]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . 

بنت صانع الأحذية

بواسطة: Mohammed Ex  |  بتاريخ: 2011-08-13 ، الوقت: 08:10:15
  • تقييم المقالة:

" يا سيدتي جٌبتٌ رحاب الحب والهوى ولم أجد من هي أكفأ وأجدر وأروع وأرق منك"

عبد النجيب

 

تعبت حقائب عبد النجيب من السفر الطويل ، وتعبت خيوله من الغزوات ، إن الحديث يطول لو طلب حساب حياته ،  فكأن عمره خمسين سنة ، مع إنه في الواقع لم يتجاوز الثلاثين ، استقر به الحال في مدينة كالعكيو الجميلة ،  في يوم من الأيام اشتاق عبد النجيب إلى زيارة جدته التي تعيش في مدينة جانالي ، ذهب عبد النجيب إلى محطة المواصلات ،وهو يخطو خطاه بسرعة ليلحق الباص الذاهب إلى جانالي ، عندما ركب الباص وقعت عيناه على  فتاة من ضمن المسافرين جميلة كجمال بدر التمام ، توقف بلا حراك وظل ينظر إليها ولم يستطع تحويل نظره عنها ،  سقت عيناها روح عبد النجيب الظمأى ، رب سكر لم يكن من قدح ، إن الحب يدخل الرجال عبر العينين ويدخل المرأة عبر الأذنين! ،لو درى  العطشى سحر عيناها لتركوا الحانات البائسة وجلسوا ليتلصصوا على عيناها  ، ليت شعري تلك عينان أم وطن! ، خجلت الفتاة من تلك النظرات الغريبة وتظاهرت بقراءة كتاب ما  .

جلس عبد النجيب في المقعد المقابل للفتاة وسأل السائق : متى موعد انطلاق الباص؟ ،أجاب السائق : ألوتو (1) يا سيدي. بدت الحيرة في وجهه ولم يفهم الاجابة  ، تدخلت الفتاة قائلة : يقصد الثامنة . رد عبد النجيب مبتسماً: شكراً لك سيدتي ، اسمي عبد النجيب  ، ممكن أعرف اسمك الجميل؟، فابتسمت قائلة:اسمي أيان . 

عبد النجيب :سررت بلقائك ، أي أرض تضمك سيدتي ؟

أيان: أسكن مدينة جانالي .

عبد النجيب محدثاً نفسه :

"كم هي جميلة ابتسامتها التي جمعت الفصول الأربعة ، تمطر ثلوجاً في صباح صيف كآباتي ، تزيد رؤيتها ربيع قلبي بهجةً وروحي تألقاً في خريف عمري ".

عانق عبد النجيب الفرح  كفراشة مسرورة بعمرها القصير ولبس ثوب حرير المشاعر والعواطف  وهمس لأيان : أنا معجب بك وأنت رائعة الجمال ، أجابت أيان : ألا تخجل من نفسك ، لم الجميع ينظر للفتاة كسلعة للتعارف ؟!، يتهافتون لشرائها بكلام معسول ، لنرتقي بأفكارنا رجاءاً، لنكون شعباً يحتذى به لاحترامه للأنثى ،دعني وشأني من فضلك.

لم يسبق لعبد النجيب دخول البحر منذ فترة طويلة ، مثل زورق بلا شراع ،  تهادى في البحر الكبير، بلع الصمت ،داخل دوامة الدهشة ، ظل يفكر طوال الطريق إلى جانالي كيف يجعل هذه الفتاة تصبح من نصيبه؟؛ آن الآوان لذلك المسافر المغترب أن يستريح في وطنه ! ، إن شعاع الشمس إعلان عن ميلاد إشراقة الصباح وحلم وليد لحب جديد ؛ فالحب هو الذي يعطينا نحن سلالة الطين الاسم والهوية والملامح . كانت الفتاة مختلفة ومميزة عن باقي الفتيات ، شعر بحاجته إليها ،   شيئ ما يجذبه إليها ، هل هي الجاذبية نفسها التي تجذب النحل إلى الزهور في الحقول ؛ ليجمع ويصنع منها عسلاً لذيذاً . أم تلك التي تجذب الفراشة للنار . لست أدري !.

عند نزول الركاب من الباص في مدينة جانالي ،ساعدعبد النجيب الفتاة في حمل الحقائب وقال: أيان لا تزعلين مني ، الحب الذي سمعتيه هو شيء جعله الله في خلقه، لقد ولدنا بالحب ،وسقانا الوالدان بالحب ،وترعرعنا بالحب ونتزوج ونموت أيضاً بالحب ، إن الحب هو أساس الحياة . رقت أيان للكلمات ودخلتها الرحمة تجاه عبد النجيب ، وذهب عبد النجيب في طريقه إلى بيت جدته .

لاحقاً من هذا الموقف بعد يومين ، رأوا بعضهما في السوق صدفة من غير ميعاد، تحرك قاصداً تجاهها ،وهو ينظر إليها بعين اللهفة قائلاً: أيان كيف حالك اليوم ؟.

 اصطنعت أيان عدم السماع للسؤال، كرر السؤال مرة أخرى :أيان هل أنت بحال جيدة ؟، أجابته وبادي في وجهها المعاناة والألم :أخي لما لا تتركني وشأني، رجاءاً أنا وأنت لا نستطيع أن نتقابل ، أجاب عبد النجيب : فداك الشوق والسلام ،إن وجودك ورؤيتك سيدتي يسعدني ، كل شيء صعب أتقاسمه معك ،  لما لا تفتحين قلبك لي  ؛ أشعر أن في قلبك أسراراً .

بدا أن أيان تعبت من طول الوقوف وأجابته: نتقابل مرة أخرى ، قال لها : متى نجعل موعدنا الثالث ؟ قالت له : يوم الجمعة في الحديقة العامة.

ملأ عبير الشوق الجو ، يغفو قليلاً ، فيأتي طيفها ليحتضنها في حضنه يهمس في أذنها ما شاء لليراع أن يخط من أعذب الكلمات ، وتارة يمشط شعرها بيديه ، وتارة يعبث بخنصر يدها الصغير ،  تلك اليد أشهى من شفتيها ! ، وتارة يتناجيان وأيديهما متشابكة ، وعندما يصحو يبحث عنها فلا يجدها ،أصبحت الأيام تمر ببطء على عبد النجيب ، حتى أصبحت الثانية دقيقة ، والدقيقة ساعة ، والساعة دهر ، لحن الحياة على الأوقات كلها ،فيأتي من بعيد  صوتها حزين الأغاني ، دائماً كانت معه لم تفارقه لحظة .

في يوم اللقاء تقابلا ،وبدأ عبد النجيب السلام وقال: فداك الروح والمشاعر حياتي .

أيان بخجل وردي : حياتي !،لم يمض علينا سوى بضعة أيام وأصبحت حياتك؟.

عبد النجيب: حياتي وروحي ونوري الذي ينير طريقي في الظلمات ، لقد ملكت جوارحي كلها فأصبحت أسيراً في مملكة حبك سيدتي. كنت أنتظر هذا اللقاء شوقاً لرؤيتك والجلوس معك والتحدث إليك .

أيان : أنا أيضاً معجبة بك لكن في الحقيقة ارتباطنا هذا مستحيل في نظر سكان المدينة.

تفاجأ عبد النجيب من هذا الكلام وقال : يا روحي أوعدك أن أتسلل كشعاع الشمس لأكون أول من يهمس لك بصباح الخير يا وجه الخير ،لقد اختارك قلبي دون باقي الفتيات ، إني متيم بك. بخفة نسيم الصباح تجولت أنحاء العالم ، ولم أجد سيدتي أرق وأحن وأدفأ مسكن من قلبك .

أجابت أيان: من الطبقة المهمشة في المدينة تنتمي عائلتي ، إن أبي صانع الأحذية ، ، وأنت يبدو أنك من عائلة كريمة . فيا أخي لا تضيع وقتك معي . يستحيل أن يبارك أهلك علاقتنا.

أجهشت في البكاء ، والدمع ينزل على خديها ، وتناقلت الأزهار الندية في الروض لحناً حزيناً .

يتبع ....

(1) ألوتو : رقم ثمانية باللغة الإيطالية

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق