]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

وجاءت . . . . . . لتقول وداعاً ! !

بواسطة: د. وحيد الفخرانى  |  بتاريخ: 2012-10-25 ، الوقت: 00:43:08
  • تقييم المقالة:

وجاءت . . . . . . لتقول وداعاً  ! !

--------------------------------

جلس حسام إلى مكتبه فى قسم الأرشيف ، بمديرية التربية والتعليم بالمنصورة . . إنه صباح أول يوم عمل بعد أجازة عيد الفطر ، وكعادة الموظف المصرى يعود إلى عمله بعد الأجازة متراخياً ، لا يبتغى أداء أى عمل . . ظل حسام يتنقل بين المكاتب المختلفة ، إلى أن إنقضت ساعة كاملة من وصوله ، ثم جلس إلى مكتبه ليرى ما لديه من أعمال متراكمة من قبل أجازة العيد ، وبدأ يقلب فى أوراقه المبعثرة على المكتب أمامه . . وبعد مرور حوالى نصف ساعة ، رن فجأة ها تفه المحمول  ، فإلتقطه بسرعة ليرى من المتصل ، ووجدها فرصة لإضاعة بعض الوقت بالحديث فى الهاتف  ، نظرإلى الهاتف فوجد إسمها على الشاشة ، إنها فداء التى تتصل به ، أخذته الدهشة وتساءل : لماذا تتصل بى فجأة هكذا فى العمل ؟ إن موعد لقائنا مساء اليوم ، ربما تتصل لتعتذر ؟ أفا ق سريعاً ورد على الهاتف : صباح الخير يا فداء ، ردت : صباح الخير ، بادرها بالسؤال : خيراً ماذا حدث ؟ فأجابته :أنا أتصل بك كى أؤكد موعد لقائنا فى السادسة مساء اليوم ، فرد حسام مؤكداً : نعم نعم أنا أتذكره وفى إشتياق لرؤياكِ . . لم يكمل حسام كلماته وسمع صوت فداء تنهى المكالمة بقولها : لا تنسى لا تنسى . .

أغلق حسام هاتفه ووضعه على المكتب ، وشعر بإحساس غريب ينتابه ، وبدأ يتساءل : تُرى ما الذى دفعها للإتصال مبكراً هكذا كى تؤكد موعد لقائنا اليوم ؟ إنها لم تفعلها  قط ، إن صوتها به شئ غريب لم أعهده من قبل ، ولستُ أدرى ما بها ، تُرى هل دفعها الشوق لأن تتصل بى ؟ مضت خمسة أيام متتالية منذ آخر لقاء بيننا قبل أجازة العيد ، ولكن صوتها لا يوحى بذلك ، لقد أنهت المكالمة بسرعة حتى قبل أن أنهى كلماتى . . تساؤلات وتساؤلات أخذت تحوم حول رأسه ، ولا يجد لها جواباً ، أطلق حسام لخياله الحبل على غاربه ،وكأنها فرصة واتته كى يتهرب من الملفات المتراكمة على مكتبه ، ساعده على ذلك الهدوء فى صالة الأرشيف ، فكل زملائه فى القسم لم يحضر منهم أحد اليوم ، كان هو الوحيد الذى حضر ، فهو الوحيد بين زملائه غير المتزوج ، وليس لديه ما يشغله عن العمل ، بلغ من العمر ثلاثة وثلاثون عاماً ، وما زال يحاول الصمود فى الحياة ، والوقوف على قدميه ، ليستطيع الزواج من الإنسانة الوحيدة التى أحبها ، إنها فداء التى حادثته عبر الهاتف منذ قليل . .

إلتقى بها منذ عامين ، جاءت إلى مديرية التربية والتعليم بالمنصورة ، كى تنهى إجراءات صرف معاش والدها الذى توفى آنذاك ، رافقها وعاونها فى تسليم المستندات المطلوبة ، ووعدها بمتابعة الإجراءات بدلاً منها ، فشكرته على مساعد ته ، وأعطته رقم هاتفها المحمول ليتواصل معها . . ومنذ هذه اللحظة بدأت إتصالتهما ، وتبادلا الحديث عدة مرات ، إلى أن أباح لها بمكنونات صدره ، وكشفت له عن أعجابها الشديد به ، وبمواقفه التى تتسم بالرجولة والشهامة تجاهها ، تبادلا الكلمات الرقيقة ، وتعددت اللقاءات ، وتعاهدا على الزواج بعد أن أوضح لها حسام كل ظروفه ، فلم تبدى إعتراضأ ، ووعدته بأن تنتظره سنوات حتى يتهيأ للزواج . . فرح حسام بفداء وفرحت به ، مال إليها ومالت إليه ، أحبها وأحبته ، وكان حبهما يزداد كلما مرت الأيام ، كل منهما صار يعرف ما بداخل الآخر من نظرات عينيه . آخر مرة إلتقى بها كانت قبل أجازة العيد ، تبادلا التهانى والهدايا ،خرجت الكلمات من شفاههما مغلفة بالحب والغرام ، ودعها قبل العيد بكلمة لا إله إلا الله ، وودعته هى بمحمد رسول الله ، بعد أن إتفقا على اللقاء بعد إنتهاء العيد . . واليوم إتصلت به فجأة ، على غير عادتها ، وصوتها يُنبئ بأن شيئاً ما وراء هذه المكالمة .

إنتهى حسام من عمله ، وذهب إلى البيت ، ظل القلق ينتابه حتى حان وقت الخروج لملاقاتها ، ذهب قبل الموعد المحدد بنصف ساعة ، فهو لم يعتاد أن يجعلها تنتظره وحدها ، كان حريصاً جداً على مراعاة مشاعرها . .  وفى تمام الساعة السادسة حضرت فداء ، كان لقاؤهما دائماً فى أحد الأماكن العامة على شاطئ البحر بمدينة المنصورة ، وسط الأضواء المنعكسة على صفحة مياه البحر ، حضرت فداء وقام لها حسام يستقبلها ويُهيئ لها مقعدها حتى جلست ، نظر لوجهها فوجد ملامح لم يشهدها من قبل ، ألقت عليه السلام دون أن تذكرإسمه ، لم تبتسم له ولم تبدى لهفة أو إشتياقاً ، أحس بها جامدة وباردة لأول مرة ، نظر إليها حسام نظرة حانية ، يحاول أن يستكشف ما ألم بحبيبته . . أشاحت بوجهها عنه نحو صفحة الماء ، وطال الصمت بينهما حتى بادرها هو بالسؤال :

سألها : ما بكِ يا فداء ؟ ماذا حدث ؟

قالت : لا شئ بى . . عادى !

قال : لا . . هناك أمر غير عادى ، إتصلتِ بى على غير عادتك صباح اليوم ، كى تؤكدى على موعد لقائنا ، وأنتِ تعلمين تماماً أننى لا أنساه أبداً ، وأحسست من نبرات صوتك بشئ غير عادى .                                                                                      قالت ( وهى تستجمع قواها ) : لقد جاءنى عريس خلال أيام العيد .

قال حسام متسائلاً : وما الجديد فى ذلك ؟ لقد سبقه آخرون غيره وكنتِ ترفضين ، ماذا حدث ؟

قالت : لا هناك جديد . . هذا العريس مختلف عمن سبقوه ، إنه جاهز ، معه كل شئ ولديه كل شئ ، أما الآخرون فلم يكونوا جاهزين .

بادرها حسام بالسؤال : وهل كنتِ ترفضينهم لأنهم غير جاهزين ؟ أم لأنكِ تحبيننى ؟

سكتت فداء ولم ترد ، عدم ردها أحزنه وآلمه كثيراً ، إلا أنه أراد ألا يقطع الحديث بينهما ،

فسألها : ومن هو ؟

قالت : إنه شقيق إحدى صديقاتى ، يعمل طبيباً فى دولة الإمارات العربية منذ عشر سنوات ، وهو حالياً فى أجازة ، وتقدم للزواج منى أثناء العيد ، ويرغب فى إتمام الزواج فى خلال شهر ليعود إلى الإمارات ، وأهلى جميعاً راضون عنه ، وأنا . . . . . . . .  وسكتت ولم تكمل ! !

قال حسام : إذن . . هو جاهز فعلاً  .

قالت  : نعم . . لديه شقة فاخرة هناك ، ولديه سيارة حديثة ، ويتقاضى راتباً كبيراً .

قال حسام : وأنا يا فداء ؟

قالت على الفور : وأنا  ؟

صدمته سرعة إجابتها ، ونبرة صوتها ، وهى تنطق بكلمة أنا ، أحس فيها بالشعور بالأنانية ، ولكنه تمالك نفسه وأكمل الحديث . .

قال : إنها أول مرة أسمعك تنطقين بهذه الكلمة يا فداء .

قالت ( وهى ترجع بظهرها إلى الوراء ) : أنت أنت ، وأنا أنا ، إننا شخصان مختلفان ، لكل منا مصالحه ، و لكل منا شخصيته ، وهذه حقيقة لا بد أن تدركها جيداً ، كى تعيش فى هذه الحياة .

قال : لقد تعاهدنا على الزواج ، و وعد تنى أن تنتظرى معى حتى أستعد وأتقدم للزواج منكِ .

قالت : إنتظرتك عامين ، ولكنك تحتاج إلى وقت أطول ، وأنا لن أستطيع الإنتظار أكثرمن ذلك .

قال متهكما : الواضح أنكِ لم تنتظرينى ، إنكِ كنت تنتظرى العريس المناسب ، وها هو قد حضر

قالت معترضة : من حقى ألا أظلم نفسى من أجلك .

قال راجياً : وأنا يا فداء ، ألست أحبك ؟ ألست أريدك زوجة لى ؟

ظل حسام يتحد ث ويتحد ث ويتحد ث ، وفداء بدا عليها وكأنها لا تسمعه ، فقد صَمت آذانها عن حديثه ، ولم تعد تنصت إليه . . نظرت فى ساعتها وقالت : لقد تأخرت ، لا بد أن أعود للبيت . . فتحت حقيبة يدها وأخرجت منها مظروفاً متوسط الحجم ، ووضعته أمام حسام ، فسألها على الفور : ما هذا المظروف ؟ وما الذى بداخله ؟

قالت : إنها خطاباتك التى أرسلتها إلىّ خلال العامين الماضيين ، خذها ، لم أعد فى حاجة إليها !

فقال حسام ( وهو يهز رأسه ) : وخطاباتك التى لدى ، ألستِ تريدينها ؟  ألستِ فى حاجة إليها ؟

قالت ( وهى تبدى عدم إهتمام ) : إن أردت الإحتفاظ بها ليس عندى مانع ، وإذا لم تريدها مزقها أو إحرقها ، أنت حر فيها ، ولكننى لا أريدها كى لا تذكرنى بك !

قال : إنها خطاباتك ، كلماتك ، أشعارك وقصائدك ، أيامك ولياليكِ ، إنها ذكرياتك !

قالت ( وهى تستعد للوقوف ) : لا . . بل هى ذكرياتك أنت ، حياتك أنت ، إفعل بها ما تشاء .

ونهضت واقفة فى ثبات ، وبكل قوة وصلابة وعدم إكتراث  ، قالت له  : وداعاً  . . .  

إنها كلمة واحدة نطق بها لسانها ، ثم إستدارت لتمضى فى طريقها ، ولم تنظر خلفها قط  حتى إختفت عن ناظريه ، وهو جالس فى مكانه لا يتحرك ، تتابعها عيناه ، ولا يكاد يصدق ما حدث ، إنها لم تنتظره حتى يرد لها الوداع ، إنها لم تنطق  بإسمه قط طوال حديثها معه . .

أيقن حسام ساعتها . . أن فداء قد باعت حبهما وقبضت الثمن . . وأنها ما جاءت اليوم لتعبر له عن حبها وإشتياقها إليه بعد فراق عدة أيام . . وأنها ما جاءت لتبقى على العهد والوعد . . وأنها ما جاءت لتؤكد له أنها سوف تكمل معه المشوار . . إنما جاءت لتنهى ما بينهما . . وجاءت لتقول له كلمة واحدة . . . . . . . وداعاً ثم رحلت ! ! 

                                                                         وإلى مقال آخر إن شاء الله .             


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق