]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

و ظنت . . . . . . أنه يكتب لها ! !

بواسطة: د. وحيد الفخرانى  |  بتاريخ: 2012-10-26 ، الوقت: 13:49:51
  • تقييم المقالة:

و ظنت . . . . . . أنه  يكتب  لها  ! !

----------------------------------

كان باهر يهوى القراءة منذ الصغر ، وكانت له مكتبة صغيرة عبارة عن عدة أرفف خشبية  فى حجرته الضيقة ، كونها من مصروفه القليل بشراء الكتب والقصص والروايات القديمة من إحدى المكتبات فى مدينته ، وكان فى مراحل تعليمه المختلفة ، يهوى الذهاب إلى مكتبة المدرسة فى أوقات الفراغ ، ليقرأ ما تيسر له من الكتب والقصص والروايات ، وإستمرعلى هذا النهج حتى بعد تخرجه من الجامعة، لم يدع تخصصه بالعمل فى مجال القانون ، أن ينال من هواية القراءة التى كان تستولى على جزء كبير من وقت فراغه ، وإستطاع أن يقتنى عدداً من الكتب يُقدر بالمئات – بخلاف ما قرأه ولم يستحوذ عليه – خصص لها مكتبة أنيقة فى غرفة مكتبه الخاصة.

قرأ باهر فى شتى المجالات ، ولم يكتفى بنوع واحد من القراءة ، قرأ فى السياسة كثيرأ ، إهتم بفهم العالم من حوله ، كيف يفكر الساسة ، وكيف تُحكم الشعوب ، وكيف تُدار الدول ، قرأ فى تاريخ معظم الشعوب  ، العربية والأوربية والأمريكية ، قرأ فى تاريخ الحروب والمعارك الكبرى بكافة تفصيلاتها السياسية والعسكرية ، يوميات الحربين العالميتين الأولى والثانية ، وحروب المنطقة العربية بأسرها ، حتى آخر الحروب ( حرب الخليج الأولى والثانية ) مروراً بحرب أكتوبر المجيدة بيومياتها وتفصيلا ت عملياتها العسكرية ، كان يقرأ وكأنه  متخصص فى عالم السياسة والحروب . . قرأ فى الأد ب العربى كثيراً وبعض من روايات الأدب الإنجليزى والفرنسى مترجماً فى جزء منه إلى العربية ، فقد كان يُجيد الإنجليزية ، قرأ لكثير من الأدباء والشعراء ، وإحتقظ ببعض قصصهم ودواوينهم فى مكتبته الخاصة ، قرأ لنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين والعقاد ويوسف السباعى وإحسان عبد القدوس وغيرهم كثير ، وقرأ فى الشعر العربى القديم والحديث لشعراء عظام ، أحب أشعار المتنبى وإبن العتاهية والنابغة الزبيانى و جرير والفرزدق والخنساء ، ومن الشعراء فى العصر الحديث قرأ لأحمد شوقى ( أمير الشعراء ) وحافظ إبراهيم ( شاعر النيل ) وأحمد رامى ( شاعر الشباب ) وأبو القاسم الشابى ومحمود درويش وأمل دنقل  وفاروق جويدة  ، وغيرهم من الشعراء المعاصرين . . قرأ فى الأديان السماوية ، كثير من الكتب الإسلامية ، وقرأ الإنجيل والتوراة كاملين . . قرأ فى الطب والهندسة والزراعة والإقتصاد والفلسفة وعلم النفس وعلوم الإجتماع وإدارة الأعمال . . قرأ فى كل شئ ، لأنه يؤمن بأن الثقافة شئ والتعليم شئ آخر ، وأن الثقافة هى" أن تعرف شئ من كل شئ ، لا أن تعرف كل شئ عن شئ واحد فقط " ، فغالبية المتعلمين فى العالم العربى جهلاء جهلاء ، بسبب إنحطا ط مستوى التعليم من ناحية ، ولأن العرب ما صاروا يهتموا إلا بالسخافات والتفاهات ، وشبابهم – فى أغلبهم – أمسوا تافهين ، سخفاء ، سطحيين ، عقولهم خاوية تصفر فيها الريح . . كثيراً ما تحاورت وتناقشت مع البعض منهم ، كنت أحزن وأتألم لحالهم ، ولجهلهم ، ولصغر عقولهم ، وضيق أفقهم ، الحديث معهم أشبه بمن يحاول أن يقرأ جريدة فى الطريق العام فى يوم عاصف شديد الرياح والأتربة ، قطعاً لن تثمر قراءته شيئاً  . .

وظل باهر على هذا النهج فى حياته . . قارئاً ودارساً وفاحصاً ومحللاً لكل شئ من أصغره إلى أكبره ، حتى بلغ من العمر الأربعين عاماً ، صارت لديه حصيلة لا بأس بها من المعرفة والثقافة فى مجالات عديدة ومتنوعة ، وأدرك أن الوقت قد حان كى يُخرج كل حصيلة معرفته وثقافته للآخرين ، ليشاركوه فيها ويستفيدون منها . . وبالفعل أرسل باهر لإحدى المجلات الأسبوعية ، غير المتخصصة فى نوع واحد من المعرفة ، واسعة الإنتشار فى مصر والبلاد العربية ، قبلت إدارة المجلة أن تنشر مقالاته بعد أن طلبت منه نماذج منها للوقوف على مستوى وأسلوب الكتابة ، بعد حيرة وتردد فى أى المجالات يكتب ، فلديه القدرة على الكتابة فى كل شئ وأى شئ ، ولكنه لابد أن يختار مجالين حسب ضوابط النشر بالمجلة ، فإختار أن يكتب فى السياسة والأدب العربى . . وبدأت مقالاته فى الظهور أسبوعياً ، بواقع مقالين أحدهما سياسى والآخر أدبى فى صورة مقال أو قصة قصيرة , وبدأ قراء المجلة من كافة البلدان العربية يتواصلون معه ويرسلون إليه تعليقاتهم على مقالاته وقصصه ، وأسعده هذا الأمر كثيرا ً ، كان قراؤه من كافة الأعمار والأجناس ، خاطب الشباب والكبار ، والنساء والفتيات ، وإزداد قراؤه يوماً بعد يوم ، وبصفة خاصة قراء المقالات الأدبية ، التى تنوع قراؤها بدرجة واضحة . . . وكان من بينهم علياء . .

كانت علياء فتاة تونسية ، فى منتصف العشرينات من عمرها ، وكانت عاطفية رقيقة وحالمة ، لها قلب أبيض صافى شديد الصفاء والنقاء ، قرأت إحدى قصصه فأعجبتها ، وأرسلت إليه تعليقاً أبدت فيه إعجابها بأفكاره المتنوعة وأسلوبه الرائع البديع ، تعددت المقالات والقصص الأدبية التى تستهويها ، وتعددت معها خطابات علياء إليه ، أسعده كثيراً خطاباتها وتعليقاتها ، وأحياناً كانت ترسل إليه بعضاً من خواطرها ليبدى رأيه فيها ، إعتبرها بالنسبة إليه أخته الصغرى ، وكان يخاطبها بهذا الإسم دائماً . . أختى الصغرى / علياء . ولكن يبدو أن كان لها رأى آخر . .

فجأة . . . بدأت خطابات علياء إليه تأخذ منحى آخر ، وتحوى تساؤلات لم يكن يتوقعها ، سألته ذات مرة بعد أن قرأت قصة من قصصه أعجبتها : هل كتبتها لى ومن أجلى ؟ ؟  ومرة أخرى أخبرته بأنها تتمنى لو كانت إحدى بطلات قصصه الرائعة  , وبدأت تلاحق مقالاته وقصصه الأدبية تحديداً ، تقرأها ثم تعيش أحداثها وتتخيل أنها بطلة هذه القصة . . صحيح أن أسلوب باهر كان ممتعاً ، سهلاً وبسيطاً ، راقياً فى كلماته ، أنيقاً فى تعبيراته وصوره وتشبيهاته ، وكانت جميع قصصه لها مذاق خاص وعطرها من النوع الفواح . .

لقد حاول أن يوضح لها – عدة مرات – أنه لا يقصد أحداً بعينه فى كتاباته وقصصه الأدبية ، وأن القصص الأدبية تقوم فى الأساس على وحى خيال القصاص أو الأديب ، مع إستعارة بعض الأسماء أو الصفات ممن حوله فى ربوع الحياة ، ولطالما كتب يوسف السباعى وإحسان عبد القدوس وحتى منى نور الدين ، رواياتهم الجميلة الرائعة الحالمة ، من وحى خيالاتهم ، وأغرقوا فى الرومانسية حتى كنا نغرق معهم فى بحور دموعنا ، وكانوا يحلقوا بنا فى الخيال كيفما شاءوا ، ولكن عقلها رفض أن يستوعب ذلك ، وغلبتها عاطفتها الجميلة الرقيقة الوديعة ، فسكت صوت العقل لديها ، وعزفت أوتار العاطفة والرومانسية مقطوعة الهيام  .  . . . ولكن ! !

لم يكن هو على إستعداد لأن يستمر الحال على هذا النحو ، إنه يكتب من وحى خياله الخصب ، وقد وهبه الله - سبحانه وتعالى - القدرة على أن يتخيل كل شئ وأى شئ له علاقة بالمشاعر الإنسانية ، ومكنونات الصدور، وسرائر النفوس ، وأعماق النساء ، وأغوارالوجدان والكيان ، وأن يصوغ كل ذلك بأسلوبه الناعم ، الرائع المحكم ، تساعده مفرداته وأدوات لغته وبلاغته ، فيحيل الحلم والخيال إلى واقع ملموس وحياة . . . وكان لابد من وقفة ونقطة نظام ، لتحديد الأمور والأشياء ، بشكل قاطع وحاسم ، كما تعود هو فى حياته ، وخاصة فى المشاعر الإنسانية .

لم تقبل هى صراحته ، ولم ترض أن يوقظها من ذلك الحلم الذى أغرقت نفسها فى النوم من أجل رؤيته كل يوم ، ولأنها عاشت حيوات كل بطلات قصصه ، وأوهمت لنفسها أنها هى البطلة . . واليوم هو يريد أن يسلبها حلمها ، ويُخرجها من الجنة فى علياء السماء ، كى يُهبطها إلى الأرض ، وحواء لن ترضى أبداً أن تهبط إلى الأرض بعد أن هامت فى ملكوت السماوات  . . صارحها بأن ما كتبه لم يكن لها ولا لغيرها . . رفضت أن تصدقه . . ظنت أن كلماته كاذبة وتبريراته واهية . . وأنه لم يكن يكتب إلا لها ومن أجلها . . وأنه لولاها ما كان ليكتب أبداً . . فهى ملهمته وبطلة كل قصصه . . . . وهى . . . . وهى . . . .و هى . . . .  

وكانت النهاية التى لم يكن يريدها قط . . لقد خسرها وضاعت منه إلى الأبد . . قارئة رائعة وأخت صغرى جميلة رقيقة حالمة . . ويا لها من خسارة لم يكن يتوقعها أبدأ . . إنها خسارة من ذلك النوع الذى لا يتحمله . . ولن يتحمله لأيام وليالى طويلة . . وإلى مقال آخر إن شاء الله .    


« المقالة السابقة
  • سلوى أحمد | 2012-10-26
    شخصية باهر يا استاذ وحيد هي الشخصية التي تمنيت واتمني ان اكونها تلك الشخصية المثقفة التي تمتلك من المعلومات الكثير في شتي ضروب المعرفة ونريد ان يكون لك حديث اخر عن هذه الشخصية فلاشك ان لديها الكثير من التجارب التي تفيد كل من يقرأ عنها لذلك نحن في انتظار مقالات اخري لنفس البطل -- مع تحياتي 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق