]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

معوقات بيانات قياس الفقر

بواسطة: د محمد عبدالله الرفاعي  |  بتاريخ: 2012-10-29 ، الوقت: 11:00:01
  • تقييم المقالة:

 

 

 

 

 

 

 

 

معوقات بيانات قياس الفقر

 

 

                                                                  د. محمد عبدالله الرفاعي

أدارة التخطيط /وزارة الاقتصاد دولة الامارات العربية المتحدة

 

1.مقدمة

    منذ فترة ليست ببعيدة نسبيا كان الفقر يعتبر ظاهرة اقتصادية ليست بجديدة يمكن التعايش معها، ولكن تطورت هذه الظاهرة وتسارع انتشارها في الدول النامية بشكل اكبر، حيث اصبحت مشكلة اقتصادية وقضية انسانية انعكست اثارها على حياة المجتمعات.

    ان تطور الفقر الى مشكلة اقتصادية استدعى من الباحثين التركيز على دراسته بشكل حثيث بخلاف الحال عندما كان ظاهرة يمكن التعايش معها. من جانب اخر ان ازدياد عدد ونسبة الفقراء في دول العالم الثالث دحض شكوك المخططين والاقتصاديين حول امكانية قيام النمو الاقتصادي لوحده بحل مشكلة الفقر وارجاعها الى ظاهرة، وأكد ان أثر النمو الاقتصادي في العالم النامي لم يكن لهانعكاسات واضحة على الفقراء وذلك في ظل توزيعه بطريقة غير عادلة لم تنعكس على الفقراء.

   ان البحث باتجاه ايجاد الحلول المناسبة للتخفيف من اثار وطأة مشكلة الفقر على المجتمعات امتد الى السعي نحو ايجاد مؤشرات ومقاييس مناسبة تمكن من متابعة تطوراته وبيان اثر السياسات والحلول التي تضعها الحكومات للحد منه، وأجراء مقارنة حجم الفقر بين الدول بغرض توجيه البرامج المناسبة لمحاربته.

   من الطبيعي ان دراسة اي ظاهرة او مشكلة اقتصادية تتطلب تعريفا واضحا لتلك المشكلة اضافة الى توفر مؤشرات ومقاييس اقتصادية تمكن من قياس تطور هذه المشكلة عبر الازمان المختلفة وبين المجتمعات والدول، بحيث تبنى هذه المؤشرات والمقاييس على أسس ومنهجيات علمية واضحة وفقا لبيانات احصائية ذات كفاءة ودقة عالية. من هنا اتجه الباحثين والاقتصاديين الى السعي نحو ايجاد مؤشرات ومقاييس للفقر وفقا  للنظريات الاحصائية والاجتماعية.

   بالرغم من التقدم الكبير الذي أحرز في مجال دراسات الفقر ومؤشراته الى انه لا زال في الدول النامية يعتريه جانب من النقص والذي يندرج ضمن مشكلات وعوائق قياس الفقر واهمها توفر قواعد البيانات. يقدم هذا البحث أستعراضا مرجعيا لمفهوم الفقر، انواع الفقر، قياس الفقر في التطبيق، ومصادر بيانات الفقر، ومن ثم معوقات مصادر بيانات الفقر.

 

2.مفهوم الفقر وانواعه

    الفقر مشكلة اقتصادية عالمية ذات ابعاد وامتدادات اجتماعية متعددة، وهي ظاهرة يكاد لا يخلو منها اي مجتمع، مع التفاوت في حجمها والاثار المترتبة عليها، هذا واشارت التقديرات الى ان حوالي خمس العالم يمكن تصنيفهم على انهم فقراء تنقصهم الحدود الدنيا من فرص العيش الكريم. ومن المعلوم ان ظاهرة الفقر تتفاقم وتستشري في المجتمعات النامية التي يتاكل نموها الاقتصادي نتيجة للنمو السكاني فيها.

ان مواجهة الفقر والتخفيف منه تمر عبر مراحل متعددة تبدأ بقياس الفقر متضمنة تعريف من هم الفقراء. فمفهوم الفقر يكاد يتسم بالتفاوت تبعا لتفاوت المجتمعات من حيث المستوى الاجتماعي والاقتصادي،  فما هو فقرا في دولة معينة قد لا يكون فقرا في دولة اخرى.

يختلف مفهوم الفقر باختلاف البلدان والثقافات والازمنةولا يوجد إتفاق دولي حول تعريف الفقر نظراً لتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تشكل ذلك التعريف وتؤثر عليه، إلا أنه هناك اتفاق بوجود ارتباط بين الفقر ولإشباع من الحاجات الأساسية المادية أو غير المادية، وعليهفهناك اتفاق حول مفهوم الفقر على أنه حالة من الحرمان المادي الذي يترجم بانخفاض استهلاك الغذاء، كما ونوعا، وتدني الوضع الصحي والمستوى التعليمي والوضع السكني، والحرمان من السلع المعمرة والأصول المادية الأخرى، وفقدان الضمانات لمواجهة الحالات الصعبة كالمرض والإعاقة والبطالة وغيرها. وللحرمان المادي انعكاسات تتمثل بأوجه اخرى للفقر كعدم الشعور بالامان ضعف القدرة على اتخاذ القرارات وممارسة حرية الاختيار ومواجهة الصدمات الخارجية والداخلية.

وبمفهوم مبسط للفقر يعتبر الفرد او الاسرة يعيش ضمن اطار الفقر إذا كان الدخل المتأتي له غير كافٍللحصول على أدنى مستوى من الضروريات للمحافظة على نشاطات حياته وحيويتها.

 

3. قياس الفقر في التطبيق

هنالك طرق وأساليب مختلفة لقياس الفقر حسب الغرض الذي تستهدفه عملية القياس وحسب توفر البيانات اللازمة لتطبيق اي من هذه الطرق والاساليب، وعوامل اخرى.

أدرك الخبراء في مجال قياسات الفقر بأن مؤشر نصيب الفرد من الناتج المحلي هو مقياساً غير كافي للفقر، فالفقر له أعراض كثيرة ومتشابكة، ومن الصعب وصف حياة الفقراء بالإعتماد على مؤشر منفرد، كذلك هناك مؤشرات منفردة متعددة كمؤشر مستوى المعيشة Living Standard Indicatorلقياس الفقر والتفاوت في مستوى الرفاه والمعيشة بشرائح المجتمع المختلفة، وبناء على هذا المؤشر حدد الفقر بأنه المستوى الذي يجب أن يزيد فيه دخل الفرد عن نصف متوسط نصيب الفرد السنوي من الدخل القومي ولكن كما ذكرنا هذا المعيار أحادي القياس، يعتمد على مؤشر واحد هو الدخل المالي دون اعطاء اعتبار لمجالات أخرى كالتفاوت والحرمان عند بعض شرائح المجتمع والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة.

وفقا للمفهوم العام للفقر والمتمثل بانخفاض مستوى المعيشة، اعتمدت المحاولات الأولى لقياس الفقر على مؤشرات مباشرة وأهمها إجمالي دخل او انفاق الاسرة او الفرد وحصة الفرد او الاسرة من الانفاق ونسبة الإنفاق على المواد الغذائية وحصة الفرد من السعرات الحرارية. الا ان اساليب قياس الفقر شهدت مؤخرا تطورا كبيرا، فظهرت اساليب عديدة واكثرها شيوعا في مجال التطبيق هي ما يلي:

أسلوب خط الفقر: يقوم هذا الأسلوب على تقسيم المجتمع إلى فئتين، فئة الفقراء وفئة غير الفقراء، وذلك عن طريق ما يدعى بخط او عتبة الفقر. وعلى أساس خط الفقر يتم تقدير عدد من مؤشرات الفقر، أهمها نسبة الفقر وفجوة الفقر وشدة الفقر. وهذا الأسلوب هو الأسلوب الأوسع استخداما لقياس وتحليل الفقر وطبق بالنسبة لمعظم الدول العربية. ويتطلب تطبيقه توفر بيانات ملائمة عن نفقات و/أو دخول الاسر.

 

أسلوب الحاجات الأساسية غير المشبعة (Unsatisfied Basic Needs: UBN): يستعيض هذا الاسلوب عن القدرة الدخلية للاسرة كما في أسلوب خط الفقر ويعتمد ملاحظة واقع إشباع الحاجات الأساسية للاسرة او الفرد. ويمتاز هذا الأسلوب بانه لايعتمد فقط على الحاجات الأساسية المعتمدة على دخل الأسرة،  اضافة الى ان البيانات المطلوبة لتطبيق هذا الاسلوب تكون اكثر اتاحة وتوفر ودقة. فأسلوب الحاجات الأساسية يمكن تطبيقه باستخدام بيانات التعداد العام للسكان أو مسوحات الأسرة عموما، دون الحاجة الى بيانات مسوحات نفقات ودخل الأسرة أو الى بيانات تفصيلية عن الإنفاق والدخل من مصادر أخرى.

في ضوء تعدد اساليب قياس الفقر يعتمد اختيار الأسلوب الأنسبلقياس الفقرعلى عدد من العوامل، أهمها:

    الهدف من تطبيق الأسلوب:فأسلوب خط الفقر يناسب أغراض وضع السياسات الاقتصادية المتعلقة بالدخول كسياسات العمالة والأجور والأسعار والضرائب والإعانات الاجتماعية. وبالمقابل يعد أسلوب الحاجات الأساسية هو الأنسب لأغراض وضع السياسات الاجتماعية المتعلقة بتوفير خدمات الصحة والتعليم والإسكان وتوفير البنية التحتية المتصلة بالمياه والصرف الصحي.  الاستخدامات الاخرى لأسلوب القياس. فهل يقتصر الاستخدام على قياس الفقر أم انه يتضمن أيضا التنبؤ والتحليل والتقييم والمراقبة؟ كذلك مستوى الاستخدام، فهل هو لأغراض المقارنات الدولية أم انه على المستوى الوطني أم انه تفصيليا على مستوى المناطق الجغرافية أو الفئات الاجتماعية أم على مستوى الأسرة؟.  توفر البيانات المطلوبة:لكل أسلوب متطلباته من البيانات من حيث النوع ودرجة الشمول ومدى التفصيل. وغالبا ما يلعب هذا العاملالدور الحاسم في اختيار الأسلوب وطريقة قياس الفقر وخاصة في الدول النامية لما تتصف به البيانات فيها من شح وقصور.إذ غالبا ما تفرض نوعية ودقة وشمولية ودورية ما هو متاح من بيانات اعتماد طرق وأساليب دون غيرها. عوامل سياسية واجتماعية: تلعب هذه العوامل دورا مهما، وربما أساسيا في بعض الدول، في اختيار الأسلوب والطريقة. الأمر الذي يتطلب الأخذ بالاعتبارمدى ما يلقاه الأسلوبوالطريقةلدى المعنيين، وخاصة متخذي القرار، من قبول وإدراك لمدلولات مفاهيمه فكلما كان الأسلوب اكثر وضوحا وتوافقا مع آراء ونمط تفكير المعنيين يلقى درجة أعلى من الاهتمام والتفاعل الإيجابي.

    أضافة لما سبق من أساليب لقياس الفقر هناك أساليب تعتمد على معايير الأمن الغذائي، ومعايير الرفاه النسبي ومعايير الحاجات الأساسية ودليل التنمية البشرية Human Development Indicatorsالذي طوره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، ان جميع هذه المعايير تندرج ضمن مستوى المعيشة.أضافة الى أساليب متعددة أخرى كالاسلوب الاجتهادي واسلوب استخدام المؤشرات المؤسسية، اضافة الى اسلوب الادلة وأسلوب القياس الاحصائي.

  مما سبق يلحظ بشكل واضح ان الجانب التطبيقي لقياس الفقر يعتمد بشكل اساسي على توفر البيانات اللازمة كمية كانت او نوعية. تتعدد بيانات الفقر تبعا لأسلوب القياس المستخدم اضافة الى الغرض من تطبيق الاسلوب، اما مصادر هذه البيانات فهي متعددة.

 

4. مقارنة الفقر دوليا

     بالرغم من ان هناك اتفاق عام على ان الفقر هو جانب من الحرمان المادي يتمثل بانخفاض استهلاك الغذاء، كما ونوعا، وتدني الوضع الصحي والمستوى التعليمي والوضع السكني وغير ذلك، الا ان مفهوم الفقر يختلف باختلاف البلدان والثقافات فما هو فقرا في دولة       نامية ذات اقتصاد ضعيف او محدود لا يصنف على انه فقرا في دولة اخرى ذات اقتصاد متسارع النمو. ان ما سبق يضع الباحثين امام تحدي يتمثل بايجاد منهجية واضحة تمكن من مقارنة مستويات الفقر بين البلدان. فعلى مستوى دولة او قطر معين ان تعدد منهجيات قياس الفقر يؤدي الى اختلاف وتباين في النتائج، فكيف اذا ما طبقت المنهجية باكثر من دولة ذات انماط انفاق وثقافات استهلاكية متباينة وبيانات ذات كفاءة ودقة متفاوتة؟.

 لقد تم بناء عدد من المؤشرات لقياس ومقارنة الفقر ضمن منهجيات معينة من قبل عدة جهات دولية بحيث تخدم هذه المنهجيات في قياس الفقر ضمن الدولة الواحدة وتمكن من مقارنة مستويات الفقر بين مختلف البلدان. ومن أهم هذه المنهجيات الشائعة الاستخدام:

    اقترح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لأغراض عالمية دليل التنمية البشرية، ويندرج ضمن هذا الدليل الرقم القياسي للفقر، يركز هذا الدليل على الحرمان في ثلاثة عناصر أساسية من عناصر الحياة البشرية, وهي: طول العمر ممثلاً بمؤشرات النسبة المئوية للسكان الذين لا يتوقع أن يعيشوا حتى سن 40 سنة, والحرمان المتعلقة بالمعرفة ممثلاً بالنسبة المئوية للبالغين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، والحرمان المتعلق بعدم العيش في مستوى لائق, ممثلاً بثلاث مؤشرات هي: النسبة المئوية للسكان الذين لا تتوافر لهم المياه المأمونة، والنسبة المئوية للسكان الذين لا تتوافر لهم الخدمات الصحية، والنسبة المؤدية للأطفال دون سن الخامسة ناقصي الوزن، ويحسب الرقم القياسي للفقر البشري باعتباره يساوي متوسطاً تجميعياً للمؤشرات المذكورة بحيث أن مرونة الإحلال بين العناصر الثلاثة تساوي 3 (ثلاث).  يعتري هذه المنهجية معوق اساسي يتمثل في ان الرقم القياسي للفقر هو مقياس ترتيبي يرتب الدول حسب مستويات الفقر ولا يبحث خصائص الفقراء وتوزيعاتهم حسب خصائصهم الاقتصادية او الاجتماعية. اضافة الى ان عدم توفر البيانات المطلوبة في بعض الدول لحساب المؤشرات اللازمة لبناء الدليل يضطر الى اللجوء لتقدير هذه المؤشرات وبالتالي فان الرقم القياسي الذي يبنى عليها  يكون ذو كفاءة ودقة أقل نسبيا. ان موضوع مقارنة الفقر دوليا يعتريه مشاكل منهجية وتطبيقية وذلك لعدم توفر مفهوم مشترك للفقر يمكن من توحيد مقياس الفقر من جهة ونظرا لاختلاف الانماط المعيشية اقتصاديا واجتماعيا بين المجتمعات. انطلاقا من ذلك وفر البنك الدولي بيانات عن الفقر بأشكال مختلفة، فقد قام بنشر بيانات عن نسب الفقر لمعظم الدول النامية وفق منهجية خط الفقر المحدد بدولار واحد للفرد في اليوم وخط الفقر المحدد بدولارين للفرد في اليوم ولاستبعاد أثر سعر صرف العملة المحلية من أسعار السلع والخدمات يتم تعديل هذا الخط باستخدام مماثلات القوة الشرائية لوحدة العملة في الدولة (PPP). ان المعوق هنا يكمن بان معاملات القوة الشرائية لم تصمم لأغراض مقارنة الفقر دوليا، انما هي وجدت لغايات مقارنة مجاميع الحسابات القومية، وبالتالي فانه من غير المؤكد بان هذه المنهجية الدولية ستعكس الواقع الفعلي لتفاوت الفقر بين البلدان.اضف الى ذلك ان هذه المنهجية اعتمدت خط فقر واحد لجميع الدول دون الاخذ بعين الاعتبار لتباين الوضع الاقتصادي وانماط الانفاق وتوزيع الدخول ومستويات الاستهلاك بين الدول

 

5. مصادر بيانات الفقر

      تعتمد مصادر بيانات الفقر على الاسلوب المستخدم في القياس وعلى الهدف الاساسي من عملية القياس، فأذا كان الهدف هو تحري حجم الفقر ومدى انتشاره وعمقه ومراقبة تطوراته في المجتمع فيتطلب ذلك تحديد خط الفقر وبناء مؤشرات الفقر الاخرى المعتمدة عليه، وهذا يتطلب توفر بيانات كمية. بينما اذا كان ينصب الاهتمام بالتعرف على وجهات نظر افراد المجتمع المشمول بالمسح من خلال المشاركة  وعلى فهمهم لأسباب الفقر وطرق محاربته فتعتمد البيانات النوعية.  من هنا يمكن تصنيف مصادر البيانات الى عدد من المصادر الرئيسية واهمها:

  سجلات الخدمات، المسوحات الاحصائية والمصنفة الى مسوحات كمية ومسوحات نوعية، اضافة الى المصادر الدولية. ان سجلات الخدمات الحكومية تعتبر مصدرا مهما لقياس الفقر وهذه السجلات تتباين بين الدول حسب دقتها وشموليتها للمجتمع، واهم البيانات الممكن استخدامها في قياس الفقر من سجلات الخدمات بيانات المؤسسات التعليمية، المؤسسات الصحية، مؤسسات العمل، مؤسسات الخدمات والرعاية الاجتماعية.

  ان المصدر الامثل لبيانات الفقر يكون من خلال تنفيذ مسح احصائي كمي متخصص بالفقر وهناك عدد قليل من الدول التي تعكف على تنفيذ هذا النوع من المسوح. بينما هناك عدد من المسوح الكمية التي تنفذ حاليا ويمكن الاستفادة من نتائجها في قياس وتحليل الفقر، ومن اهم هذه المسوح مسح الاسرة متعدد الاهداف الذي يتم من خلاله جمع بيانات تتعلق بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية للاسر والافراد  كبيانات الانفاق والاستهلاك والدخل والصحة والتعليم ...الخ. ومن اهم هذه المسوح المسح العنقودي المتعدد المؤشرات، اضافة الى مسح قياس مستوى المعيشة الذي طور من قبل البنك الدولي. ومسحين اخرين هما المسح المتكامل ومسح الاولوية.

   أضافة الى المسوحات الكمية السابقة هناك مسح متخصص للاسرة هو مسح نفقات ودخل الاسرة وتتركز الاهداف الرئيسية لهذا المسح بتوفير الاهميات النسبية لسلة المستهلك لغايات بناء الرقم القياسي لأسعار المستهلك، اضافة الى توفير بيانات تتعلق بالانفاق الاستهلاكي الخاص للاسر وحساب المرونات والتعرف على مصادر وتوزيع الدخل. وهذا النوع من المسوح ينفذ بالعينة. كما ويمكن الاستفادة من بيانات التعدادات السكانية لأغراض قياس الفقر من خلال اسلوب اشباع الحاجات الاساسية.

  اما المسوح النوعية فهي تجمع ما بين البيانات الكمية والبيانات النوعية، ولكنها تختلف عن المسوح الكمية انها تشرك الافراد والمجتمعات في العملية البحثية من خلال اخذ انطباعاتهم وفهمهم ومعلوماتهم بخصوص اسباب الفقر وسبل معالجته وذلك تحت اسم ما يعرف المسوح بالمشاركة. هذا النوع من المسوح ينفذ ضمن عدة طرق واهمها الطرق الانثروبولوجية، وطرق تقييم المستفيدين.   

 اضافة الى بيانات السجلات والمسوح بانواعها هناك المصادر الدولية واهم هذه المصادر بالنسبة للدول العربية تقرير التنمية البشرية، بيانات وتقارير البنك الدولي، تقارير الاهداف التنموية الالفية، واخيرا مصادر المنظمات غير الحكومية والجامعات ومراكز البحوث.

 

6. معوقات بيانات الفقر

  كما ذكرنا سابقا ان نقص البيانات من مختلف المصادر يقف عائقا امام عملية قياس وتقييم الفقر، ومن الجدير ذكره هنا انه لا زالت دول عربية تعد من اقل مناطق العالم توفرا  لبيانات الفقر ولذلك اسباب كثيرة. ولعل من اهم البيانات التي تتوفر في هذه الدول بشكل عرضي هي البيانات التي توفرها مسوحات احصائية تنفذ لخدمة اهداف ليس من ضمنها هدف قياس الفقر وتحليله. اضافة الى سجلات الخدمات الحكومية وبيانات تخدم احتياجات وجهود المنظمات الدولية.

 بشكل عام يعتري قواعد بيانات قياس الفقر من مختلف المصادر جملة من المعوقات والتي تقف احيانا عائقا امام الحصول على مؤشرات فقر تتسم بدرجة مقبولة من الكفاءة والدقة. ان من اهم هذه المعوقات ما يلي:

    عدم توفر بيانات تفصيلية على مستوى الوحدات التحليليلة، فعلى سبيل المثال ان الاسرة هي الوحدة الاحصائية في مسح نفقات ودخل الاسرة ولا يمكن الحصول على بيانات تفصيلية عن الانفاق على مستوى الافراد الامر الذي لا يسمح بقياس الفقر والتفاوت على مستوى افراد الاسرة او بالنسبة لمجموعات معينة من السكان. فقدان البيانات اللازمة الى حساب بعض المؤشرات او البيانات لبعض الفترات الزمنية مما يؤدي الى اللجوء لأساليب التقدير او الى طرق الاستكمال الخطي او الاستعانة ببيانات دولية او احيانا تنفيذ مسوح صغيرة لتوفير البيانات المطلوبة. ان البيانات التي تتوفر بشكل اعتيادي تخدم في قياس الفقر عند فترة زمنية معينة ولا تتضمن بيانات عن الاسر والافراد التي تصاب بالفقر وتخرج منه بشكل دوري، اي بمعنى اخر ان الطرق المستخدمة لا تشمل الذين يصابون بالفقر بشكل مرحلي او مؤقت.  في الغالب ان بيانات الفقر المتوفرة  لا تتضمن معلومات كافية عن بعض شرائح المجتمع كشريحة الاغنياء التي يكون لسلوكياتها وانماط استهلاكها اثار مباشرة بالنسبة للفقراء ولجهود مكافحة الفقر. شح البيانات عن الفئات الاشد فقرا، فغالبا ما تكون هذه الفئات محرومة من الخدمات العامة وبالتالي ليست مشمولة ضمن سجلات الخدمات، كما ان اوضاعها غير المستقرة تؤدي الى عدم شمولها ضمن المسوحات. عدم الاتجاه نحو  تنفيذ المسوح النوعية بشكل رسمي، والتي يمكن الاستفادة منها في عمليات التقييم والتخطيط ومراقبة وتنفيذ برامج مكافحة الفقر وتأهيل وتدريب الفقراء. ولكن ما زال هذا النوع من المسوح مختصرا على الدراسات والابحاث الاكاديمية. باعتبار ان مسح نفقات ودخل الاسرة يعتبر حاليا هو المصدر الرئيسي لتوفير بيانات الفقر في العديد من الدول، الا ان عدد من الدول لا زال ينفذ هذا المسح كل خمس الى عشر سنوات مما يخلق فجوة في قاعدة بيانات الفقر، ويجعل من الصعب متابعة برامج تقييم ومعالجة الفقر.

 

7. الخلاصة: مما سبق يتضح بشكل جلي ان تطور الفقر وانتقاله من مجرد ظاهرة يمكن ان تتعايش معها المجتمعات الى مشكلة اقتصادية اجتماعية ذات ابعاد متشعبة قد واكبه تطورا واضحا في مجالات قياس وتقييم الفقر من خلال ايجاد المنهجيات اللازمة لبناء مختلف المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، وذلك بتطويع كافة مصادر قواعد البيانات سواءا كانت مسوحات احصائية كمية او نوعية، او سجلات وطنية، او مصادر دولية.    ولكن لابد من الاعتراف بان هذا التطور في مجالات قياس الفقر ومقارنته بين البلدان لا زال يعتريه جملة من المعوقات تتركز بشكل مباشر في مصادر البيانات سواءا كانت تتعلق بالشمولية او بعدم التغطية أضافة الى بعض المعوقات في اساليب مقارنة الفقر دوليا خاصة ضمن المنهجيات الشائعة الاستخدام حاليا كدليل التنمية البشرية وتحديد خط الفقر بدولار واحد ودولارين للفرد. تناولت هذه الورقة الجوانب الرئيسية لأهم المعوقات، ومن ثم توصلت الى عدد من التوصيات التي ربما تخدم في تطوير المنهجيات الحالية.

 

8. التوصيات       بهدف الوصول الى مؤشرات فقر ذات كفاءة نسبية عالية بحيث تضمن مقارنة كفؤة بين المجتمعات، اضافة الى الوصول الى قواعد بيانات خاصة بالفقر تتسم بالتغطية والشمول وتخدم في قياس الفقر بشكل امثل، لابد من تقديم التوصيات التالية:
    ضرورة أيلاء بيانات الفقر اهمية كبيرة من قبل الدول من خلال تنفيذها لمسوح متخصصة ما امكن في هذا المجال بحيث ترفد قواعد البيانات ببيانات تكون على درجة من الحداثة والتغطية والشمول. الى جانب المسوح الكمية لابد من الاتجاه نحو تنويع بيانات الفقر واعطاء اهمية كبيرة لتنفيذ لمسوحات النوعية على المستوى الرسمي، وذلك لما لهذه المسوح من اهمية في اطلاع الفقراء على واقع فقرهم واستنباط الحلول والسياسات بالمشاركة معهم. باعتبار ان مسح نفقات ودخل الاسرة يعتبر حاليا هو المصدر الرئيس لبيانات الفقر لابد من التركيز نحو تطوير منهجيات هذا المسح للوصول الى بيانات تساهم بشكل اكبر في قياس الفقر، وذلك من خلال تنفيذ مسوح مرافقة Rider Surveys))لهذا المسح بحيث تغطي الجوانب الاجتماعية ومستويات الخدمات الصحية والتعليمية... الخ. اضافة الى الاتجاه نحو تنفيذ مسح فرعي ينبثق عن مسح نفقات ودخل الاسرة بحيث يعتمد على عينة جزئية من عينة المسح الرئيسية واعتبار وحدة المعاينة فيه هي الفرد عوضا عن الاسرة لغايات الوصول الى توزيع امثل لمستويات الفقر على مستوى الافراد. واخيرا بهدف امكانية متابعة قياس الفقر  وتطوراته لابد من الاتجاه نحو تنفيذ مسح نفقات ودخل الاسرة بشكل دوري وعلى فترات قصيرة ما امكن. هنالك العديد من الدول تتجه نحو استخدام بيانات السجلات الوطنية كمصدر لقياس الفقر وتقييمه، وغالبا ما تكون هذه البيانات مبوبة في مصادرها من مؤسسات حكومية ضمن سجلات غير منظمة وينقصها الدقة النسبية والتنسيق والترتيب، من هنا ونظرا لاهمية هذه البيانات لابد من اعداد اجراءات تنظيمية بحيث تكفل تبويب هذه البيانات في مصادرها ضمن قواعد بيانات تسهل من الحصول عليها بيسر، وتحافظ على دقتها وكفاءتها ما امكن. باعتبار ان دراسة الفقر في الغالب تعتمد على بيانات لمسوح اخرى احيانا لايكون الفقر ضمن اهدافها، وان هذه المسوح  تجرى بالعينة معتمدة على الاطر العامة للسكان والمساكن، فقد تكون شرائح السكان الاقل فقرا غير ممثلة بشكل كافي مما يؤدي الى تحيز في مؤشرات الفقر المستخلصة من هذه المسوح، وهذا يجدد التأكيد حول ضرورة اجراء مسوح متخصصة بالفقر.
.

1. Robert chambers , the Professionals and Powerless Whoes Reality Counts Choices:  the Human Development Magazine (New Yorky United Nation Development  Programm , 1995 .

2. الدكتور محمد الصقور وآخرون ، دراسة جيوب الفقر في المملكة الأردنية الهاشمية ، وزارة التنمية

      الأجتماعية ، 1989

3. د.محمد حسين باقر، قياس وتحليل الفقر مع التركيز على الأساليب غير التقليدية، الاسكوا

    1997.

4. الدكتور محمد الصقور، السياسات الاجتماعية والفقر في المنطقة العربية، بحث مقدم إلى

   اجتماع الخبراء لدراسة استراتيجية حول تخفيف الفقر في منطقة الدول العربية.

5. ECLAC, Poverty Measurement: Present Status of Concepts and Meathods,           Seminar on  Poverty Statistics, Santiago, Chile, 1997

7. Ravallion, M., Poverty Comparisons, Harwood Academic Publishers, 1994.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق