]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التوقيت بين الديموقراطية والشيوعية

بواسطة: راتب عبابنه  |  بتاريخ: 2012-10-30 ، الوقت: 20:00:40
  • تقييم المقالة:

 

التوقيت بين الديموقراطية والشيوعية

راتب عبابنه

في الأردن اعتدنا على التوقيتين الشتوي والصيفي منذ مايقارب الثلاثين عاما ورسم وخطط الناس حياتهم تماشيا مع طبيعة التوقيت. وقد صار تأخير أو تقديم الساعة من الأمور الطبيعية التي تأقلم معها الناس بمؤسساتهم الرسمية وغير الرسمية ولم نسمع يوما تذمرا أو احتجاجا قبل ما قامت به الحكومة الحالية من الإبقاء على التوقيت دون تغيير.

إذا كانت الحكومة تتحرى مصلحة المواطن ضمن المصلحة العامة للدولة والوطن فلن تكون أكثرمعرفة بمصلحة المواطن من المواطن نفسه الذي هو على تماس مباشر مع التغيير يتأثر به سلبا أو إيجابا. فاذا كان هناك رضا عاما عن ما تشرّعه الحكومة فخير وبركة وإذا كان العكس هو الحال كما هو الحال الآن فمن الطبيعي والمنطقي والمتوقع أن تقوم الحكومة بمراجعة قرارها ودراسته والعودة عنه أو إقناع الناس بأن ما تم اتخاذه يعود بفوائد ربما يجهلها المواطن.

وحقيقة, ليس من الإنصاف والعدل والديمقراطية (المزعومة) أن يُترك المواطن في الظلام لأن المواطن الأردني لا يعيش ببلد شيوعي اشتراكي ليستسلم لقرارات الحكومة ويقبل بها وكأنه آلة صماء لا رأي له ولا مراعاة لانسانيته وعقله. وضرب عرض الحائط برغبة غالبية الناس, فهذا ضرب من الإستبداد الإشتراكي الشيوعي حيث من المحرم على المواطن إبداء رأيه أو ترجمة احتجاجه على ما يلحق به من ضرر. الحكومة تقرر له وتفكر عنه ولا تتوقع منه المشاركة بالرأي بل تتوقع السكوت والرضا التام والمباركة. فقرارات كهذا تلامس النمط الشيوعي بالنظرة للمواطن لكنها تختلف بإبقائها هامشا للحديث والحوار مع إبقاء باب التغيير مغلقا. فنحن أمام نهج يحاكي الإشتراكية الشيوعية مع استخدام أدوات الديموقراطية بالتعبير.

الإشتراكية الشيوعية رُفضت حتى من أصحابها لعدم استيعابها معطيات وتطورات العصر القائمة على نزعة الحرية والتحرر. كما أن الديموقراطية القائمة على الشعارات دون التطبيق الفعلي والتي لا تأخذ برأي الأغلبية وإنما تُمترس وتقوي فئة قليلة متنفذة على حساب الأغلبية, هي ديموقراطية دعائية مفرغة من المحتوى الأساسي ومصيرها الرفض. وبمقارنة بسيطة بين الإشتراكية المتوفاة والديموقراطية المتنامية أن الأولى تعطي لمواطنها كل ما يحتاج وتسلبه كرامته وإنسانيته الفطرية, بينما الثانية تعطي لمواطنها حرية مقيدة تقترب من الأولى وتسلب منه كل شيء.

إن الإكتفاء بالمناداة الدائمة بالديموقراطية والتغني بها وبأدواتها من شفافية وصراحة ومفاتحة وحوار دون وجود مضمون قابل للتطبيق هي ديموقراطية مستنسخة عن الأفلام الكرتونية تعجبك وتفرحك وإن حاولت تطبيقها فلن تستطيع.

جميعنا لاحظ ومن خلال وسائل الإعلام المختلفة عدم الرضا عن عدم تأخير الساعة وذلك عائد لغياب الجدوى من عدم التأخير. لا بل هناك إرباك وعرقلة وانقلاب على النمطية التي اعتادها الناس. ومن المنطق والعقل أن أي تغيير تقوم به الحكومة يتوقع منه أن يكون بغالبه لصالح المواطن أو بالأحرى غالبية المواطنين ترضى عنه. لكن واقع الحال يشير لعدم رضا غالبية الناس عن هذا القرار. فإذا لم يؤخذ برأي الأغلبية فلنتوقف عن الحديث عن الديموقراطية والشروع بالحديث عن عكسها.

وزارة التربية والتعليم وهي المعنية بإدارة وتدبير شؤون الشريحة الأكبر من السكان بطلابه ومعلميه وإدارييه هي الأكثر تأثرا بهذا القرار لم تستخدم صلاحيتها بالتأخير ولم تلتفت للطلاب والصغار منهم وهي تعلم أنهم مقبلون على فترة يذهبون خلالها لمدارسهم قبل طلوع الشمس. كنا نتوقع من وزير التربية أن يسارع بتأخير بداية الدوام بالمدارس قبل غيره من الوزارات والمؤسسات الأخرى. كما لا يفوتنا أن هذا القرار يعمل على زيادة استهلاك الطاقة بسبب الصحيان مبكرا بساعة. كما يعرض الجميع وخصوصا العسكريين الذين طبيعة عملهم تحتم عليهم التواجد على رأس عملهم مبكرا ليكونوا عرضة لمخاطر الإنجماد وما ينتج عنه من حوادث سير جراء الإنزلاق. فبهذا القرار غير المدروس تكون الحكومة الفائقة الرشد قد جنت على أبنائنا الطلاب وحماة الأردن والأمن.

على مدارما يقارب الثلاثين سنة الماضية استند قرار التوقيت على فكرة ترشيد استهلاك الطاقة. هل هذه العقود الطويلة من الزمن كنا نعيش خدعة وتضليلا ؟؟ ألم يعد من المهم ترشيد استهلاك الطاقة ونحن بأمس الحاجة لذلك ؟؟ ولغاية الآن لم تأتنا الحكومة بتبرير مقنع لهذا القرار الذي يواجه احتجاجا متزايدا من قبل غالبية الناس. التبرير الذي سمعناه هو التخفيف من زحمة المواصلات. حسنا ، نشد على يد الحكومة في البحث عن حلول للتخفيف من تداعيات المواصلات والإكتظاظ المروري الذي يستهلك جزءا لا بأس به من وقت المواطن عند الذهاب لعمله. فما قول الحكومة بما سيترتب على تطبيق هذا القرار من تداعيات تمس أرواح الناس بسبب البرد القارس في الأوقات المبكرة والحوادث المتوقعة والتأخير عن الدوام كنتيجة حتمية لكل ذلك. فبهذا القرار تم خلق أسباب جديدة لعرقلة الحياة اليومية.

لماذا لم تؤخذ الشريحة الطلابية الكبيرة بالإعتبار وكلنا يعلم أنها الأكثر تضررا من مثل هكذا قرار ؟؟ وهي شريحة عمرية تبدأ من الأربع سنوات حيث هي الأكثر حاجة للرعاية والإهتمام وتوفير الأجواء الملائمة لكونها هي التي ستقود الوطن في المستقبل القريب والبعيد. فإن هيئت وجهزت وتمت رعايتها بطريقة صحية فستكون قيادتها للوطن بعيدة عن الإهتزاز والتعثر والتخبط مما يجعلها ناجحة بقيادتها للوطن بصورة عامة. أليست هذه الشريحة هي الأجدر ــ بسبب فئتها العمرية وأهميتها القيادية للوطن ــ بأن يخصص لها النصيب الأكبر من الإهتمام لخلق أجيال قادرة على الصمود بوجه التحديات ولجعلها وارثة ومورثة لنهج سليم يخدم الوطن ويجعل منه أكثر انسجاما مع نفسه ومع العالم؟؟ 

من الحكمة والتعقل ان تستجيب الحكومة للمطلب الشعبي العارم حيث من الفضيلة الرجوع عن الخطأ. ومانلحظه من دولة عبدالله النسور هو اتخاذ منحى الصراحة المتناهية التي من خلالها يحاول إقناع الناس بما ينتهجه وما يقوم به من توجه. لم نسمع يوما من دولته احتجاجا على التوقيت عندما كان نائبا. فهل تغيرت قناعات دولته بعد ما صار على رأس هرم الولاية العامة ؟؟ أم أن هذا ينسجم مع انقلابه على قناعته قبل الولاية ؟؟ أم أن من يجلس على كرسي الرئاسة مطلوب منه أن يعاكس اتجاه التيار الشعبي ؟؟

القرار لم يدرس بعناية ولم يتم الإلتفات للأضرار التي ستطال الكثيرمن شرائح الشعب وأهمها الشريحة الطلابية. وعلى الحكومة أن تسارع بالعودة عن القرار برمته أو استثناء المدارس على الأقل بجعل الدوام يبدأ الساعة التاسعة صباحا.

وحمى الله الأردن والغيارى على الأردن. والله من وراء القصد.

ababneh1958@yahoo.com

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق