]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نيو كاسل (2)

بواسطة: Dalia Hazem  |  بتاريخ: 2012-10-25 ، الوقت: 22:43:34
  • تقييم المقالة:

لم تعد القاهرة كما كانت في الماضي .. الازدحام أصبح خانقا .. و عوادم السيارات صارت رغما عن المارة عطرا آخاذا "للأرواح" .. و نسبة أول أكسيد الكربون آخذة في الارتفاع .. و ثقب الأوزون مازال يتسع .. و مصر ذات الجو المعتدل صيفا و شتاءا لم تعد بمنأى عن ظاهرة الاحتباس الحراري العالمية ؛ و لهذا أصبح أهالي بنت المعز يعرفون شعور رغيف الفينو في الميكرويف أو شعور رغيف البلد في فرن عم أحمد .. صارت حرارة ا

لجو المرتفعة لا تحتمل .. و لكن الفكرة المرعبة هي أن الأسوأ لم يأت بعد .. و الثقب آخذ في الاتساع .. اتساع يقابله ضيق في خُلْق البشر !!


-------------

إن كنت تعمل في إحدى الشركات الخاصة التي تحقق مكاسب لا بأس بها فإن التصدي للحر الشديد سيكون آخر ما عليك أن تقلق بشأنه ؛ فأجهزة التكييف المتناثرة في كل حجرة من حجرات الشركة كفيلة بالقضاء على حرارة الجو المرتفعة مطلقة حرارتها الذاتية إلى خارج المبنى و مساهمة بذلك في زيادة "الولعة" على المواطنين المساكين السائرين في الشارع المكتظ كعادته بسيارات نحلت الطبقة العليا من الأسفلت و أحالت لونها من أسود عادي إلى أسود حالك كاحل غامق !!

أمام أحد العمارات القابعة بشارع هادئ من شوارع الزمالك - و على غير العادة - كان هناك مكان واحد خال لركن سيارة هيونداي ماتريكس سوداء اللون .. كادت أروى تصاب بسكتة قلبية فرحا بعثورها على هذا المكان .. سارعت بركن سيارتها الهيونداي تلك .. اوقفت المحرك .. نظرت إلى المقعد الخلفي .. مدت يدها لتسحب "شلبية" ثم أخدت حقيبة يدها من على المقعد المجاور لها و نزلت من السيارة و اتجهت إلى باب العمارة و هي تنظر إلى ساعة يدها كي تبتسم بعد ذلك فرحا بأنها وصلت مبكرا بنصف ساعة تقريبا بعد أن وجدت مكانا تركن فيه السيارة بسرعة .

- صباح الخير يا عم عوض !
-صباح الخير يا بشمهندسة !
-يسمع من بؤك ربنا .. قالتها و ابتسمت متذكرة كل محاولتها المستميتة السابقة أن تشرح لعم عوض بواب العمارة أنها مترجمة و ليست مهندسة .. خاصة و أنها كانت أدبي في ثانوية عامة .. و لكنها رضيت في النهاية بقدرها الهندسي الذي فرضه عليها عم عوض ؛ و على أي حال من منا لا يحب أن ينال لقب المهندس دون أي مؤهلات سابقة بل و رغم فشله في إجراء عمليه حسابية بسيطة يعرف بها كم بقى له عند البقال !! ثم أنها ليست الأولى التي توصف بلقب لا يمت لوظيفتها بصلة لأن المهندس نفسه في بلادنا يلقب بالدكترة !!

صعدت الدرج بمرونه و سرعة إلى الطابق الرابع .. و الدافع وراء أخذها للدرج رغم وجود مصعد هو شيئان .. الأول مقولتها الشهيرة التي طالما استفزت صديقاتها : " دي رياضة" رغم أنها لا تمارس حتى رياضة بلي مسافات قصيرة و الثاني هو خوفها من المصعد بشكل لا يمكن حتى وصفه بالطفولي ؛ لأن أصغر طفل في أطول عمارة بإمكانه استعمال المصعد عشرات المرات يوميا إما لاحضار طلبات للوالدة من عند البقال أو للعب الغميضة مع باقى أطفال العمارة !!

ما هي إلا دقائق حتى وجدت نفسها واقفة أمام باب الشركة التي تعمل بها .. "ترجم لخدمات التعريب" .. نظرت لساعتها مرة أخرى رغم أنه لم تمض دقائق على النظرة السابقة أمام باب العمارة ..و لكنه نوع من الهوس الذي لا تعرف له علاجا .. هوس بمعرفة كم تبقى لها من الوقت و كم ينبغي عليها أن تنتظر حتى و إن لم يكن هناك ما تنتظره.. فهي تنظر أحيانا لساعتها على غير هدى و بلا هدف .. تنظر أحيانا كثيرة دون تركيز فترفع رأسها و ما علمت كم الساعة ؛ لأن الأمر صار بالنسبة لها عادة هي أسيرة لها أو بمعنى أدق عبدة .. تنفذ ما تمليه عليها هذه العادة معظم الوقت دون تفكير مثلها في ذلك كمثل ضعيف البصر الذي يرتدي النظارات حتى تصبح عضوا من أعضاء و جزءا لا يتجزأ من أجزاء وجهه.. يصبح تدريجيا مقيدا بها و لا يتحرك من دونها و إذا استيقظ تحسس وجهه بيده بحثا عنها فسرعان ما يدرك أنه كان نائما و النائم لا يرتدي النظارة !! .. هكذا الحال بالنسبة لأروى .. فهي مقيدة أو أسيرة أو عبدة لساعاتها .. سمها كما شئت .. فيه تنظر في ساعتها دوما .. حتى إنها ترفع في بعض الأحيان معصم يدها لتنظر في ساعتها فتتذكر عندما تراه أنها لا ترتدي ساعه الآن .. تتعصب بشده حين تكتشف أنها نسيت ساعتها أو أن السر الإلهي قد نفذ و نفذت معه بطاريات الساعة فتوقفت عقاربها عن العمل في منتصف النهار .. و كأن الوقت كله يسير وفقا لساعتها .. إن مضت عقاربها في طريقها مضى الوقت و إن توقفت ، و إن أعلنت العقارب إضرابها عن الحركة توقف العالم أجمع .. غريب هو هذا الاعتقاد .. عالم بأكمله يسير وفقا لساعة إحدى ساكناته !!
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق