]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

في تونس : إنهم يستدرجون الجيش للإنقلاب على الشرعية

بواسطة: عادل السمعلي  |  بتاريخ: 2012-10-27 ، الوقت: 07:03:52
  • تقييم المقالة:

 

ليلة   الإثنين 22 أكتوبر  وفي تمام الساعة العاشرة ليلا حين إنقطع  البث التلفزيوني  فجأة عن ثلاثة قنوات فضائية تونسية نتيجة الأحوال الجوية وتساقط الأمطار بادرت أطراف محبطة سياسيا بالتنسيق مع أطراف مهزومة إنتخابيا  بإستغلال هذا الحدث النادر عندنا  لبث إشاعة حدوث إنقلاب عسكري في تونس و التحدث  عن قرب صدور ما أسموه البيان العسكري رقم واحد

 

 

وقد بادر بنشر هذه الاشاعة موقع ألكتروني معروف  بحقده الصريح على المسار الثوري الانتقالي وبقربه السياسي  من منظومة حزب بن علي المنحل    ورغم أن الموقع الذي نشر الإشاعة معروف لدى كل التونسيين بإحترافه فبركة الأخبار الكاذبة حتى أنهم يطلقون عليه  من باب التندر  موقع الاشاعة الا أن الخبر حير و أربك قطاع عريض من المتابعين لأنه يتزامن مع موعد 23 أكتوبر وهو موعد  الذكرى الأولى لأول إنتخابات شرعية وشفافة في تاريخ تونس الحديث  حيث كان التونسيون يستعدون للإحتفال بهذه الذكرى    

 

  كما أن  تأكيد السلطات الرسمية أن هذا الخلل الفني ناتج عن سوء الأحوال الجوية في منطقة "الدخيلة" حيث يوجد مركز البث الفضائي بتونس لم يقنع بعض التونسيين  نظرا لتواصل إنقطاع البث التلفزيوني لمدة تزيد عن الساعة مما ساهم في إرتفاع وتيرة الإشاعة حول وجود "إنقلاب عسكري ".   وقد ربط البعض انقطاع البث التلفزيوني بالانتشار العسكري الكثيف للقوات المسلحة التونسية وسط تونس العاصمة وشمل غالبية المناطق الحيوية في العاصمة. وكانت المؤسسة العسكرية التونسية قد عززت من انتشار قواتها وسط تونس العاصمة تحسبا لأعمال فوضى أو تخريب يقوم بها جرحى الانتخابات  ومنكوبي نظام بن علي على غرار ما حدث منذ أيام قليلة في مدينة تطاوين من إنفلات تسببت فيه عناصر إجرامية  موالية لنظام بن علي قذفت مسيرة شعبية سلمية بقنابل المولوتوف  وتسببت في سقوط جرحى ووفاة زعيم العصابة    

 

  وإستغلالا لشبكة العلاقات  الإعلامية  الخارجية التي مازال يحظى بها بقايا أزلام بن والتي تحدثنا عنها في مقال سابق تم تسريب الإشاعة إلى وكالة الأنباء الألمانية  ومنها إلى عشرات المواقع العربية و الأجنبية  مما جعل الاشاعة المحبوكة في وقت قياسي وكأنها خبر صحيح و واقع تصدر ليلتها الصفحات الأولى للمواقع الاخبارية .

 

    إن حادثة  إنقطاع البث التلفيزيوني ومحاولة الانقضاض عليها إعلاميا  لإستغلالها سياسيا  يؤكد بطريقة جلية  أن بقايا نظام بن علي مازالوا يعيشون على أمل الرجوع للمشهد السياسي ويمنون النفس بإنقلاب عسكري مزعوم قد ينعش أحلامهم في مواصلة مسيرة اللصوصية ونهب البلاد فقد كان وصول  زعيمهم الهارب  لسدة الحكم  عقب  إنقلاب ماكر على الزعيم الحبيب بورقيبة و هذه العقلية الإنقلابية تمثل  عند بقايا نظام بن علي  إمتدادا لنظرية اليد الحديدية والقبضة الأمنية لبسط النفوذ والتحكم في العباد والبلاد  وهذا مما مازال يحلمون به ويمنون به النفس  منذ أن سقط النظام وأخذ الشعب زمام مصيره بنفسه عن طريق الانتخابات الحرة والنزيهة 

 

    إن الرغبة في الالتفاف على الثورة والإنقلاب عليها  تعاظم هذه الأيام عند طرفين سياسيين في تونس   فالطرف الأول يمثله  بقايا نظام بن علي الذي أعاد التشكل والتموقع في أحزاب سياسية وجمعيات أهلية أما الطرف الثاني فهي  الطبقة السياسية المنهزمة في أول إنتخابات شرعية وهي التي ألفت التمعش والأكل من فتات موائد الديكتاتوريات المتلاحقة مما حدى بهما  بطريقة شعورية أو لا شعورية ببعث رسائل مشفرة وأحيانا صريحة للمؤسسة العسكرية لعلها تتدخل وتوقف المسار الانتقالي  وذلك طمعا في أن تسترجع إمتيازاتها التي حرمت منها إبان الثورة  

 

ونذكر بهذا الصدد  أنه  ليست المرة الأولى التي يطالب فيها بقايا حزب بن علي  بتدخل العسكر  فقد سبق أن أصدر الحزب الدستوري الجديد المحسوب أيضا على بقايا النظام السابق  بتاريخ 14 يونيو 2012 بلاغا رسميا  دعا فيه الجيش إلى ضرورة التدخل ومسك زمام السلطة في البلاد التونسية نظرا لتأزم الأوضاع الأمنية  حسب زعمه مما دعى النيابة العمومية إلى فتح تحقيق قضائي ضد رئيس الحزب لمساءلته حول هذه التصريحات الشاذة التي تهدد المسار الانتقالي ومدنية الدولة 

 

    إن  الشعب التونسي أبتلاه الله  بهذه الطبقة السياسية المكونة من بقايا حزب بن علي المتحالف مع ما يسمى اليسار الانتهازي و المدعومة إعلاميا من قوى الثورة المضادة التي  مازال  يغيب عن فهمها  أن المؤسسة العسكرية التونسية هي أبعد ما تكون  عن التدخل في الشأن السياسي فهي  أصلا غير مهيئة لذلك ولم يسبق لها أن مارست أي دور سياسي منذ الاستقلال  وذلك على خلاف مؤسسات عسكرية في دول عربية مجاورة

 

وفي هذا الصدد لا بد  أن نذكر أن هذا المكسب  يعد من حسنات الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة  التي سيذكرها له التاريخ فدولة الاستقلال بقيادة بورقيبة كانت تتوجس دائما  من أي دور يمكن أن يلعبه العسكر خارج الثكنات وكان من  الندرة بمكان أن تجد جنرالا أو قائدا عسكريا يتولى حقيبة وزارية طيلة حكم بورقيبة وهذا يحسب من مكارم الحكم البورقيبي الذي أخذ العبرة من تتالي الانقلابات العسكرية العربية والافريقية في ستينات وسبعينات القرن الماضي وأرسى بذلك منظومة عسكرية وطنية تقوم عقيدتها العسكرية على حفظ الأمن وسلامة التراب التونسي من دون أي تدخل في الشؤون السياسية  

 

   إن هذه  التيارات السياسية و بعض ما يسمى مكونات المجتمع المدني المرتبطة تاريخيا بالنظام السابق والمخترقة مخابراتيا من الدول الداعمة ماليا مازال يراهن على  إنتهاج سياسة إستدراج العسكر للتدخل على الطريقة الجزائرية  في بداية التسعينات  ويصرح بعضهم بذلك  في العلن وبعضهم الآخر يصرح بذلك  في جلساتهم المغلقة وهم بذلك  لم يفهموا بعد ولم يستوعبوا  أن المقارنة لا تجوز لا زمانا ولا مكانا إذ أن وضع نهاية الثمانينات كان مرتبطا بظروف محلية وإقليمية ودولية وإن هذه الظروف أنتهت أسبابها ومسبباتها  أو كادت وأن الوضع العالمي الحالي تجاوز هذه التجربة المريرة وأتجه نحو حلول متسمة بالحوار وتتجنب الصدامات الدموية وهذا مما يؤكد أن عقلية هذه النخب وطريقة تفكيرها  تشكو من فراغ تاريخي يمتد إلى  أكثر من عقدين من الزمن  وهم مازالوا من الفينة إلى الأخرى  تراودهم هذه الفكرة ويطمعون في أن يتم وقف المسار الثوري الانتقالي عن طريق العسكر وهم لا يدرون أن كل ما يفعلونه هو صرخة في واد أو نفخة في رماد فمتى يسترجعون حقائق التاريخ والجغرافيا ويستعيدون وعيهم الغائب ويعترفون بالأمر الواقع على الأرض ويتركون جانبا التخيلات والأوهام 

 

  مراجع : الخبر / الإشاعة : 

  1- مقال مخاوف من انقلاب عسكري في تونس - موقع المنار  24 أكتوبر 2012  

2-مخاوف قوية من انقلاب عسكري في تونس - موقع قصة الاسلام الإخباري    23 أكتوبر 2012  

3- 2012 أنباء كاذبة عن "إنقلاب عسكري" في تونس إثر إنقطاع البث التلفزيوني - موقع أرابيك نيوز    23 أكتوبر   

 

4- إنقطاع البث التلفزيوني في تونس يثير الفزع وسط أنباء عن إنقلاب ....-.... يونايتد برس إنترناشيونال   ..23 أكتوبر 2012  

 

5- تردد أنباء عن إنقلاب عسكري بتونس ...- موقع جريدة الدستور المصرية   ...23 أكتوبر 2012  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق