]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هذا عيب ياولد// قصة قصيرة

بواسطة: الان صباح  |  بتاريخ: 2012-10-31 ، الوقت: 09:22:43
  • تقييم المقالة:

                                                    

   في لحظة شيطانية.. قرر ان يتناول ذلك القرص الابيض كبير الحجم الذي اهداه له صديق ما.. كان قرصا" من عقار ما لم يكن يعرف عن مفعوله اكثر مما قاله له ذلك الصديق((هذا القرص سيجعلك تعيش وقتا" سعيدا"))..الا ان هذا لم يكن بالضبط مايبحث عنه فوجد نفسه يسأل صديقه((هل هذا القرص سيذهب بالخجل؟..هل سيجعلني انسى معنى كلمة عيب؟!))..ضحك صديقه واجابه((لا اعرف.. مع انني تناولت  العشرات من هذا القرص لحد الان.. الا انني لا اعرف ولسبب بسيط.. وهو انني لا اعرف  اصلا" معنى كلمة عيب)) واستغرق الصديق في الضحك ثم اضاف((اما انت فانني لا اظن بان اطنانا" من اي عقار يمكنها ان تنسيك معنى تلك الكلمة)).

   منذ شهر.. والقرص ملفوف بقصاصة ورق صغيرة يحتضنها دولابه الخشبي القديم..كان اشبه بجنين ينمو شيئا" فشيئا" في رحم امرأة كهلة من اب ليس الا شيطانا" لعينا" تمكن ان يغويها في لحظة من لحظاته.

   لقد ضاق ذرعا" من تلك الجملة التي يكررها ابوه على مسامعه منذ خمسة وعشرين عاما".. تلك الجملة التي يبغضها ((هذا عيب ياولد)).. فكلما فعل او قال شيئا" غير مصرح به في دستور ابيه سمع منه عبارة((هذا عيب ياولد)).. كانت الاخيرة في صباح هذا اليوم عندما قال هدد اباه بترك البيت ان لم يوافق على زواجه  من فتاة احلامه.. فما كان من الاب الا ان قال له(( اتترك اباك وامك من اجل امرأة؟!.. هذا عيب ياولد..لاتعد لمثل هذا الكلام)).

   دخل غرفته واقفل الباب ورائه.. ارتعدت اوصاله من رهبة ماهو مقدم على فعله.. وبحركات اشبه ماتكون بحركات مومياء فرعون مقبور تسيرها تعويذة سحرية... بحركات اشبه ما تكون  برقصة جسد متحرك بلا روح انقض على الدولاب الخشبي القديم واخرج منه القرص والقى به في جوفه.. سرت في اوصاله قشعريرة لثوان او لدقائق.. ثم استرخى قليلا".. ثم دخل عالما" جديدا" عليه..وجد نفسه ممسكا" بابيه من ياقة قميصه ويصرخ بوجهه((هذا عيب ياولد.. هذا عيب ياولد..هذا ماتقوله لي منذ كنت طفلا" اجد صعوبة بلفظ الراء فكنت الفظه لاما" فتقول لي تلفظ بشكل جيد كسائر الناس..هذا عيب ياولد)).

   ثم ترك اباه ونط واقفا" على كرسي خشبي وصرخ قائلا"(( اتيتك يوما" وقلت لك بان احد الاولاد في المدرسة ضربني ولا بد ان اوسعه ضربا" في الغد)).. فما كان منك الا ان نهرتني وقلت لي ((انا ارسلك الى المدرسة لتتعلم لا لتضرب الاولاد..هذا عيب ياولد)).

   قفز من الكرسي وعلامات الوحشية بادية على وجهه .. ثم قفز من الشباك الى الشارع محطما" قبضانه الحديدية ومهشما" الزجاج.. راح يقفز قفزات متتابعة في الشارع وهو يصيح باعلى صوته(( لم ابك يوما" امامك مثل سائر الاطفال الذين يبكون متى ما احسوا بالرغبة لذلك.. حتى عندما كنت اتألم لا ابكي الا بعد ان الج غرفتي لابكي وحيدا" بعيدا" عن ناظريك..حتى  البكاء كان ممنوعا" علي.. مرة واحدة فقط بكيت فيها امامك  وكان عندما خسرت امامك في لعبة الشطرنج في خمس جولات متتالية.. لقد كنت تلاعبني كما لو كنت تقابل بطل العالم لا طفلا" في الثامنة!..كان من البديهي ان ابكي..فماذا قلت لي؟.. طبعا" امرتني بان اشغل دماغي بدلا" من البكاء..ثم اردفت امرك هذا بجملتك المعهودة -هذا عيب ياولد-عودتني ان لا ابكي امامك ولا امام اي احد..والان وبعد ان اصبحت رجلا".. اعتدت ان اضحك كالمعتوه بعد كل ركلة اتلقاها من القدر!)).

   ثم برك في الشارع ووضعهذا عيب ياولد رأسه بين فخذييه وغطاه بذراعيه.. كانت كل يد تمسك برمانة الكتف المقابل .. صاح بأعلى صوته ((كفى.. لقد مللت من هذه الجملة المشينة..كلما فعلت شيئا" او قلت شيئا"  تقول لي - هذا عيب ياولد- .. ضبطتني ادخن فصفعتني وقلت لي - هذا عيب ياولد- رسبت في امتحان قلت لي - هذا عيب ياولد- كتبت رسالة غرامية لابنة الجيران قلت لي - هذا عيب ياولد- صافحت شخصا" من دون ان انظر الى وجهه قلت لي – لاتكن قليل الادب.. هذا عيب ياولد- قلت يوما" بان ظهري يؤلمني وقلبي يخفق بسرعة قلت لي – لاتشكو ضعفك ومرضك امام الاخرين كما يفعل المتسولون.. هذا عيب ياولد- دائما" تقول -عيب -ودائما" تقول –ياولد- .. واحيانا" تقول – ياحمار!- فما ذا كانت النتيجة ؟.. الناس يتسابقون بالتلميح الى العيوب التي بي فعلا" والى العيوب التي انا برئ منها .. مع ان كل واحد منهم ..دون استثناء يمتدحني ويبدي اعجابه بي عندما يلقاني بمفرده .. هذا هو ماجنيته لانني  ظننت بانك على حق في كل مرة عندما تقول لي -عيب- وصدقت بانك تريد لي الافضل..لن اصدقك بعد الان)).. وهب قافزا" الى جسر حديدي واخذ يركض وهو يصيح (( ايها الناس .. لن اصدق ابي بعد الان.. وسأفعل كل ما يحلو لي)).

   ثم وجد نفسه جالسا" على سطح بناية عالية.. كان ينظر الى الشمس بعينين ثابتتين لا ترمشان.. وصاح باعلى صوته متحديا"(( اين انت يا ابي ؟.. اين انت ؟.. اريدك ان تعلم بانني لن اكترث بكلمة "عيب" التي تقولها بعد الان..سأخلع ملابسي واجري في الطرقات عاريا".. لن اكترث بما سيقوله الناس عني .. احسب انك ستخرج لي من بينهم وتقول لي -هذا عيب ياولد- ماذا تتصور بانني سأفعل عندها؟.. ساقف في وسط الطريق واتبول اما عيون المارة!.. وامام ناظريك.. واياك ان تقول  لي-هذا عيب ياولد-)).

   ثم وجد نفسه في غرفته مرة اخرى.. ووجد اباه واقفا" امامه.. رفع مسدسا" ووجهه نحو ابيه وقال(( سوف اقتلك يا ابي.. سوف اقتلك يا ابي!)).

   ابتسم الاب العجوز وقال بهدوء(( تشهر مسدسا" بوجه ابيك؟!.. هذا عيب يا ولد)).

   هوى الابن على السرير وغط في نوم عميق استغرق بضع ساعات.. ثم افاق من النوم وهو يشعر بصداع وبالام في ظهره وكتفيه.. نهض وسار متثاقلا" نحو الباب .. وضع يده على المقبض وقبل ان يديره ليفتح الباب رازدته فكرة اعتباطية بان يلقي نظرة سريعة على الغرفة التي كانت مسرحا" لهلوسته.. ادار وجهه فوجد الاوراق متناثرة على الارض.. كانت تلك الاوراق محاولاته الادبية التى كتبها طوال حياته.. كانت بالمئات مابين الجيدة والمتوسطة والرديئة.. فيها افكار كثيرة.. فكر ماعساه ان يكون العامل المشترك في كل كتاباته.. فكل واحدة منها سواء كانت قصة قصييرة او قصيدة او مقالة كان فيها شئ مر به فعلا" واشياء كانت من محض خياله.. فكر فوجد لايربط بينها الا عامل مشترك واحد.. وكان هو العامل المشترك.. كلها كتاباته .. ثم سأل نفسه عن الاشياء التي مرت به فعلا" ودونها في كتاباته.. كيف تبدو للاخرين؟.. ثم تطور السؤال الى سؤال اخر.. ماذا فعل في حياته وكيف يمكن ان ينظر الناس الى افعاله؟.. لقد فعل الكثير .. ولكنه لم يفعل في يوم من الايام شيئا" يشعره بالخجل من الاخرين.. قد يكون صغيرا" في عيني ابيه ولكنه بلاشك كبير في اعين الناس.. ولكن مافعله هذه المرة جعله صغيرا" في عينيه هو ذاته اذ تعاطى ذلك القرص الملعون.. انه امر لايليق بمثله.

   قرر ان يضيف شيئا" جديدا" الى تلك الاوراق شيئا" عنه هو تحديدا".. ليكن ذلك الشئ اعترافا" .. او صفحة" من كتابه الابيض.. ليكن صفحة" من مذكراته .. ليكن وثيقة" او اي شئ عنه ولكن ليس عملا" ادبيا" كالقصص او القصائد التي يكتبها عادة".

   جلس الى منضدته وتناول ورقة" وقلما" وبدأ يكتب:

(( لقد كنت اشعر بالزهو كلما ادهشت نفسي برسم حدود جديدة للمتاهات التي تتجدد بين كل ساعة واخرى.. انها انشودة السراب التي كنت ارددها وانا غارق في ضحكاتي التي تمزقني بلا هوادة.. وتلك الفتاة.. ماذا عنها؟.. انها لم تكن ذات اهمية عند احد في الكون.. اللهم الا اهلها وانا..انا.. اهم مافي الامر انا.. لقد كنت ارى فيها شيئا" يميزها عن الاخرين.. لا ادري بالتحديد ماهو.. كنت احسب انها ظهرت اخيرا" وبعد عقدين من الزحف المقدس وسط الادغال المحترقة.. اذكر جيدا" اللحظة الاولى التي رأيتها فيها.. لقد كنت في فترة دأبت على ان اسمي مثيلاتها من الفترات بفترات (اللاشئ) .. كانت فترة" دافئة مع الاخرين وباردة جامدة مع نفسي.. حدث ان التقيت بها.. وحدث ان لم يحدث شيئا"!.. كتلة تدعى بشرا" مرت من امامي .. ثم جلست.. تبادلنا بعض الكلمات العادية.. علمت بانها مرت بقصص حب كانت بطلتها مع شخصين او ثلاثة فاستبعدت اي تقارب بيني وبينها..ولكنني بعد ذلك.. سرعان مابدأت اضمحل في ذاتي  بينما اخذت هي ترتسم من حولي على كل الجدران.. ثم بدأت ارى عينيها في السماء.. فاثرت ان لا ارتفع ببصري الى السماء.. الا انني كنت اصغي الى صوتها الخافت الاتي من القمر بين الحين والاخر.. لقد كنت اعتبر ذلك امرا" مشروعا" وهنا تكمن المشكلة..ان نخطأ ونحن مصرون بأننا على صواب..ثم جاءت اوقات عسيرة كنت لااعرف فيها من انا وماذا اريد.. اخذت اتأرجح يمينا" ويسارا".. كنت اسعى جاهدا" لان امنع نفسي من الانصهار الى لاشئ مرة" اخرى.. حتى وجدت نفسي احترق من اجل امرأة عرفت فيما بعد ان الرجل لا يعني لها الا واجهة " تعينها على ان تعيش اللحظات الصبيانية وتباهي به قريناتها بما يوفر لها من وسائل الترف دون ان تكترث الى ما سيؤول ايه مصيره اثر ذاك..تبا" لي)).

   شعر بقشعريرة كادت ان تفجره وتبعثر شظاياه في كل شبر بارجاء الغرفة.. ايعقل بانه فعل ما فعل ؟ لقد تناول القرص اللعين !.. ومن اجل ماذا؟!.. من اجل ان ينسى كلمة (عيب) التي علمته ان يحترم الاخرين وان يحترم ذاته.. تلك الكلمة التي صنعت منه انسانا" يرتقي الى درجة سامية يحترمها الاخرون.. ياللندم وياللعار.. لقد اراد ان يبيع تلك الكلمة من اجل ان يصبح وضيعا" يتندر به الاخرون.

   غادر غرفته الى الصالة.. وجد اباه الطيب جالسا".. كان الاب في حالة يرثى لها.. كان القلق يأكله على ابنه الوحيد.. لم يتمالك الابن نفسه فهوى جاثيا" على ركبتيه وراح يقبل يدي ابيه.. دموعه سبقت فمه الى يدي ابيه.. قال((انا احبك يا ابي.. واحب امي.. سأفعل كل ماتأمراني به وسأبتعد عن اي شئ لايرضيكما.. سامحني ارجوك..انا اسف)).

   ابتسم الاب وربت على كتف ابنه قائلا"(( امسح دموعك يابني.. البكاء لايليق بك.. هذا عيب يارجل)).

  

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق