]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أَثَرَةُ خليفة ، وجزع صحابة !!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-10-29 ، الوقت: 09:09:25
  • تقييم المقالة:

 

حادثة مقتل عثمان بن عفان من أكبر حوادث الإسلام في تاريخ الخلفاء الراشدين . ولم يختلف الرواة والمؤرخون في تقدير أحد من عظماء الإسلام مثل اختلافهم في شخصية عثمان ، وتقييم أمره وآثاره ، والحكم على سياسته أثناء توليه لأمور المسلمين ؛ فهناك أهل السنة والمعتزلة يدافعون عنه دفاعا مطلقا ، وهناك الشيعة والخوارج ينكرون عليه أمورا عديدة ، وبين هؤلاء وهؤلاء جدال وخصومة في كل زمن ، بل وافتراق وتكفير أحيانا ، حتى هذا الزمن !!  

وعلى رغم المكانة العظيمة التي أحرزها في عهد الدعوة المحمدية الأولى ، والمنزلة التي كان يحظى بها في قلب الرسول ، وقلوب المؤمنين جميعا ، حتى أن النبي كان يقول عنه : « أصدق أمتي حياء عثمان » ، ويقول أيضا : « إن الملائكة لتستحيي من عثمان » .. كما أنه زَوَّجَهُ ابنته رُقَيَّة فماتت ، ثم زَوَّجه من أختها أم كلثوم فماتت أيضا ، فكان مِمَّا واساهُ بها رسول الله قوله : « لو أن لنا ثالثة لزوجناك » ، وبسبب هذا الزواج الشريف لُقِّبَ بذي النورين ...

أقول على رغم كل هذا ، فقد ادْلَهَمَّتْ عليه خطوب فادحة في شيخوخته ، واجتاحته فتنة عظيمة في أيامه الأخيرة ، أَوْدَتْ بحياته في صورة بشعة من القتل ، على أيدي صحابة شهدوا معه مشاهد ، وحضروا معه وقائع ، وكانوا يعرفون ـ لاشك ـ قدره وفضله !!

فكيف حدث ذلك ؟!

ما أن وَلِيَ عثمان بن عفان الخلافة ، حتى وجدها بنو أمية فرصة ذهبية ، كي تعود إليهم مكانتهم الأولى السالفة ، منذ عصر الجاهلية ، ويستأنفوا حياة العزة والسيادة ، التي افتقدوها منذ أن جاء نصر الله والفتح ، على يد الرسول محمد (ص) الهاشمي ؛ وقد صَرَّحَ بهذه الغاية زعيم الأمويين أبو سفيان بن حرب ؛ حيث قال عَقِبَ مبايعة عثمان ، بعد أن اجتمع بخلصائه في داره :

ـ يا بني أمية ، تَلَقَّفوها تَلَقُّفَ الكرة ، فوا الذي يحلف به أبو سفيان ، ما زِلْتُ أرجوها لكم ، ولتصيرنَّ إلى صبيانكم وِِرَاثَةً !!

وفعلا ، انتشر كثير من الصحابة في الولايات والأمصار ، وأَقْطَعَهُمْ عثمان مساحات هامة من الأراضي ، كانت مِلْكاً للمسلمين أجمعين ، وأغدق عليهم هبات وأموالا ، كانت في حساب بيت مال المسلمين ، وكان يقول في ذلك :

« هذا مال الله أعطيه من شئت ، وأمنعه من شئت ، فأَرْغَمَ الله أنف من رغم » ، ويقول أيضا : « لنأخذنَّ من ذلك حاجتنا ، وإن رغمت أنوف أقوام »   !!

وهو بهذا الخطاب ، الذي بدا ـ يومئذ ـ شديدا وحازما على نفوس المسلمين ، يرى أن للإمام الحق في أن يتصرف في أموال المسلمين حسب ما يشاء ، وأنه مادام مَلَكَ زمام الرعية بحكم الخلافة ، فله أن يأخذ من أموالهم ما يَفِي بحاجته ، وحاجة أهله وذوي رحمه !!

وحين عارضه صحابة أخيار ، شهد لهم الرسول بالإيمان ، والتقوى ، والإخلاص ، ونصحوه أن يتراجع عن سياسته هذه غير الرشيدة ، غضب منهم ، وسخط عليهم ، وأغلظ لهم في القول والفعل ، بل واجترأ على بعضهم ، وأذاهم أذى مبينا ، منهم عمار بن ياسر ، حيث ضربه حتى غشي عليه ، وأبو ذر الغفاري ، وقد نفاه بعيدا إلى الربذة !!

فمِمَّا يروى عنه في طبقات ابن سعد (168ه/230ه) ، أنه كان « يعاف الحوار وطول الجدل ، فإذا التزم أمْراً أصر عليه ، فتعذَّرَ صَرْفُه عنه ، وكان يزيد في إصراره على رأيه ما أفاء الله عليه من بسطة في الرزق ، وأنه من بني أمية أكثر قريش عددا و أقواها يَداً » .

وتغير حال العمال والولاة ؛ فعين عثمان أفرادا من أقربائه ، وقدَّمَ ذوي أرحامه على سائر الناس ، وكان الغالب عليه مروان بن الحكم ، وأبو سفيان بن حرب ؛ فاستأثروا بالأمر ، واستبدوا بالحكم ، وطفقوا لا يرجعون في سياستهم إلى رأيه ومشورته ، ولا يخشونه ـ كخليفة حازم ـ مثل خشيتهم سابقيه من قبل ، وعمر بن الخطاب خاصة !!

وسار بعضهم في الرعية سيرة منكرة ، فاستأثروا بالأموال والخراج ، وجعلوها { طُعْمَةً } خاصة لأفواههم ، وعَدُّوا بعض الأراضي الصالحة { بُسْتاناً } لهم ولقومهم ، ونشأت طبقة مُتْرَفَةٌ ، سَهَّلَ لها الخليفة تنمية الثروات ، وزيادة الممتلكات ، وأتاح لها فرص التمكين ، والقوة ، والسيادة ...

وأكثر الرواة والمؤرخين أنكروا على عثمان سياسته في إدارة شؤون الدولة ، وفي مسألة التولية والعزل خاصة ؛ فقد ذكروا أنه كان يولي أمور المسلمين رجالا وأحداثا لا يصلحون لها ؛ إذ أنهم لم يتبعوا تعاليم الدين ، ولم يتقيدوا بسنة الرسول ، ولم يقتدوا بسيرة الشيخين أبي بكر وعمر ، بل كانوا أحيانا يتجاوزون إلى أعمال أخرى ، تصطدم بحقوق الرعية ، ومصالحها ، وآمالها ... !!

وظهرت في الحياة الاجتماعية والاقتصادية مظاهر الثراء والبذخ ، على عدد كبير من الصحابة ، وتضخمت ثرواتهم ونفقاتهم ، وأصبحت دورهم فخمة ، وبيوتهم عالية ، وخيولهم مُطَهَّمَةً ، وثيابهم مُوَشَّاةً ، وصارت لهم من الكنوز والضِّياعِ ما تَعِبَ في عَدِّها عمال الإحصاء !!   

وتشهد مصادر التاريخ الإسلامي أن سياسة جديدة أُتُّبِعَتْ في بيت مال المسلمين ، وانطلقت أفكار مستحدثة برَّرَتْ للخليفة وولاته التمتع بالأموال العامة والخاصة ، حتى أن هناك أخبارا تحدثت عن مجوهرات وحُلِيٍّ ، كانت في بيت مال المسلمين ، منذ عهد عمر بن الخطاب ، حيث غنمها من كسرى ، وكان ثمنها عظيما ، أخذها عثمان بن عفان لما وَلِيَ الخلافة وحلَّى بها بناته !!

وعباس محمود العقاد (1964/1889) ، في بحثه عن جوانب عبقرية عثمان ، وعلى رغم احتجاجه له ، قال بأنه :

« كانت له نظرة إلى الإمامة قاربت أن تكون نظرة إلى المُلْكِ ، وكان يقول لابن مسعود كلما ألح عليه في المحاسبة : ( مالك ولبيت مالنا ؟ ) .. وقال في خطبته الكبرى يرد على من أخذوه بهباته الجزيلة في إيتاء ذي القربى على رواية الطبري (224ه/310ه) : ( فَضْلٌ من مال ، فَلِمَ لا أصنع في الفضل ما أريد ، فَلِمَ كُنْتُ إماما ؟ ) ..

فقد كاد في هذا المقال أن يرفأ ( أي يصل ويضم ) الخلافة برقعة من الملك ، ومالت به طبيعة العصر كله إلى بقية من النزعة الأموية ، فكاد الملك والخلافة لديه يلتقيان في حساب الأموال » .

وكل هذه الأحداث كانت مصدر شر عظيم ، ووقود فتنة كبيرة ، اندلعت نيرانها في جسد أمة خير القرون ، أدت إلى أول ثورة عنيفة ، شهدها المسلمون ، هاجم فيها الثائرون من الولايات ـ مصر ، العراق ، اليمن ، والشام ـ على منزل الخليفة في العاصمة ـ المدينة ـ ، حيث قتلوه شر قتلة ، وهو يقرأ القرآن ، بعد أن حاصروه زمنا طويلا ، يدعونه إلى الإصلاح والتغيير ، وإلى نهج سياسة العدل والمساواة ، التي كانت متبعة في حياة الرسول ، وفي عهدي أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ ... ولا يستجيب لهم !!

وكان ذلك في يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة سنة 35 للهجرة ، وظل ثلاثة أيام دون دفن ، ثم وُورِيَ جثمانه في ستار من الظلام ، ولم يشهد جنازته إلا أفراد قليلون من خاصة بيته ، وأولي قرباه !!

والإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ لخص هذه القضية ، بكلمات جامعة ، جاءت في كتاب { نهج البلاغة } ، فقال :

« .. إنه قد كان على الناس والٍ ـ ( عثمان ) ـ أحدث أحداثا ، وأوجد للناس مقالا فقالوا ، ثم نقموا فغيروا ... » .

وقال أيضا :

« وأنا جامع لكم أمره ـ ( أمر عثمان ) ـ : استأثر فأساء الأثرة ، وجزعتم فأسأتم الجزع ، ولله حكم واقع في المستأثر والجازع » .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق