]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أب ساءته نفسه !!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-10-24 ، الوقت: 09:32:38
  • تقييم المقالة:

 

جلس إلي صاحبي مهموما ، يفضي إلي بأعظم بلاء ابتلاه به الله في حياته ؛ بلاء نغص عليه حلو عيشه ، وكدر عليه صفو أيامه ولياليه . وحدثني مضطرا ، والأسى والمرارة يملآن جوانحه ، ويحكمان جوارحه ، وقال :

ـ مادام روح القدس قد نفث في رَوْعِ رسول الله أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها ، فإنه لا خوف ولا هم يحزنون أن يموت بعض الآباء ( السيئين ) بسرعة !!.. حتى وإن تركوا أبناء صغارا وراءهم ؛ لأن الله هو الذي سيتكفل بهم ، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون ...

وأبي لا شفاء له من الدنيا إلا الردى !!.. ولا أمن لنا منه إلا أن يستقر في جوف القبر !!.. وفي القبر يرتاح الأموات ، ويرتاح معهم الأحياء أيضا !!

لأنه كل يوم يزداد جنونا ، ويتضاعف جُبْناً !!.. نعم جبنا ؛ فبدل أن يواجه الحياة ، ويصارع الزمان ، طفق ـ بعدما قدم ما بين يديه وما خلفه ـ يواجه بقسوة الأم والأبناء ، ويصارع بغلظة الأهل والجيران ، ويتخذ هؤلاء وأولائك أعداء ألداء ، وخصوما أشداء ، يؤذيهم ، ويضرهم . وإن وجد سبيلا لقتلهم لفعل ، كما يقول ويُقْسِمُ !! ... والغريب أنه يجد في ذلك لذته ، وراحته ، ونشوته ؛ فما يمر يوم أو ليلة ، أو ينقضي صبح أو مساء ، دون أن يؤذي أحدا ، أو يعتدي على شخص ، ولو بالكلمة الخبيثة !!...

أهو مرض ؟ .. أهو صرع ؟ .. أهي لعنة ؟ .. أم هي نقمة ؟ ...

نحن ، والعارفون به كافة ، نجمع على بعض هذه الآفات ، أو كلها . إلا هو فيصر ، ويؤكد ، أنه معافى ، وعاقل ، ومؤمن ، وصالح . ونحن الذين مرضى ، ومجانين ، وملعونين ، ومفسدين !!

لقد نسي الله ، فأنساه نفسه ، وأبناءه ، وأهله . وحرمه من كل الروابط الإنسانية الحميمة ، ومن جميع العلاقات الاجتماعية الطيبة ؛ فلا يزور و لا يزار . واتبع الظن ، وما تهوى النفس الأمارة بالسوء ، ونصب ذاته عدوا للجميع ، يَوَلُّ منه الناس فرارا ، ويمتلئون منه رعبا ، حتى أقربهم إليه « كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة » .. وما هو بِقَسْوَرَةٍ ، وما هم بِحُمُرٍ ، ولكنهم يتجنبونه ، ويبغضونه ، اتقاء لشره .. وما أقسى ، وأشد مضاضة على النفس أن يكون المرء مكروها ، ومنبوذا ، وغير مرغوب فيه من طرف الجميع !!

وتلك جنايته على نفسه ، وعقاب الله له . ألا إن عقاب الله شديد . ألا إن العاقبة ستكون سيئة إذا لم يغير ما بنفسه ، ولم يبدل من سيرته وسريرته !!

ثم استطرد صاحبي بنبرة أسف :

ـ هناك حكمة عربية تقول : « من سَرَّهُ أبناؤه ساءته نفسه » ولعمري إن هذه الحكمة كأنها فصلت على أبي ، فهي تنطبق عليه كل الانطباق ؛ فكم ساءته نفسه ، وكم يسيء إلينا وإلى أكثر الناس !! وكم سيكون منقلبه سيئا في الدارين ، إن لم أقل أشد سوءا !!

أطرقت مفكرا ، ثم قلت لصاحبي المرزوء بعد تردد :

ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليس من أحد إلا وفيه حَمْقَه ، فبها يعيش » وحماقة أبيك ملكت نفسه وعقله ، فأعشت بصره ، وأمرضت قلبه ، وأضلته عن سواء السبيل ، وأبعدته عن الحق والهدى . فلا يضركم من ضل إذا اهتديتم . ولا تبتئس يا صاحبي بما يفعل ، واصبر صَبْراً ، ولتكن لك في النبي إبراهيم أسوة : « واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا . إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا . يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا . يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا . يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا . قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا . قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا » .

بعد تلاوة هذه الآيات أسبل صاحبي جفنيه على عينين غُصَّتا بالعبرات ، وغاض الدمع ، ففتح عينيه في استسلام ، واستغفر لنفسه ولأبيه معا في إخلاص ، ثم عزم أن يهجر أباه هجرا جميلا ...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق