]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هديتي الى قراء مقالاتي

بواسطة: لطيفة خالد  |  بتاريخ: 2012-10-25 ، الوقت: 18:04:04
  • تقييم المقالة:

مما قرات وأعجبني من موقع رياض الصّالحين...

القرطاس والقلم 

هو أداة الكتابة والخط، ويسمى في لغة العربالمِزْبَر والمِذْبَر. يقال : زَبَرْتُ أي كتبتُ، وذَبَرْتُ: أي قرأتُ.

وسمَّوه قلماً لأنه قُلِمَ، أي: قُطِعَ وسُوِّيَ كلما يُقلَّم الظُّفْر. وكل عود يُقطع ويُحزُّ رأسه، ويُعَلَّمُ بعلامة فهو قلم.

وكان العرب يصفونالشيء بمثيله، فقد قيل لأعرابي: ما القلم؟ ففكر ساعة، وجعل يقلِّب يديه وينظر إلىأصابعه ثم قال: لا أدري.

فقيل له: توهَّمه في نفسك.

فقال: هوعُودقُلِم من جوانبه كتقليم الأظفار.

ومرَّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأبيحكيمة وهو يكتب المصاحف فقال له: أَجلِل قلمك. فقصم من قلمه قصمة.

فقال علي: هكذا نوِّره كما نوَّره الله.

وقد وصف ابن عبد ربه الأندلسي جماعة يكتبونفقال:

ومعشر تنطق أقلامهم بحكمة تلقنها الأَعْيُن


تلفظها فيالصَّكِّ أقلامهم كأنما أقلامهم ألْسنُ
فالقلم هو الذي يتكلم بما يفكر بهالعبقري، ويدوّن ما بعقله من حكمة، ولذلك كان أرسطو طاليس يقول: عقول الرجال تحت سنأقلامهم.

لقد استعمل العرب جريد النخل الأخضر للكتابة وتفننوا في دِقَّتِهوبَرْيِهِ بالشكل والحجم الذي فيه يرغبون، فلما أعزّهم الله بالإسلام الذي حثَّ علىطلب العلم، ودعا للكتابة والقراءة والتدوين؛ استعملوا القصب في الخط، واتخذواأقلامهم منه. ثم رأوا بعد توسع الفتوحات الإسلامية أن القصب يختلف من مِصر إلىمِصر، وأن قساوته وليونته تساعد الخطّاط والكاتب في جودة الخط وإتقانه، وتبيّن لهمأن القصب الفارسي هو أفضل أنواع القصب، لأنه يكون صلباً قوياً مدوّراً سليماً غيرمعقد ويكون لون قشرته أحمر ضارباً للسواد.

وقد كان الخطاطون يميزّون بينقصب أيّ قُطر وآخر، ويميزون بين صحيحه من سقيمه، ولذلك نرى ذا الرُّمة يصف قلمالقصب، ثم يشبّهه بأنف الطير جمالاً ودِقَّة فيقول:

كأن أنوف الطير فيعرصاتها خراطيم أقلام تخطُّ وتُعجم


وكان هذا النوع من القصب يُزرع،أو ينبت في الهند وبلاد فارس، فكان التجار يجلبونه إلى العراق والشام مع ما يجلبونمن بضائع تلك البلاد إلى بلاد العلم، فيتلقّفه الورّاقون والكتبة في أسواق الكتب فيمدن العراق والشام ومصر والأندلس.

وبعد أن برعوا في صناعة الورق والحبراخترعوا قلم الحبر السائل، الذي يمتاز بخزان صغير للحبر وقبضة، وله ريشة مدببة. وقداستُعمل هذا القلم لأول مرة في مصر، وكتب به المعز لدين الله الفاطمي. ثم تفننوا فيصناعة الأقلام والمحابر وطوّروها، لكن الخطاطين مازالوا يخطّون بالقصب لأسبابكثيرة، قد لا تتوفر في أي قلم آخر من المعدن، أو أية ريشة من مادةأخرى.

فالريشة المعدنية تفرض على الخطاط عرض الخط، بينما يتصرف الخطاط فيريشة القصب بالشكل الذي يرغب؛ من حيث البري والقط، ولأن القصب من تركيبه النعومةوالسلاسة، ووجود المسامات فيه تسمح بنزول الحبر قليلاً قليلاً، وبقدر ما يكتبالخطاط ويستهلك من الحبر المخزّن فيها.


بينما قلم الخط المصنوع منالمعدن؛ فربما يُنزل من الحبر كثيراً عند بداية الخط، بينما يُنزل حبراً بطيئاً بعدذلك، وربما إذا أسرع الخطاط فإنه لا ينزل من الريشة حبر يكفي الخط.



أنواع الأقلام
كان العرب في العصرين الأموي والعباسي يكتبونرسائلهم وخطوطهم بأقلام معروفة، فلا يجوز ما يُكتب بهذا أن يكتب بذاك.

يقولابن مقلة: للخط أجناس كان الناس يعرفونها ويعلّمونها أولادهم على ترتيب ثم تركواذلك، وزهدوا فيه كزهدهم في سائر العلوم والصناعات.

ويبين لنا الخطاط ابنمقلة هذه الأقلام ومهمة كل قلم منها:

فقلم الثلثين : لكتابةالسجلات.

وقلم ثقيل الطومار وقلم الشامي: يكتب بهما ملوك بنيأمية.

ومُفَّتح الشامي: يكتب به بنو العباس حين تركوا ثقيل الطوماروالشامي.

وقلم الرئاسي: الذي أمر به المأمون أن يكتب بقلم النصف ويباعدمابين سطوره، فصارت المكاتبة عن السلطان بقلم النصف والقلم الرئاسي، والمكاتبة بينالوزراء إلى العمال بقلم الثلث، وكذا من العمال إلى الوزراء، ومن الوزراء إلىالسلطان بقلم المنشور عوضاً عن مُفتّح الشامي.

وقلم الرقاع: وهو صغيرالثلث، للحوائج والظلامات.

وقلم الحلبة وغبار الحلبة وصغيرهما: للأسراروالكتب التي تنفّذ على أجنحة الأطيار.

ويذكر ابن مقلة أن أغلب أهل عصره لايعرفون أكثر هذه الأقلام، وقد بلغت أنواع الأقلام واحداً وعشرين نوعاً، كل نوع لهما يناسبه.

وقد ابتكر الخطاط البغدادي إسماعيل الفرضي مجموعة من الأنابيبالمعدنية، وراح يقطها كأقلام القصب، ثم جعل لها جلفة مشروحة بعد أن قضى مدة يبريهابالمبرد.

قد انفرد بهذه الوسيلة التي استحدثها لنفسه، لكن غيره لم يسلكهذا المسلك.

وقد وصف الشيخ الخطاط محمد بن حسن السنجاري قلم الخط وكيفيةقَطَّه فقال:

طوِّل لها الجلفة بالسّكين وشُقّها في الوسْطبالتمكين
واجعل لها شحيمة لطيفة من بطن قشر ولتكن خفيفة
وإن تكنقشرتها سمينة فاسلُب لها الشحمة بالسّكينه


وشجّع الخطاطون تلاميذهمعلى قط القلم وصفاء رأسه، واعتبروا جودة الخط في قط القلم، وأن الخطاط لا يمكن أنيكون ناجحاً مالم يكن يحسن القطّ وبري القلم، حتى أن بعض كبار الخطاطين ـ كابنالبواب مثلاً ـ كانوا يحتفظون بسرِّ قطِّ القلم لأنفسهم، فكانوا لا يقطّون الأقلامأمام تلاميذهم، ولعل ذلك يعود لإتقانهم لتلك المهنة، وليدفعوا تلاميذهم لتعلّمهابأنفسهم. وبلغ من أنانية بعض الخطاطين أنه إذا أراد أن ينصرف من ديوانه قطع رؤوسأقلامه حتى لا يراها أحد.

وعابوا على الخطاط الذي لا يحسن بري القلموقطَّه، بل ذمُّوه، حتى أن أحد الشعراء قال يذم خطاطاً لا يحسن بري القلم وقطِّه:

دخيل في الكتابة ليس منها فما يدري دبيراً من قبيل
إذا ما رامللأنبوب بَرْيَاً تنكبّ عاجزاً قصد السَّبيل


وكان الخطاطون والكتّابيكثرون السؤال عن الخط والقَط والمداد والقرطاس، فلا يبدأ أحدهم في عمل ما لميتقنه. وكانوا يكثرون التردد على أهل الصنعة، ويراسلون مَنْ كان بعيداً عنهم، فقدكتب جعفر بن يحيى إلى محمد بن الليث يطلب منه الإيضاح في القلم والبري والحبروالورق لتحسن كتابته، وتجود خطوطه فكتب إليه الليث يقول:

أما بعد:

فليكن قلمك بحرياً، لا سميناً ولا رقيقاً، مابين الرِّقَّة والغِلَظِ، ضيّقالنقب. فابره برياً مستوياً كمنقار الحمامة، اعطف قَطَّته، ورقّقشفرته.

وليكن مدادك صافياً خفيفاً إذا استمددت منه، فانقعه ليلة ثم صَفِّهِفي الدواة.

وليكن قرطاسك رقيقاً مُسْتَوِيَ النِّسْجِ، تخرج السِّحاةمستوية من أحد الطرفين إلى الآخر، فليست تستقيم السطور إلاّ فيما كان كذلك، وليكنأكثر تمطيطك في طرف القرطاس الذي في يسارك، وأقلُّه في الوسط، ولا تمطَّ في الطرفالآخر، ولا تمطَّ كلمة ثلاثة أحرف أو أربعة، ولا تترك الأخرى بغير مطّ، فإنك إذافرَّقت القليل كان قبيحاً، وإذا جمعت الكثير كان سمجاً.....

ويسترسل محمدبن الليث في نصيحته لجعفر، فيحدثه عن كيفية كتابة الحروف حرفاً حرفاً ليحسن الخطوتجود كتابته. كما تغنَّى الأدباء والشعراء بالقلم، وجعلوه واسطة العِقد في عالمالمعرفة والفن، والترجمان لما يريد الأديب والعالم من مسموع إلى مكتوب فقالوا: القلم أحد اللِّسانين، وهو المخاطب للعيون بسرائرالقلوب، على لغات مختلفة.



أنواع قصبات الخط الخط العربي
الحبر
استعملالخطاطون الحبر الأسود، بينما استعمل أصحاب الرسم والزخارف الأحمر والأزرق الأخضروغيرها.

وامتاز الخطاطون والورّاقون بصناعة أحبارهم بأيديهم، وقليل منهم كانيشتري الحبر من دكاكين الكتبيّة.

وكانوا يحترمون الحبر والدواة، ويضربونبهما المثل، ويُعطون من يعيرهما هِبة أو عطية، فقد أتى رجل إلى وكيع بن الجرّاحوأخبره بحُرمة له عنده.

قال وكيع: وما حرمتك؟
قال الرجل: كنت تكتب منمحبرني عند الأعمش..

فوثب وكيع ودخل منزله، ثم أخرج له بضعة دنانير وقال له:

اعذر فما أملك غيرها.

دواة من النحاس المطعم بالفضة والذهب "متحفاللوفر باريس".



صناعة الحبر
يصنع الحبر من الورد الجوري،حيث يوضع في قدر كبيرة، ثم يُغلى بالماء الحار حتى ينحلّ. ويقطر منه ماء الورد، ثمتؤخذ البقية لحثالة ويوضع فيها حديد صدئ فيفاعل معها بالتأكسد، ويتبدّل لون الحثالةإلى أسود، ثم تجفف هذه الحثالة حتى تكون كالفصوص، ثم تطحن جيداً وتذاب بالماء الحارفتكون حبراً أسوداً، يضاف إليها قليل من الصمغ العربي حتى لا يلتصق الحبر بالورقةعند الكتابة، ولا يسقط بالنفط أو النفخ، كذلك ليكتسب الحبر من الصمغ لمعاناً، ويضافإلى الحبر قليل من الملح.

ويضع الخطاط الحبر في المحبرة، ثم يضع في المحبرةقليلاً من خيوط الحرير وتسمى ليقة أو طُرّة تقوم هذه الخيوط بتأمين كمية محدودة منالحبر للقصبة.

كما أن الحبر ضمن هذه الليقة يختمر فيشتد لونه أكثر مما هوأسفل المحبرة وهناك أمر أهم من ذلك كله، ألا وهو أن الخطاط حين يغمس القصبة أوالقلم في محبرة الزجاج أو المعدن، فإن الريشة طرف القلم تلامس أسفل الدواة فتتأثربذلك.

وهناك طريقة أخرى لصناعة الحبر من الدخان المتجمّع في المدافئ، حيثيؤخذ هذا الدخان الكثيف السخام ويطبخ في وعاء ثم يضاف إليه كمية من الصمغ العربي،والعفص، والملح، وبعض الخطاطين يضيف ماء قشر الرمان بدلاً من العفص، ثم يغلي جيداًويُصفى.

ويصف ابن البواب الحبر وطريقة صناعته فيقول شعراً:

وألِقْدواتك بالدخان مدبّراً بالخل أو بالحصرم المعصور
وأضف إليه مُغْرَة قدصُوّلت مع أصفر الزرنيخ والكافور
حتى إذا ما خُمّرت فاعمد إلى الورق النقيالناعم المخبور
فاكبسه بعد القطع بالمعصار كي ينأى عن التشعيثوالتغيير
ثم اجعل التمثيل وابك صابراً ما أدرك المأمول مثلصبور


والحبر المصنوع من سخام النفط أفضل من غيره.

قال الوزيرابن مقلة: أجود المداد ما اتّخذ من سخام النفط.

وقال ابن الجوزي: كان ابنمقلة على المائدة، فلما غسل يده رأى على ثوبه نقطة صفراء من الحلوى، فأخذ القلموسوّدها وقال: تلك عيب وهذا أثر صناعة. وأنشد:

إنما الزعفران عطر العذارىومداد الدواة عطر الرجال
وقال جعفر بن محمد لفتى على ثيابه أثر مداد وهويستره:

لا تجزعنّ من المداد فإنه عطر الرجال وحلية الكُتّاب


وقال بعض الأدباء: عطّروا دفاتر آدابكم بجيّد الحبر، فإن الأدبغواني، والحبر غوالي وكانوا يختارون الألوان المناسبة للخطوط والصور التي تتخللكتبهم، ولهم طريقة ناجحة في صنع الأحبار الملونة، وتمازج الألوان، واشتقاق من كللون ألواناً أخرى تختلف درجاتها عن الأصل، وذلك بإضافة مسحوق نباتات أو أزهار أوعفص، أو أتربة، أو حشرات ملونة.

لقد صنعوا الأحبار من المواد الملوّنةالتالية: اللون الأزرق: صنعوه من النيلة أو الصبر.

اللون الأصفر: صنعوه منالزعفران أو الليمون.

اللون الأحمر: من الشمع المذاب لحشرة البقالمرقّط.

اللون الزيتوني: من خلط الأزرق بالزعفران
اللون الأخضر: منمزج الزعفران بالزنجبار
اللون البنفسجي: من الأزرق والأحمر
ووصفأحد الخطاطين الأدباء حياته البائسة فقال:

عيشي أضيق من محبرة وجسمي أدق منمسطرة، وجاهي أرق من الزجاج، ووجهي أشد سواداً من الحبر، وحظّي أحقر من شقّ القلم،ويدي أضعف من قصبة، وطعامي أمرّ من العفص، وسوء الحال ألزم لي من الصمغ.

الورق
يعتبر الورق المادة الرئيسية للخط، فقد استعمل النسّاخوالخطاطون لوحاتهم الفنية والزخرفية قبله على رقائق الحجارة، والجلود وأوراقالبردي، وبعد أن نقل العرب صناعة الورق عن الصينيين، ازدهرت الكتابة وانتشرت صناعةالكتاب انتشاراً مذهلاً، فنقلوا هذه الصناعة في تجاراتهم إلى أوربا وجزر البحرالأبيض المتوسط، وإلى أفريقيا وسائر بلاد المشرق.

كان المصريون يستعملونالبردي لصنع الحبال والحصر والألبسة، وقد رأى العباسيون أن يقيموا مصنعاً لصناعةورق البردي في العراق، وكان المعتصم هو أول من فكّر في ذلك، فقد أسس منزلاً ملكياًفي سماوة على نهر دجلة، وقد جلب له العمال المصريين، والخبراء بصناعة البردي، لكنهذه التجربة باءت بالفشل.

كان الخطاطون يسمّون ورق البردي المصنوع في مصربـ ورق الطومار فلما صنعوا الورق من القطن ولحاء الشجر راحوا يسمّون هذا النوع منالورق بـ الكاغد حيث اشتهرت به سمرقند، ومنها انتقل إلى بغداد، حيث أمر هارونالرشيد بفتح معمل مثله في بغداد، فحلّ ورق الكاغد محل "الرّق" الذي كان يستعمل فيالدواوين والمراسلات، فلما انتهى استعمال ورق البردي الطومار راح الناس يقولون: إنكواغيد سمرقند عطّلت قراطيس مصر.

وكان الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملكأول من كتب على ورق الطومار البردي وأمر أن تكون كتبه ورسائله ذات صفة رسمية، وأنيكون الخط والورق جيّدين، وكان يقول عن كتبه والكتب التي ترد إليه تكون كتبي والكتبإليّ خلاف كتب الناس بعضهم إلى بعض.

وحيث أن الورق قليل في بداياته طومارأو كاغد وأنهما يستوردان بتكلفة عالية، فقد أمر الخلفاء في الاقتصاد عند استعمالها،فقد أمر عمر بن عبد العزيز كُتّابه أن يجمعوا الخط في حجم صغير، فكانت كتبه بطولشبر أو نحوه.

وحينما شكا إليه بعض ولاته قلة القراطيس كتب إليه يقول: أندقّق، وأقلل كلامك، تكتف بما عندك من القراطيس.

قال يوسف بن صبيح الكاتب حيندخل على أبي جعفر المنصور: … فسلّمت، فأدناني وأمرني بالجلوس، ثم رمى بربع قرطاسوقال لي: أكتب وقارب بين الحروف، وفرّج بين السطور، واجمع خطّك، ولا تسرف فيالقرطاس… .

وإلى جانب معمل الورق في بغداد، كانت بلاد الشام سبّاقة إلىصناعة الورق، فقد أُنشئت عدة معامل للورق في دمشق وطرابلس الشام، وطبرية، كمااشتهرت الفسطاط القاهرة بصناعة نوع من الورق يسمى المنصوري.

وكان لبغداد فيالقرن التاسع شهرة بصناعة نوع من الورق الممتاز الذي يسمى البغدادي كان هذا النوعمن الورق يمتاز باللّيونة والطراوة والثّخن، وكانت المصاحف تكتب به، وقد استعملهالخلفاء والوزراء في دواوينهم، وقد بيّن القلقشندي في كتابه صبح الأعشى درجات جودةالورق الذي يصنع في البلاد العربية فقال: كان أعلى أجناس الورق البغدادي ويستعملهكتّاب الإنشاء في المكاتب السلطانية، ودونه في الرتبة الورق الشامي، ودونه فيالرتبة الورق المصري، ودون ذلك ورق أهل المغرب والفرنجة، فهو رديء جداً، سريعالبلى، قليل المكث… .

وقد خضعت تسميات الورق إلى أسماء الحكام والأمراءوالمقاطعات التي أنشئ فيها معمل الورق، أو عصر الحاكم الذي حكم، فكانت أنواعهكثيرة، ومختلفة جودة ولوناً، وانتشاراً، وذكر ابن النديم أنواعهوهي:

1-الفرعوني: الذي كان يحاكي الورق المصري ورقالبردي

2-السليماني: الذي سمي باسم المراقب المالي لهارون الرشيد فيخراسان.

3-الجعفري: نسبة للوزير جعفر بن يحيى البرمكي

4-الطليحي: نسبة إلى طلحة بن طاهر والي خراسان من سنة 822 إلى 828م.

5- الطاهري: نسبةإلى طاهر بن عبد الله والي خراسان من 844 إلى 862م

6-النوحي: نسبة إلى نوحبن ناصر من الأسرة السامانية التي حكمت ما وراء النهر بين الفترة942-954م.

لقد كانت صفائح الورق كصفائح البردي تلصق ببعضها، وتباع بشكللفّات يقطعها من يستعملها بالشكل الذي يناسبه، أو أن صانعي الورق كانوا يقطعونهابحجم واحد، ويجعلونها بشكل ربطة فيها خمسة وعشرون صحيفة تسمى دست وهي كلمة فارسيةترجمت إلى العربية بكلمة كف.

إن الخطاط يتفنن في نوع الورق كما يتفنن فيجودة خطّه، فهو يختار القلم والحبر والدواة، والورق كما يشاء، وحينما لا يكون الورقجيداً فإن الخطاط يقوم بصقله وتلميعه وسدّ المسامات فيه حتى لا ينتشر الحبر، فيحافظالحرف على حجمه.

وقد استعمل الخطاطون عدة أساليب لصقل الورق،منها:

1-أن يدهن الورق بزلال البيض البياض دهناً جيداً، ثم يمسح بخرقة ناعمةنظيفة.

2-أن يصقل الورق بعظم العاج وهذه الطريقة البسيطة قد درج عليهاالخطاطون في بغداد ودمشق وغيرهما، مما جعلهم يخلّدون على صحائف هذا الورق بدائعخطوطهم، ولوحاتهم، وأشعارهم التي أصبحت بالنسبة لمن جاء بعدهم، لوحات تراثيةرائعة.

وقد استعمل العرب والمسلمون طرائق مختلفة لصقل الورق وتلميعه وعدمالسماح له بامتصاص الحبر السائل. منها:

أنه بعد أن يصبح بشكل رقائق، يُملسليكون بثخانة واحدة، ثم تُفرك هذه الصفائح بخليط من الجريش الناعم، والنشاء المبلّلبعد سحقه وتليينه في الماء البارد، ومن ثم تحريكه في ماء يغلي، حيث تملأ الفراغاتالموجودة على صفحائح الورق بهذه المادة الممزوجة، ثم تُصقل على لوح خشبي بمصقل منالعقيق، أو من الزجاج، وهذه العملية تسمى "المعالجة" .

وكان صانعوا الورقيلوّنونه بألوان مختلفة، وبحسب اللون الرائج أو على طلب الزبون، لكن طريقة التلوينتختلف عن صباغة الورق الملون حالياً، فالورق الحديث يلوّن مع العجينة، كان استعمالالورق الملون قليلاً فهم يلوّنون الكمية المطلوبة منهم، وبإحدى الطريقتينالتاليتين:

الطريقة الأولى: أن تغمس هذه الصفائح في أحواض سائلة ملونةباللون المطلوب، عدة مرات، حتى تتشرب الصفائح هذه الألوان، ثم تجفف وتُصقل بمصاقلخاصة.

الطريقة الثانية: أن تفرك هذه الصفائح بمادة صبغيّة.



المحو واللطلع
امتاز الخطاطون العظام بمحو الحرف الزائدأو النقطة حالما وقعوا في الخطأ، وذلك قبل أن يمتص الورق الحبر، وذلك بقصد محوه. وكانت لهم عدة طرائق لمحو تلك الأخطاء منها:

1-أن يمسحه بإصبعه حالما وقع فيالخطأ.

2-أن يتركه حتى يجف فيحكّه ثم يصقل الورق بأداة خاصة ويكتب الحرف منجديد.

3-أن يقوم الخطاط بلطع الحرف الذي أخطأ فيه، وهذه الطريقة قديمة،وشائعة عند خطّاطي العرب قبل غيرهم. وقد دوّنوها في أبياتهم، فقد كتب أبو نواسأبياتاً من الشعر لجارية راسلته، وقد ظهر آثار المحو واللطع في رسالتها،فقال:

أكثري المحو في الكتاب ومحيّـ ه بريق اللسان لا بالبنان
وأمرّيالخزام بين ثناياك العذاب المفلّجات الحسان
إنني كلما مررت بسطر فيه محولطعته بلساني
فأرى ذاك قبلة من بعيد أسعدتني وما برحت مكاني


وكان الخطاطون يعتزون بمحابرهم فينمِّونها ويعطرونها، بأجملالزخارف، وأحسن العطور، كالمسك والزعفران، وذلك ليسهل عليهم اللطع عند الخطأ، فلايستكرهون رائحة الحبر.

ولشدة حبهم للخط، وكراهية الخطأ فيه كانوا يمحونالخطأ بكُمّ ثوبهم.

كتب إبراهيم بن العباس كتاباً، فأراد محو حرف منه فلميجد سبيلاً، فمحاه بكُمّه.

فقيل له في ذلك، فقال: المال فرع، والقلم أصل،فهو أحق بالصون منه، وإنما بلغنا هذه الحال واستفدنا الأموال بهذا القلم والمداد.

وهذا يعني أن الخط فن في مقدمة الفنون التي كانت تدرّ ربحاً وجاهاًللخطاطين.



سكين الخطاط
كل أداة لبري الأقلام تسمى مبري أومبراة لكن الخطاطين يستعملون السكين كأداة فريدة ومتميزة عن بقية أدوات الخط التييعتزون بها لتجويد الخط، فهم يعيرون ويهدون من أقلامهم ومحابرهم وأحبارهم وأوراقهملأصدقائهم وتلاميذهم، لكنهم لا يفعلون ذلك بالسكين إلاّ ما ندر.

ولهم أمزجةمختلفة في اقتناء السكين التي تناسبهم، وقد وضعوا لها مواصفات منها:

1-أن لاتكون صغيرة ولا كبيرة.

2-أن تكون قبضتها تملأ اليد.

3-أن تكون متوسطةالحجم.

وقد وصفها أحد الخطاطين فقال: ينبغي أن تكون لطيفة القدّ، معتدلةالحد.

والسكين رفيقة الخطاط في حلّه وترحاله، وقد وصفها الخطاطون الشعراءفي أشعارهم، وتحدثوا عنها بما يشفي غليلهم، فهي التي تحدد لهم نوع الخط وحجمه، وهيالتي ترافقهم في الحل والسفر.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق