ على طرح افكار محايدة لتسهيل عملية التسجيل بعد الفهم والاستيعاب وكذا الاحتكاك مع الاخر بطريقة مباشرة.

* المدرس يقوم بتصحيح تصورات التلميذ ووضعها في السياق الصحيح .

           ---*  الخطأ هنا لن يكون عند التلميذ وبالتالي يتحاشى الاخطاء السابقة .

              * ضرورة وجود الشفافية في عملية تلقين المعلومات واعتماد مناهج وطرق تستهدف كل المستويات عند التلاميذ وتلبي حاجاتهم وانتظاراتهم ، مع ضرورة مراعاة الفروق في معارفهم وقدراتهم وإمكاناتهم ومواردهم.

             * ترسيخ المعلومات يتوجب كفاءة خاصة ، وفي حالة التقويم يقوم التلميذ باستحضار واستدعاء المعلومات المرسخة في الذاكرة بعيدة المدى واستنفار المعارف قصد اجرأتها وتحويلها من معارف تصريحية الى معارف اجرائية.

            * التركيز على اداء المتعلم وكيفية تطويره وتغيير استراتيجيات الاداء بما يتناسب والذكاء الذي يحمله ومن هنا وجب علينا ان نضع معايير استراتيجية فعالة لقياس ذكاءات المتعلمين بناء على وضعيات تعليمية ذكية تلامس الواقع الفعلي للمتعلم ، وتحافظ على خصوصياته الثقافية والفكرية وعلى هويته ، وكذا تناسب حاجاته الاساسية الفكرية والوجدانية كما اسس لها ماكيلاند في الحاجة للارتباط والحاجة للقوة والحاجة للانجاز ، ومنه يجب ان نراعي هذه الدوافع عند المتعلم سواء في برامجنا التعليمية او من خلال الانشطة المفتوحة الموجهة له ، وتعتبر مسالة تغيير اداء المتعلم والرفع منه في غاية الاهمية نظرا لإمكانية قياس الاداء وقابليته للملاحظة عكس الكفاية.

            

              *العمل على تحسين وتطوير المهارات والقدرات الذاتية للتلميذ وكذا عدم اغفال القيم الاساسية ، وتشخيص الصعوبات التي تعترض التلميذ ، مع التنويع في الوضعيات الاختبارية.

 ومن هنا نخلص الى ان العلاقة بين التلميذ والمدرس تقتضي مشاركة في المفردات وفي طريقة التعامل مع الظاهرة او السؤال كما ان المقاربة المعرفية اثبتت جدارتها واستحقاقها وأحقيتها بإعادة صياغة اسس المنظومة التربوية وفق ما توصل اليه العلم الحديث وكذا علوم التربية ، لكن دون التخلي نهائيا عن المقاربات السابقة نظرا لما حققته ايضا من انجازات ، فلولاها لما وصل التعليم الى ما هو عليه ورغم منزلقاتها إلا انها تحملت عبئا كبيرا وأخرجت لنا اجيالا كبيرة ، وهكذا يمكن ان نعتبر  المقاربة  المعرفية ذات طابع ومنحى تصحيحي وتجديدي  من اجل محاولة تجاوز ازمات التعليم وإعادة هيكلة الاسس البيداغوجية والأدوات الديداكتيكية وملاءمتها مع القدرات المعرفية للتلاميذ وجعلها ادوات صالحة في ايدي المدرس لا عبارة عن جمرة تحرقه وتؤرقه.

الاستاذ : هشام العفو 

استاذ الفكر الاسلامي والفلسفة

مدرب معتمد في التنمية الذاتية 

باحث في علم النفس التربوي   من المغرب

 

 

 

 

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق