]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عندما تستجيب السماء لدعاء المُحبين ! !

بواسطة: د. وحيد الفخرانى  |  بتاريخ: 2012-10-23 ، الوقت: 17:56:39
  • تقييم المقالة:

عندما تستجيب السماء لدعاء المُحبين  ! !

--------------------------------------

كانا على موعد ولقاء ، إنه مساء الجمعة من كل أسبوع ، حيث يلتقيان ليقص كل منهما على الآخر ما جرى له وما حدث طوال السبعة أيام الماضية ، يجلسان ثلاث ساعات ليتبادلان أطراف الحديث ، تلتقى العيون فتتبادل نظرات الحب والإشتياق ، وتتلامس الأيدى فيشعران بالطمأنينة والأمان ، تنطق الشفاه بالكلمات الحلوة والمعانى الجميلة ، وتختزن الصدور والقلوب زاداً من الود والعطف والحنان ، لسبعة أيام قادمة ، لن يرى خلالها كل منهما الآخر ، فقد كانا من بلدتين متجاورتين ، وتعارفا فى عُرس زفاف لأحد أقاربها ، ربط بينهما الحب ، وتعاهدا على الوفاء والإخلاص ، وتواعدا على اللقاء مساء  الجمعة من كل أسبوع ، فى بلدة أخرى مجاورة ، كى يظل حبهما سراً بينهما ، حتى يشاء الله أن يجمعهما فى حياة واحدة .

وكعادته دائماً ، كان يعد الأيام السبعة عداً ، من بعد وداعهما الأخير ، حتى يحين يوم اللقاء ، فيتعجل الساعات لتمضى سريعاً ، وهى تعانده ، كأنها عزولاً حسوداً بينهما ، وقبل الموعد بساعة كاملة يكون فى حديقة المنتزه ، حيث مكان اللقاء ، ويظل ينظر فى ساعته عشرات المرات ، كأنما يريد أن يقفز فوق الزمن ، ويختصر الأوقات ، تلك هى طقوسه قبل كل لقاء . . عجباً لهذا الزمن ، أنه يمر سريعاً فى الأوقات الحلوة السعيدة ، ويمر بطيئاً حين نتعجله عند الإنتظار .

أخيراً إنقضت الساعة كاملة ، مرت عليه كأنها ساعات ، المهم أنها إنقضت ، هكذا حدث نفسه ، وبدأت الدقائق تمر ثقيلة ثقيلة ، وهو جالس فى مكانه يزداد قلقاً وحيرة ، ماذا حدث لها وماذا جرى ؟ إنها لم تتأخر قط عن موعدنا ، هذه هى المرة الأولى التى أنتظرها ولم تجئ ! تُرى هل حدث لها شئ ؟ هل أصابها مكروه ؟ هل تعطل بها القطار ؟ كلما مرت الدقائق ، كلما إزدادت حيرته وتضاعف قلقه ، تسلل الشيطان إلى رأسه ، وأمسك بيده ، وبدأ يجوب به كل بقاع الدنيا ، ويثير فى ذهنه كل التساؤلات . . إنقضت ثلاثون دقيقة كاملة ولم تحضر ، بدأت أعصابه تتوتر، إمتدت يده لتمسك بهاتفه الجوال ليتصل بها ، خفق قلبه بشدة ، تُرى ما الخبر الذى سوف يأ تينى منها أو عنها عبر الهاتف ؟ تمالك نفسه ، وإستحضر رقم هاتفها الجوال وطلب الإتصال ، جرس هاتفها يرن ولا أحد يرد ، عاود الإتصال ثانية وثالثة ورابعة ، ولا أحد يرد ، أصابه التوتر أكثر وأكثر ، إتصل مرة خامسة ، أخيراً سمع صوت يتحدث كأنه من بعيد ، كان صوتاً ضعيفاً جداً ، ولكنه إستطاع أن يتبينه بقلبه ، إنه صوتها ! سألها : ما بك ؟ قالت أنها مريضة ، وأنها ما إستطاعت أن تأتى للقائه لهذا السبب ، أخبرته بأنها أصيبت بالأمس بنزلة برد شديدة أعجزتها عن الخروج ، وأبدت له أسفها لأنها لم تتمكن من الإتصال به قبل موعدهما لشدة المرض ، تمالك نفسه وتمنى لها الشفاء العاجل و السلامة ، وأخبرها أنه سيكون فى إنتظارها الجمعة القادمة .

أغلق الهاتف ، وإنتابته حالة من الحزن الشديد ، حزنه صار حزنين ، حزن لمرضها ، وحزن لعدم مجيئها ، لقد كان لقاؤهما أهم شئ فى الوجود بالنسبة له ، كان يشعر وهى معه بأنه يمتلك الدنيا بأسرها ، وهو معها لم يكن يدرى بالعالم من حوله ، لم يكن يرى سوى وجهها ، ولا يسمع سوى صوتها ، ولا ينظر إلا فى عينيها ، عيناها ذات اللون الأزرق كانتا بالنسبة له هى سماؤه الزرقاء الصافية التى يحلق فيها بجناحيه ، مثل طائر حر طليق ، و بسرعة تنقضى ساعات اللقاء ، ويحين موعد الرحيل ، ويشعر وكأنه ما جالسها إلا دقائق معدودة .

ولكنها اليوم لم تأت ، ولم تجلس معه ، ولم ينظر فى عينيها ، ولم يحادثها ، ولم يسمع صوتها العذب الجميل ، ولم يملأ صدره سوى الحزن والألم . . منعها المرض اللعين أن تأتى إليه ، حرمه منها وحرمها منه ، شعر بالحزن الشديد لمرضها ، حتى أنه تمنى من الله أن يمرض هو وتُشفى هى ، طلبها من ربه حباً فيها وشفقة عليها ، وتمناها لنفسه ، فهو رجل ويتحمل أكثر منها ، وفى يقينه أنه ما كان ليستسلم للمرض قط ، لو كان بدلاً منها ، كان سيأتى إليها مهما إشتد عليه التعب ، وكان سيأخذ منها المدد والقوة حين يراها ، فقد كان يؤمن بأن قوة الإنسان تكمن فى روحه وليس جسده ، قوته الروحية تهزم كل جبار حتى المرض ، فالمريض يستقبله الطبيب مبتسماً متفائلاً ، يطمئنه ويعده بسرعة الشفاء ، فيخرج المريض من عند الطبيب متعافياً يمشى على قدميه ، وقد غادره المرض ، فكيف بها هى ، إن كان هو المريض وكانت هى طبيبته ؟

ولكن ماذا يفعل الآن ؟ لقد أبى أن يغادر المكان ، وظل جالساً يحدث نفسه وتحدثه ، ويداعبه خياله ، لو أنها قد حضرت ما كان هذا حاله قط . . مرت الساعات ، وإنفض الناس من حوله وهو جالس وحده ، نظر إلى ساعته وجد أن موعد القطار قد حان ، إنه آخر قطار يمر على بلدته الليلة ، بعده لن يجد قطاراً آخر يقله ، نهض واقفاً وبدأ يسير بخطوات بطيئة ، شعر فجأة أن قدميه لا تقويان على حمله ، أحس بالقشعريرة تسرى فى بدنه ، تحامل على نفسه حتى وصل إلى محطة القطار ، لحق بالقطار قبل أن يتحرك ، وإنطلق به القطار إلى بلدته ، ولدى نزوله من القطار ، شاهده أحد أصدقائه وملامح التعب تبدو عليه ، فأوصله إلى البيت .

وفجأة إرتفعت درجة حرارة جسمه إرتفاعاً شديداً ، وبدأت تظهر عليه علامات المرض ، أصابته نزلة برد شديدة ، إضطر ته إلى ملازمة الفراش ، وقضى ليلته يتألم من شدة المرض ، ولم يذق طعم النوم . . وفى الصباح رن جرس هاتفه الجوال ، تحامل على نفسه وأمسك بالهاتف ، لقد كانت هى التى تتصل ، سألها عن حالها ، فأجابته أنها بخير ، وأنها قد شُفيت عقب مكالمته لها بالأمس بوقت قصير ، وأنها تحدثه الآن من مقر عملها ، فقد ذهبت إلى العمل ، حمد الله على سلامتها ولم يخبرها بمرضه ، وأغلق الهاتف ووضعه إلى جواره . . .

وعندئذ . . تذكر على الفور أنه حين كان جالساً فى الحديقة بعد أن علم بمرضها  ، دعا الله أن يشفيها وأن ينتقل المرض منها إليه . . . فإبتسم وهو طريح الفراش ، يتوجع من الألم ، وهز رأسه قليلاً وهو يتعجب ويقول : أبهذه السرعة تستجيب السماء لدعاء المحبين ؟

وأخذ يردد بصوت ضعيف وكأنه يخاطبها . . . سَلِمتِ أيتها الغالية من كل سوء ، وسَلِمَ لأجلك كل البشر ! !

                                                                  وإلى مقال آخر إن شاء الله .

 

 


« المقالة السابقة
  • Fida (عـــــــــــذاب) | 2012-10-24
    مر وقت ولم اقرا مقالات الجميلة من تقرا هذا المقال تتمنى ان تكون عي الطلة تاخذنا على عالم الحب الكبير ويا حظ من هي بطلة هامقال ختى وان كانت من وهم الخيال
    اشكرك على مقالاتك الرائعة
    • د. وحيد الفخرانى | 2012-10-24
      إبنتى الرقيقة / أحلى عذاب . . أسعد كثيراً كلما قرأتِ لى قصة وأعجبتكِ هكذا ، فأنتِ بالنسبة لى إبنتى الثانية ، أما إبنتى الأولى فهى فى مثل عمرك تماماً ، ورقيقة مثلك تماماً ، وزى النسمة فى حياتى ، أطال الله فى عمرك وعمرها ، وأسعد الله أيامك وأيامها . . يا رب . . يارب . . يا رب .               وكل سنة وإنتِ طيبة يا حبيبة قلبى .
  • طيف امرأه | 2012-10-24

    الغريب بحرفك ,,

    أنك سيدي تنقلنا بكل حرف من مشهد الى أخر بكل سهولة كفصول السنة ,,ندريجيا

    فلك في كل صنف فكرة ومبدأ يجعلنا ان نتابعك

    ففي السياسة لك باع طويل تكتب به وأكاد أشعر انه من يكتب صحفي من الدرجة الاولى _ولن اقول اسما كي لا أتهم بشيء ما_

    وان كتبت قصة بالحب تشعرني انك تقرا النفس كما طبيب نفسي بارع في مهنته _وانت كذلك_ فانت تنتقل باحساس الانثى والذكر بطريقة راقية

    مدبرا لكل حالة ولكل نفسية

    ولا ادري هل يتواجد رجل بالدنيا يحب الأنثى بتلك الطريقة؟؟!!

    لا أدري فالتضحية فقط صارت بالكبش وليس بالنفس !

    لكنني بصدق أقرأك فاستمتع لدرجة ان تترقرق الدموع بعيني ..فكأنما أقرأ  قصص عزة وكثير , او قيس وليلى ,,تلك القصص التي ضاعت

    وتلاشت مع فضائيات باهتة فاسدة لا تعلم معتى الحب العذري والفطرة السوية

    بورك بكم وكم انتظر تلك الحكايا ,,فهي بحق انسجام كامل بكل ما فيها ,,كأني أشاهدها (بث حياعلى الهواء ) بابداع وفتنة

    طيف بخالص التقدير وكل طاعة وانتم بخير

     

     

    • د. وحيد الفخرانى | 2012-10-24
      سيدتى القديرة / طيف إمرأة . . أسعدنى للغاية مرورك الطيب على قصتى هذه ، ودائماً يسعدنى مرورك ، أنى شئتِ ومتى شئتِ . . أنا - يا سيدتى - ممن عاشوا الزمن الجميل ويتوقون إليه ، ما زلنا نحلم نفس أحلامنا ، ونكتب قصائدنا وأشعارنا وقصصنا ، ونسمع من غنى فأطرب آذاننا ، غادرنا الزمن الجميل ومضى ونرفض أن نغادره ، لأنه ليس لنا حياة فى سواه ، ما زلنا نتعلق بأطرافه كما يتعلق الطفل الصغير بأطراف أمه ، لسنا فى سوق المال والتجارة ، لن ندع العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من حياتنا ، صِرنا كالفراشة تحيط بها الشرنقة ، إلى أن يشاء الله وتمضى الأيام وينقضى معها العمر ، ما حاولنا أن نتلون بلون جلود غيرنا قط ، فلون جلودنا يروق لنا ، نرتديها منذ زمن وقد صارت جزءً منا، بل هى نحن وسوف تظل نحن إلى أن نموت ، نريدها معنا تحت أكفاننا وفى قبورنا ، كى تُبعث معنا يوم الحساب ، وتكون شاهداً لنا لا علينا ، تشهد لنا بأننا كنا طيبين ، خيرين ، مؤمنين ، صادقين ، مخلصين ، صابرين ، ما آذينا قط ، و ما كفرنا قط ، وما كذبنا قط ، وما غدرنا قط ، وما قنطنا قط . . . منذ عدة أسابيع كتبت مقالاً سوف يخبرك من نحن بعنوان " وا أسفاه . . لقد راح الزمن الجميل بكل ما فيه ومن فيه " أرجوكِ التكرم بالمرور عليه . .     مع تحياتى للقديرة طيف .
  • ياسمين عبد الغفور | 2012-10-23
    إنها تضحية أن تتمنى أن تتألم لتساعد شخصاً تحبه أو لإسعاده
  • ياسمين عبد الغفور | 2012-10-23
    كم أنت مبدع أستاذ (وحيد)....قصة جميلة تبرز عظمة التضحية....

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق