]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نيو كاسل (3)

بواسطة: Dalia Hazem  |  بتاريخ: 2012-10-26 ، الوقت: 10:47:32
  • تقييم المقالة:

في ليلة باردة من شتاء عام 1984 جلست في حانة متواضعة منf حانات نيو كاسل أبون تاين على طاولة صغيرة بمعقدين إلى جانب نافذة زجاجية كبيرة مطلة على الشارع .. كان وجهها موجها ناحيتها .. و بخار الماء الناتج من تنفسها الميت قد تجمع عليها مكونا غيمة ضبابية صغيرة على الزجاج .. كان يخيل لمن يراها من خارج الحانة أنها تتفحص المارة .. و ما يعلم أنها لا ترى من ذلك شيئا .. بل لا ترى مما حولها في تلك اللحظة شيئا 

.. كل ما تراه هو شريط السنوات الأربعة المنقضية من عمرها .. سنوات الذل المتكرر .. تلك التي أفقدتها إحساسها بأنوثتها .. برقتها .. قتلت المرح فيها .. و سلبتها كرامتها .. بل و سحبت الروح من جسدها ببطء و ألما كما فرع من الأشواك يُسحب من قماشة صوفية ..تنفسها الميت .. مازلت تتنفس لكنها صارت ميتة .. على الأقل بالنسبة لنفسها .. فحياة كحياتها فرضت عليها هذا الموت الحي !! جلست على تلك الطاولة و جعلت تتحسس بيدها عينها اليسرى التي أخفتها و رفيقتها اليمنى تحت نظارة سوداء رغم أن الظلام كان قد حل على المدينة كلها .. لم ترغب أن يرى أحد تلك الهالة الزرقاء المحيطة بعينها .. و التي جعلتها تبدو كما لو كانت قد خرجت من معركة "شوارع" .. لقد خرجت بالفعل هذا المساء من معركة .. معركة صارت معتادة عليها .. تتكرر من حين لآخر حتى صارت هي نفسها تتعجب إن حان وقت المعركة و لم تقع !! وقعت معركة هذا باكرا هذا اليوم .. أمر معتاد .. بل و أمر معتاد أن تخرج هي منها مهزومة .. و أحيان كثيرة "مضروبة" .. و مصابة بكدمة ما أو بكدمات في مكان ما من جسدها


كانت تكتفي بعد كل معركة بالانزواء في ركن حجرة روبرت و تحاول بائسة تضميد ما خلفته المعركة من آثار على جسدها و هي تبكي و تبكي و قد جلس بجانبها صغيرها ينظر إليها حزينا عليها مواسيا إياها .. لا يملك شيئا غير أن يمسح بيديه الصغيرتين على رأسها ثم يمسح دموعها المنهمرة .. كي يجفف دموعع بعدها بذات اليد الصغيرة فتمتزج دموع أمه بدموعه .. اعتادت أن تنظر إليه و هو يمسح عينيه بكفيه فتشعر بالشفقة على هذا الصغير الذي كتب عليه عليه أن يعيش حياة ميته في كنف أب لا بعرف التفاهم طريقا إلى عقله .. اعتادت ان تنظر إليه و هو يمسح عينيه بعدما بكى حزنا عليها هي أمه .. فتتحرك مشاعر الأمومة في خلايا جسدها و ثنايا عقلها و جنبات قلبها ؛ فتجد نفسها رغما عنها تبتسم له ابتسامة ذات معنى .. "لا بأس .. أنا بخير" .. ابتسامة قد عرفت طريقها وسط نهري الدموع اللذين كادا يحفران خندفين على خديها من طول ما بكت .. ثم ترفع يدها و تمسك بيد الصغير روبرت و تضمها برفق .. ثم تقبلها و عيناها الباسمتان ما فارقتا عينيه البريئتين 

- " هل لاحظت أن دموعنا قد امتزجت ببعضها البعض؟ " قالتها و هي تحاول اصطناع حماس مبتهج .. فهز روبرت رأسه أن "نعم" .. اتخذت وضعية من يفكر بعمق ، فمطت شفتيها وثم نظرت بطرفي عينيها إلى اليمين بعدما قربت جفونها من بعضها البعض .. ثم نظرت لروبرت وقالت : "من المستحيل أن نفصل دموعي عن دموعك الآن .. و لهذا ستظل قطرات الدموع تلك مع بعضها البعض إلى الأبد .. لن يفرقها شئ أبدا " 

ابتسم روبرت الصغير ذو الأربعة أعوام .. عندها تابعت أمه كلامها: "أنا و أنت مثل هذه القطرات .. اجتمعنا سويا .. وإلى الأبد .. و لن يفرقنا شئ !" .. ضحك ببراءة.. و صًق كلامها .. كان يصدقه في كل مرة تقوله .. فهي تقول له هذا الكلام مذ بدأ في نطق كلماته الأولى و دخل بهذا رسيما في عالم الناطقين و إن لم يكن قد فهم بعد كل ما تجود به ألسنة من حوله من سكان هذا العالم .. هي تقول و هو يصدق .. و ما علمت في كل مرة تقول فيها هذا الكلام أن يوما ما سيأتي مانحا إياها ضعفا أن ربما قوة -إن صح القول- تحملها على الرحيل بعيدا عن الصغير تاركة إياه وحيدا .. مشتتا .. لا يفهم لما افترق عنها بعدما علم أن قطرات الدمع لا تفترق !!


مازلت تلك الهالة الزرقاء حول عينها تؤلمها .. و لكن ألمها لا يقارن بالألم النفسي الذي يجلد ذاتها منذ خمس سنوات .. ذلك الألم الذي لم تعتقد يوما أنه سيكون من نصيبها ؛ فقد كانت تحلم دائما بحياة مثالية مع ذلك الرجل الذي أحبته .. و لكن حلمها كان سرابا في صحراء !! .. سراب جعلها تفكر : هل أحبته حقا .. هل أحبها هو .. أم أن الأمر برمته كان إعجابا أساء كلاهما فهمه .. و أخذته هي على محمل الجد ؟؟ .. محمل الجد .. لم يأخذ روبنسون هذا حياتها بعد الزواج على محمل الجد و لو لمرة واحدة .. كانت متعته هي محمل الجد الوحيد بالنسبه له .. إدمانه على الكحول الذي لم يظهر إلا بعد زواجها منه .. و سهره الدائم مع رفاقة مدمنى الكحول .. يسهر يوميا .. و يشرب .. و يمزح .. و يضحك .. و يسكر .. ثم يتقيأ .. و يعود بعد ذلك لكأسه مرة أخرى .. فيشرب و يشرب حتى يسقط مغشيا عليه في بعض الأحيان من كثرة الشرب ؛ فلا يلقى أصدقاؤه السكارى له بالا .. و يرحلون عنه كل إلى منزله - إن تذكر طريق العودة إلى من الأساس- و يبقى هو ملقى على الأرض أو على أي مقعد .. مغشيا عليه أو ربما نائما .. شاغرا فاه لدرجة قد تسمح لفأر صغير بأن يلج منه إلى داخل معدته بحثا عن بقايا طعام فيخرج يجر ذيل خيبته و قد قضت عليه الثمالة هو الآخر لأنه لم يجد بالداخل شيئا غير الكحول ؛ فأبى أن يخرج صفر اليدين و شرب منه .. فخرج يترنح و نام بجوار صاحبنا هذا الذي لم يكن هناك سبيل لإيقاظه سوى إغراقه بإناء من الماء البارد أو حتى الفاتر ...

... بجوار صاحبنا هذا الذي لم يكن هناك سبيل لإيقاظه سوى إغراقه بإناء من الماء البارد أو حتى الفاتر .. كان صاحب الحانة دائما ما يتولى هذه المهمة .. ليس حبا في هذا الروبنسون أو إشفاقا عليه و إنما رغبة منه في تفريغ الحانة من هذا الزبون الأخير لأن وقت إغلاقها قد حان .. يصب عليه إناء من الماء ؛ فيستيقظ من إغمائه مفزوعا ملوحا بيديه كغريق يستنجد بمن على الشاطئ .. يحتاج الأمر إلى بضعة دقائق كي يستوعب روبنسون أنه في الحانة و ليس وسط المحيط .. يمسح وجهه المبلل بيديه مسحا عشوائيا .. ثم يرفع رأسه و ينظر بحنق إلى صاحب الحانة الذي يبتسم ابتسامة ساخرة و يقول : " حان وقت الإغلاق يا روب !" ..فيتكئ روبنسون على يد المقعد الذي كان نائما عليه في محاولة ثملة منه أن يقوم من مكانه هذا و يرحل عن "تلك الحانة القذرة التي لن أرتادها مرة أخرى بعد اليوم ..! في أي يوم نحن ؟ هل اليوم نهاية الأسبوع .. هل اليوم عطلة ؟؟ .. لا .. لا .. كان هذا بالأمس .. أجل ..عطلة نهاية الأسبوع كانت بالأمس .. " .. حدد يوما بعد بحث طويل و وصل إلى باب الحانة ؛ إلا أنه تدارك السقطة في اللحظة الأخيرة و استند إلى ذلك المقعد الذي كان موجودا بجوار الباب ؛ فأخذه المقعد و هوى به أرضا .. "تبا .. مقعد غبى كصاحبه !" .. قالها في سره قاصدا بها ذلك الذي سرًحه من حانته قبل قليل .. اتكأ على قوائمه الأربعة كدب قطبي يستعد للركض إلا أنه تراجع بعدما وقف على قائمتيه الخلفيتين ليرقب الأفق عن قرب !!
وقف روبنسون على قدميه مجددا .. و غادر الحانة أخيرا بعدما شرب و نام و استحم و أفاق و سقط و سبَ و قام .. شريط معتاد يتكرر كلما تردد على هذه الحانة !! .. " اليوم هو .. هو .. أول أيام الأسبوع .. ماذا فعلت هذا الصباح .. اخ .. وبخني إليوت .. تبا له و لوصلة توبيخه التي دامت لـ .. لـ.. اوف .. فقط لأنني وصلت متأخرا إلى العمل .. يُسمى "صندوق المعلبات" الذي يديره هذا عملا .. هأ .. تبا له و لصندوق معلباته .. كم أتمنى أن أدسه في إحدى معلباته تلك و ألقى بها في النهر .. و أسدي بذلك خدمة لنيو كاسل كلها " .. لا يدري أنه سيسدي خدمة أجًل لو ألقى بنفسه هو في النهر .. و لكنها الثمالة على كل حال .. تجعل مفاهيمك مغلوطة .. و تقلب مبادئك رأسا على عقب .. هذا في حال امتلاكك مبادئ ، فما بالك بمن لا مبادئ لديه من الأساس !!



ظل يترنح طيلة الطريق إلى شقته .. و يهذي .. و يتوعد إلي ..وت ..و ما يلبث أن ينسى من هو إليوت ..ثم يصل إلى المنزل .. يقف أمامه مندهشا ..ينظر إليه بعينين يداعبهما نعاس تغشاه الثمالة .. يشعر بالحيرة .. "هل هذا هو البيت ؟ .. بأي طابق أسكن ؟؟".. يحك رأسه بإصبعه ثم يدعك عينيه الناعستين و يرفع بعدها يديه و ينظر إلى أصابعه ببلاهة تامة و يعد كما طفل في الحضانة على أصابعه .. " الأول .. الثــ .. الثاني .. الثـ .. الثالث .. أجل .. هو الثالث" .. إذن الشقة في الطابق الثالث .. هذا هو الاكتشاف الذي يصل إليه يوميا في مثل هذه الساعة .. و هو نفسه الاكتشاف الذي يمنحه شعورا بالزهو و النباهة يفوق شعور كولومبوس عندما اكتشف الأمريكتين ..ثبا للثمالة و ما تفعله بالناس ..انتهى من العدَ .. و بدأ في السير مجددا تجاه بيته .. رفع قدمه قدمه ليصعد أول درجة من درجات السلم لكنه أخطأ في تقدير مسافة بعد الدرجة عنه ؛ فسقط أرضا مكتشفا أمرا جديدا و هو أن الدرجة الأولى مازالت بعيدة عنه بخطوتين !! حاول الوقوف مرة أخرى و تابع سيره .. عثر على الدرجة أخيرا و صعد .. " الطابق الثااااالث .. أوف .. بعيد .. مازال بعيدا .. لا أقدر على الصعود .. ما الذي جعلنا نسكن في هذا الطابق ؟؟" .. تبادر إلى ذهنه فكرة كسولة .. كان دائما ما يفكر في الجلوس حيث هو الآن و النوم على السلم لم يكن يقدر على صعود السلم رغم أنه لم يكن بدينا على الإطلاق .. و لا نحيفا .. و إنما متوسط الحجم .. بني الشعر .. أبيض البشرة .. عيناه بنيتان غائرتان لا يكاد الناظر إليه يراهما إذ بدوتا و كأنها مختبئتان داخل جمجمته .. تلك التى لا تحوى مخا على الأرجح و إنما تحوى فراغا عششت العناكب داخله من كثرة الفراغ الذي يحتويه .. فراغ يحوى فراغا .. لقد حقق "روبنسون هال" المستحيل بذلك !!



.. حقق روبنسون هال المستحيل بهذا !! ..شخص فارغ لا مضمون له .. و الكارثة أنه غير مقتنع بهذا؛ فهو راض عن هكذا حياة .. راض عنها أتم الرضا .. راض عن حفنة الجنيهات الاسترلينية التي يحصل عليها من عمله مع إليوت في متجر المواد الغذائية .. ذلك الذي يطلق هو عليه اسم صندوق المعلبات .. لا حاجة لذكر أنه كان ينفق ماله على مصدر متعته الليلي .. الكحول .. كل ليلة .. في "تلك الحانة القذرة التي لن أرتادها مرة أخرى بعد اليوم " .. كان يكرر هذه الجملة كل يوم بالمناسبة ..و أخيرا بعد رحلة صعود الدرج التي تخللتها استراحات عدة وجد نفسه واقفا في بداية رواق تناثر عليه يمينه و شماله أبواب شقق .. بالطبع لم تكن معرفة في أي طابق تقع شقته التحدي الوحيد الذي يواجهه كل ليلة ؛ إذ كان محتوما عليه أن يتذكر رقم الشقة .. كانت فلورا قد كتبته له على المفتاح الذي يحمله معه كي لا ينسى .. لحسن الحظ تذكر هذا .. بدأ يحفر بيديه داخل كل جيب من جيوبه بحثا عن مفتاحه .. كاد ينقب داخل جوربيه لكنه نسي ذلك .. استمرت رحلة التنقيب تلك قرابة دقيقة و لم تسفر عن أي نتائج إيجابية أو حتى عن حفريات مكونة من أوراق حلوى أو شئ كان قد نسيه في جيوبه من قبل .. "ماذا أفعل الآن؟" .. قالها و حك أعلى رأسه بيديه كمن يفكر .. و كأنه يعرف ما التفكير !! .. مشى حتى نهاية الرواق ثم عاد إلى نقطة البداية مرة أخرى .. قطعه ذهابا و إيابا عدة مرات دون أن تجود عليه رأسه بأي ذكرى سابقة كان لرقم باب شقته فيها دورا كان يتذكره ..شئ ما في نفسه جعله يتوقف فجأة وسط الرواق .. علي يمينه باب و على يساره كذلك .. شعر كأنه محبوس بينهما كذبابة محبوسة بين مضرب الذباب و زجاج النافذة .. يعصرها المضرب بقسوة و يدفعها زجاج النافذة في اتجاه المضرب فلا يزيد الوضع إلا سوءا .. ظل ينظر إلى الأرضية أسفل منه نظرات مترددة ..بين ثانية و أخرى كان ينقل نظراته بين البابين .. يمنة و يسرة ..نظرات خفية .. مترددة .. بمقلتي عين متسارعتين من طرف العين الايمن إلى أخيه الأيسر .. نظرات مريض نفسي يخشى أن تلتقي عيناه بعيني طبيبه أو عيون الناس .. يخشى النظر المباشر إليهم .. و كأن نظرات الآخرين سهام تقتله !!


ظل محتارا بين البابين .. ثم سقط المضرب عن ظهر الذبابة بتعثر حامله في طرف السجادة فأصبحت الذبابة حرة مرة أخرى .. حياة جديدة بعد مواجهة الموت المحتم !!

فجأة دفعه نفس الشئ السابق إلى القيام بشئ متهور .. استدار إلى الباب الأيمن ثم رفع رأسه حتى صار وجهه قبالة الباب .. شقه رقم 24 ..هل كان هذا هو الرقم ؟؟ .. ربما .. لا يدري .. بدأ يطرق على الباب بكلتا يديه و كامل مرفقيه بعنف شديد .. طريقة مثالية لمخمور مثله .. " فلورا .. فلورا .. افتحي .. إنه أنا روبنسون .. افتحي و لا تثيري غضبي ..فلو .. " .. 

انفتح الباب فجأه فسقط أرضا و ارتطم وجهه بالأرضية و جرح شفته السفلي .. قام يتكئ على كفيه و ركبتيه و ظل في هذه الوضعية لبعض الوقت ناظرا إلى الأرض .. " أخ .. تبا .. أتحاولين قتلي .. ألم تر أنني كنت مستندا إلى الباب .. ها ؟؟ أعلم أنك تحاولين قتلي .. سألقــ .. " سكت فجأه عندما نظر إلى يمينه و وجد قدمى رجل ..سار بنظره حتى ركبتي الواقف .. نعم إنه رجل ..تذكر أخر مرة رأي فيها قدمي فلورا .. لم تكونا بهذا الشكل .. ماذا حدث لفلورا .؟؟ تبادرت حينها إلى ذهنه فكرة سيئة .. فلورا لم تتحول إلى رجل .." تلك الــ .. لطالما أدركت أنها خائنة .. لن تفلت من يدي .. " 


-"قف على قدميك أولا يا روبنسون ، ثم فكَر بعدها في الانتقام من تلك المسكينة .. لقد نالت منك عقابا يكفيها و يكفي نيو كاسل كلها على أشياء لم تقم بها أصلا ! "
- "بول ؟؟!! ماذا تفعل هنا في شقتي ؟؟" ..قالها و هو ينظر إليه بطرف عينه اليمني بعد أن أغلق اليسري و فتح فاه محاولا تجنب ضوء المصباح المعلق في السقف و الذي أعماه .. هو الذي يريد أن ينام !!
-" ليست شقتك يا روبنسون .. شقتك أمام شقتي .. أليس هذا ما أقوله لك كل ليلة؟؟ .. هيا قُم !" .. ساعده على النهوض .. ثم أعطاه مفتاحا صغيرا أخذه و هو مندهش كالعادة لسبب غير مفهوم .. 
-"خذ ! .. هذه نسخة من مفتاح شقتك تركتها فلورا لك هنا في حال عدت متأخرا و .. و كنت ثملا .. هكذا ! " .. قالها بول و هو مادا إليه يده بالمفتاح و عابثا باليد الأخرى في شعره .. لم ينظر إليه و هو يحدثه ؛ إذ لم يرد أن يظهر له مشاعره التي فضحها وجهه على أية حال .. كانت علامات النفور من روبنسون هذا بادية على وجه بول .. جارهم الوسيم .. طويل .. سليم البنية ..يمارس الرياضة بانتظام .. تظهر من تحت أكمام قمصيه عضلات مفتولة و إن لم تكن كبيرة الحجم .. له عينان زرقاوان .. يغيطها شعر بنى مخلوط بلون برتقالي خفيف ..أحب فلورا يوما لكنها لم تبادله نفس الشعور .. بل لم تعرفش شيئا على الإطلاق عن شعوره تجاهها .. أدرك ذلك مبكرا فآثر الإنسحاب مبتعدا عنها تماما .. ظل يرقبها من بعيد .. رأي كيف وقعت في حب غيره .. و تزوجته .. و أنجبت منه .. كان سعيدا من أجلها ؛ إذ ظن خطأ أنها سعيدة .. و لكنه كان يتألم في الوقت نفسه من أجل نفسه .. ثم سرعان ما نسي ألمه الذاتي بعدما انتقل للسكن في الشقة المقابلة لشقتها فعرف المأساة اليومية التي تعيشها حبيبته التي لم يعرف أحد سواه يوما أنها حبيبته .. زوج فارغ العقل و النفس .. لا محتوى له .. لا عمل ثابت له .. لا تفاهم يعرف طريقا إليه .. يتفنن في إهانتها !!


كم شعر حينها بالشفقة عليها .. ليست شفقة الغني على المعدم و لا شفقة السليم على المريض ؛ و لكنها شفقة الحبيب على حبيبه .. وقع بينها و بين روب شجار ذات مرة ألهى كليهما عن إغلاق باب الشقة و وصل بهما إلى المطبخ و أسمع جميع سكان الشقق المجاورة صوتيهما .. ولج بول مسرعا إلى شقتهما محاولا التدخل .. كان في نيته إنهاء الأمر بشكل سلمي لكن معطيات الموقف أمامه بعثت برسائل إلى عقله جعلته يدرك استحالة إنهاء الموقف دون استخدام بعض العنف .. كانت ملقاة على أرضية المطبخ بجانب المنضدة و كان الآخر الثمل لا يتوقف عن ركلها بقدمه بعد أن تعثرت و سقطت اثناء محاولتها البائسة بالهروب منه .. دخل بول و جذبه من ظهر قميصه و دفع به إلى باب المطبخ .. لم تكن الدفعة قوية و لكنه سقط أرضا ..أمر متوقع من ثمل لا يحفظ توازنه على الإطلاق .. أخذ دقيقتين كي يستوعب الموقف و يفهم من يضرب من !! .. دقيقتان كانت كافيتين كي يساعدها بول على النهوض و يخرجها منم المطبخ إلى غرفة المعيشة حيث هوت على أقرب مقعد إليها .. اتكأت بمرفقها على يد الكرسي و اسندت رأسها إلى يدها تلك و استطردت البكاء .. وقف بول أمامها واضعا يديه في جيبي بنطاله .. ناظرا إليها لا يدري ما يقول أو ماذا يفعل .. رفعت رأسها إليه كي تشكره ، و لكن قبل أن تقول أي شئ ارتاعت من هول ما رأته وراء بول .. روب الثمل وقف على قدميه .. دخل المطبخ .. و خرج منه بأكبر سكين .. و ها هو ذا يتوجه مترنحا إلى "ذلك الحقير الذي طرحني أرضا في بيتي .
« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق