]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الاتحاد ألمغاربي و المتغيرات المتوسطية.

بواسطة: بن عائشة محمد الأمين  |  بتاريخ: 2012-10-19 ، الوقت: 15:56:30
  • تقييم المقالة:

تشهد المنطقة المغاربية تجاذبات وصراعات بين مصالح الولايات المتحدة الأمريكية و الاتحاد الأوروبيفي ظل التوجهات الإستراتيجية الجديدة لما بعد ﻧﻬاية الحرب الباردة، وكذا محاولة الطرفين تشكيل النظامالإقليمي للمنطقة العربية، ويظهر تفاعل الإتحاد الأوروبي مع المتغيرات الداخلية والخارجية من خلالالتكيف بواسطة عدة عمليات، سواء على المستوى الداخلي كعمليات التوسيع المختلفة، أو على المستوىالخارجي من خلال العلاقات بشركائه خاصة الدول المغاربية أين عرفت علاقات الطرفين تطوراتهامة خاصة منذ مؤتمر برشلونة الذي أرسى قواعد شراكة شاملة، تجاوزت العلاقات التفاضلية .

وقد أعطت هذه التطورات انطباعا بأن الاتحاد الأوروبي وفي إطار التحولات الدولية الجديدةيحاول أن يحافظ على مصالحه في منطقة المتوسط من خلال تدعيم العلاقات على مختلفالمستويات، وخاصة مساعدة هذه الدول على تجاوز أزماﺗﻬا الاقتصادية والأمنية، ولكن يبدو أن هذهالشراكة تواجه العديد من التحديات.

انتهت الحرب الباردة بين الشرق و الغرب لتبدأ حرب باردة أخرى بين الغرب نفسه- حلفاء الأمس- من أجل ملأ الفراغ الذي تركه الاتحاد السوفييتي، أدت إلى تحرك الغرب باتجاه الشرق الأوسط وحوض المتوسط  من أجل رسم خارطة جيوبوليتكية جديدة، تسعى أوروبا لضمان مكان لها لمواجهة الغرب الأخر-الولايات المتحدة الأميركية-.

يرى غالبية المحللين المهتمين بعلاقات الشرق و الغرب أن فشل ما كان يسمى بالحوار العربي –الأوروبي هو أحد الدوافع لظهور ما يعرف اليوم بمشروع الشراكة المتوسطية، ونظرا لتعثر الحوار العربي-الأوروبي، ظهرت الفكرة المتوسطية كبديل عن الحوار وهي نوع من المقاربة الأوروبية الجديدة باتجاه الدول المتوسطية لمنافسة مشروع الشرق الأوسط الأميركي، ولا تريد أوروبا من هذا المشروع أن يملأ الفراغ لوحده، حيث ترى أوروبا أنها الممول الرئيس لحوض المتوسط .

 المتوسط هو مشكلة بالنسبة لأوروبا نظرا لعدم وجود نظرة موحدة من طرف دوله و خاصة ألمانيا، فرنسا ،اسبانيا و ايطاليا حول الحدود الجغرافية لحوض المتوسط و حول كيف سيكون هذا المتوسط ومن ستوكل له مهمة قيادته،هذا من جهة ومن جهة أخرى حوض المتوسط هو مشكلة بالنسبة لأوروبا نظرا للمنافسة الأميركية على المنطقة و حتى المنافسة الصينية في الوقت الحاضر.

كما أن أوروبا لم يعد لها مناطق نفوذ كبيرة في العالم و إذا فقدت نفوذها في حوض المتوسط ستصبح أوروبا مجرد رقعة مغلقة تسيطر عليها أميركا أو بالأحرى تصبح لعب جيواستراتيجي متقاعد.

الصدام بين الجزائر و المغرب حله عند إسرائيل

وحوض المتوسط هو مشكل بالنسبة لأوروبا لأنه يضم دول عربية بالإضافة إلى إسرائيل وكيف ستتعامل أوروبا مع هذا هل ستكون أكثر ليونة مع إسرائيل أم مع العرب ولكل سياسة انعكاساتها ، فإذا كانت أكثر ليونة مع إسرائيل هذا يعني أن العرب سيتجهون نحو الولايات المتحدة الأميركية وإذا كانت أكثر ليونة مع العرب فستخسر حليف استراتيجي قوي و هو إسرائيل بالإضافة إلى ما سيمارسه اللوبي    الصهيوني من ضغوطات على القارة الأوروبية ككل بما فيها العلاقات المتصدعة بين الجزائر والمغرب.

 

و بالتالي فان حوض المتوسط قبل أن يكون مجال و مكان هو مشكل في حد ذاته نظرا للعلاقات المركبة و المعقدة بالإضافة إلى الرهانات الأمنية الكثيرة في هذه المنطقة و هو ماتحدث عنه "pascal Boniface"  بقوله أن"الرهانات الأمنية تخفي الرهانات الاجتماعيةles enjeux sécuritaires masquent les enjeux sociaux  ، وبالتالي فان حوض المتوسط هو مشكل قبل أن يكون مجرد مجال و مكان وقبل أن يكون تهديدلأوروبا.

أمننة منطقة المتوسط

المتوسط هو منطقة نفوذ تاريخي و امتداد جغرافي طبيعي لأوروبا- من وجهة نظر أوروبية- و هو قفل استراتيجي لمواجهة الولايات المتحدة الأميركية ، وبالتالي و نظرا للمطامع الدولية في هذه المنطقة فان |أوروبا ترى نفسها المدافع الوحيد عن هذه المنطقة و تقدم نفسها على أساس أنها بر الأمان التي تسعى إليه دول المتوسط  ، و نظرا لهذه المطامع أصبح المتوسط عبارة عن حوض غير مستقر قابل للتغيير من وقت لأخر و بالتالي هو حوض المشاكل اللامتناهية أو قوس الأزمات التي دائما ما يقلق أوروبا ويهدد مكانتها في ميزان القوى العالمي.

كما أن المتوسط هو مشكل لأوروبا نظرا  لرؤية كل دولة أوروبية لهذه المنطقة كمجال حيوي لها و هذا ما تجسد في مشروع الشراكة الأورو متوسطية الجديد الذي أصبح مكملا لمسار برشلونة بعدما عجزت الدبلوماسية الفرنسية عن فرض رؤيتها الهندسية 7+5=32 أي أن المشروع في بدايته كان قائما على شراكة بين مجموعة الدول الأوروبية المطلة على البحر المتوسط مع مجموعة الدول المغاربية، لكن في النهاية حسب الخطاب الدبلوماسي الفرنسي فإن مجموع الدول الأوروبية السبع هي تمثل مجموعة الدول 27 يضاف إليها مجموعة الدول المغاربية الخمس يصبح المجموع 32 دولة.

ألمانيا...إسرائيل... فرنسا... لعبة صفرية

 وكان هذا الحساب الفرنسي قد واجه صداما سياسيا عنيفا من قبل ألمانيا التي اعتبرت على لسان مستشارتها أنجيلا ميركل بأنه حساب يهدد الاتحاد الأوروبي برمته، كما شككت كل من اسبانيا وإيطاليا في نوايا ساركوزي الحسابية، لأنه في اعتقادهما أن باريس تبحث عن نفوذ لها في جنوب المتوسط على حساب الدول الأوروبية كما أن اسبانيا كانت متشبثة بمسار برشلونة،والسؤال الأهم هل الاتحاد من أجل المتوسط هو مشروع للتطبيع العربي الإسرائيلي من بوابة البراغماتية، مع إدماج إسرائيل في المحيط المتوسطي بدون قيود عربية وأوروبية تضغط على اليهود لإيجاد حل للقضية الفلسطينية، أم هو مشروع إسرائيلي خالص تنفذه أوروبا بأمر من اللوبي الصهيوني.

وهذا المشروع هو أكبر دليل على التناقض و الصراع الموجود داخل القارة الأوروبية حيث أن مشروع الاتحاد من أجل المتوسط يمثل مشروعا فرنسيا بكل امتياز، لكنه اصطدم في محاولات تجسيده على أرض الواقع بالمحيط الإقليمي والطبيعي له، فالاتحاد الأوروبي غير من رؤية ساركوزي للمشروع في الوقت الذي تتردد بعض دول جنوب المتوسط في التعامل مع المشروع بسبب عدم وضوح الرؤية أو بسبب تقاسم المسؤوليات داخل المشروع، فبداية وجد ساركوزي صعوبة مع الاتحاد الأوروبي لتجسيد رؤيته الأولية فيما يتعلق بالمساحة الجغرافية التي يأخذها المشروع من حيث عدد الدول التي تكون القاطرة أو كما عبر عنها وزير الخارجية الفرنسي السابق هوبر فيدرين بصيغة 7+5 =32 .

 أي أن قاطرة المشروع تنطلق بالدول الأوروبية الجنوبية المطلة على البحر المتوسط يضاف إليها مجموعة دول الاتحاد المغاربي، وحجته في ذلك أن المشروع المتوسطي يجب أن يأخذ صيغة المشاريع الأوروبية الجوارية، لكن الرؤية الجغرافية لمشروع ساركوزي تلاشت مع المعارضة الألمانية، حيث اعتبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مشروع ساركوزي ببعده الجغرافي الضيق هو تقسيم لمشاريع الاتحاد الأوروبي القائمة وبالأخص مسار برشلونة والسياسة الجوارية التي اعتمدها الاتحاد وهو ما يمثل تهديدا لمستقبل الوحدة الأوروبية، فكان التراجع الفرنسي في قمة بروكسل ( 13 و14 مارس 2008)، حيث تغيرت التسمية الفرنسية من مشروع الاتحاد المتوسطي إلى تسمية أوروبية:” مسار برشلونة: مشروع الاتحاد من أجل المتوسط”، وهو ما يعني أن المشروع سيندرج في إطار تكملة للمشروع الأورو-متوسطي الذي أرست أسسه في قمة برشلونة في سنة 1995، كما اصطدمت رؤية ساركوزي مع الاتحاد الأوروبي فيما يخص المسألة التركية، حيث ركز فكرته في المشروع على أساس أن يكون المحيط الحضاري والطبيعي لتركيا الاتحاد المتوسطي وليس الاتحاد الأوروبي بحكم الرداء الأخضر-الإسلام- الذي يغطي 80 مليون نسمة وهو ما يتعارض مع البعد المسيحي-اليهودي للاتحاد الأوروبي.

 وبذلك أشعل ساركوزي فتيل الصدام الحضاري قبل انطلاق المشروع بالرغم من أن تركيا توجد في قلب الأجندة الأوروبية لتطبيق شروط الانضمام للاتحاد الأوروبي وهو ما تطمح إليه أنقرا، وبذلك يكون ساركوزي قد خسر دولة محورية في المتوسط ودولة على وشك الانضمام للاتحاد الأوروبي وأكثر من ذلك دولة إقليمية أطلسية يعتمد عليها كثيرا في التوجه الجديد للحلف الأطلسي.

 لا يمكن الحديث  عن الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و حوض المتوسط  لأن الشراكة تتم بين أطراف متساوية إلى حد ما في القوة الاقتصادية و ليس بين دول متقدمة ودول متخلفة ويمكن تسميتها استغلال ، تعاون مفروض، تبعية ولكن ليس شراكة.

وبناءا على ماسبق يمكن القول أن المتوسط هو فعلا مشكل بالنسبة لأوروبا بحيث أنه المنطقة الوحيدة التي بقيت لأوروبا لضمان مكان لها بين الكبار، لكن و نظرا لغياب رؤية موحدة للمنطقة أصبحت مشكل داخلي لأوروبا أكثر مما هي تهديد لها.

المصالح الإستراتجية لأوروبا في المنطقة -         ترى أوروبا أن دورها في منطقة المتوسط قد تقلص ، وفي المقابل نجد أن منطقة الشرق الأوسط تشهد نشاط مكثف للدبلوماسية الأميركية و التي تدعمت أكثر بعد احتلال العراق وما ترتب عنها من نتائج إستراتجية ،وبالتالي  تسعى أوروبا إلى إعادة دورها و تقويته لأنها لا تريد أن تكون منفذ للدبلوماسية الأميركية مثلما طرحهrobert kagan  في كتابه paradise and power:  America and Europe  in the new world order. -         خلق فضاء اقتصادي قادر على استيعاب فائض الإنتاج الأوروبي و إلزام دول المنطقة بمعاهدات و اتفاقات تحتم عليها أن تكون مرتبطة بأوروبا بحيث تصبح المنافسة الأميركية و الأسيوية ضعيفة بشكل يجعل دخولها إلى الأسواق المتوسطية يمر عبر أوروبا. -         التحول إلى قوة اقتصادية، سياسية و عسكرية من أجل ضمان مكان لأوروبا في ميزان القوى. -         خشية أوروبا من تنامي المد الأصولي في جنوب و شرق المتوسط مما قد يستدعي الموروث التاريخي للعلاقات مع العالم العربي وينتهج سياسات معادية لأوروبا، وفي ذلك فرصة أخرى للولايات المتحدة الأميركية وعلاج ذلك هو مساعدة دول المتوسط و إقامة شراكة بين ضفتي المتوسط، وهو ما تكلم عنه أيضا "برنارد لويس" في كتابه الإسلام الأصولي في وسائل الإعلام الغربية من وجهة نظر أميركية. -         الخروج من تحت المظلة الأميركية بل الوقوف في وجهها و أخذ المبادرة منها في إعادة تشكيل النظام الإقليمي وصياغة مستقبل المنطقة المتوسطية لمصلحة أوروبا الموحدة. -         مشكلة إسرائيل و تأثيرها على المشروع المتوسطي و كيف يمكن دمج إسرائيل مع العرب باعتبار إسرائيل لها وزن كبير جدا في السياسة الأوروبية دون الحديث عن  اللوبي الصهيوني في أوروبا. -         الأمن القومي الأوروبي بمفهومه الواسع الذي يتعدى الحدود الجغرافية الأوروبية ليصل إلى جنوب المتوسط و اعتبار أن التهديدات التي تأتي من الجنوب قد تؤثر على أوروبا و هذا ما تحدث عنه مثلا régis Debray –صاروخ بحر أرض إسلامي يسقط على تولون له نفس مصداقية إنزال جوي سوفييتي-.   وإذا قلنا أن المتوسط هو تهديد بالنسبة لأوروبا فهذا صحيح إلى حد ما نظرا للقرب الجغرافي ومشكلة الهجرة السرية غير الشرعية التي أصبحت تشكل خطرا على أوروبا و تمس أيضا قضية المواطنة بالإضافة إلى تشكيل المهاجرين لأقليات التي تطرح مشكل كبير للدول الأوروبية بالإضافة إلى قضية الجماعات الاثنية، وتشكيل الجماعات الإسلامية المتطرفة أو "الإرهاب" وتهديده للأمن القومي الأوروبي... وغيرها من المشاكل التي تترتب عن الهجرة السرية غير الشرعية ، بالإضافة إلى التحديات البيئية، وهذا ما يؤدي بنا للحديث عن أمن القارة الأوروبية التي ترى أوروبا أن أمنها مرهون بتنمية دول الجنوب حتى تبقى مشاكل الجنوب في الجنوب و لا تنتقل إلى أوروبا ،وبكل بساطة كما يقول الخبراء في تقاريرهم في حالة إبقاء فجوة التنمية على حالها فإن التهديدات الأمنية سوف تتعاظم مخاطرها على القارة الأوروبية.   رئيس دولة أوروبية مسلم   وفي مقابل هذه المخاوف نجد تهديد أخر هو أن أوروبا التي ستعرف عجزا ديمغرافيا في المستقبل القريب لا تزال تشيد ستارها الحديدي المفروض على تنقل الأشخاص وبقوانين ردعية لوقف الهجرة من الجنوب بالرغم من أنها بحاجة لليد العاملة في المستقبل، لأن خلف هذا الستار الحديدي هناك الخوف مما تسميه الدوائر اليمينية ب"الأوروعربيا" أي تحول أوروبا إلى محيط عربي إسلامي سيكون في يوم ما شخص اسمه محمد رئيسا لإحدى الدول الأوروبية، مادام أن أكثر الأسماء تداولا في تسميات المواليد الجدد في السنوات الأخيرة في بروكسيل ولندن هو اسم "محمد" الذي حاولت الصور الدنماركية وغيرها أن تخيف الأوربيين من هذا النبي الذي فرض وجوده في قلعة الصليبية، وتلك قصة أخرى مع حوار وصدام الحضارات حاول الإتحاد من أجل المتوسط أن يقفز عليها.   وبالتالي نرى أن دول الجنوب الضعيفة –المحيط- بإمكانها أن تشكل تهديدا و خطرا على الدول القوية-المركز- وذلك من خلال تصدير المشاكل التي تعاني منها أومن خلال تحالفها مع عدو العدو.  تنطلق محددات التصور الأوروبي من ثلاثة منطلقات أساسيات. -         جغرافية:عامل القرابة الجغرافية بين أوروبا و دول المغرب العربي -14كم بين المغرب  واسبانيا و تقابل سواحل فرنسا، ايطاليا و مالطا مع الجزائر، تونس وليبيا. -         تاريخية: يمكن تلخيصه في الحروب المختلفة- الحروب الصليبية ،الدولة العثمانية و صولا إلى حرب التحرير الجزائرية- بالإضافة إلى عدة حوادث أخرى. -         إستراتجية : وهي أن منطقة المغرب العربي تشكل الواجهة الجنوبية لأوروبا و منطقة نفوذ طبيعية لها، و المغرب العربي هو منطقة أواسيا بالنسبة لأوروبا ، حيث أن أوروبا ترى أن السيطرة على المغرب العربي هو مفتاح لمواجهة مشروع الشرق الأوسط الكبير، أو بالأحرى هو قفل استراتيجي . ومن خلال هذا نستطيع القول بأن أوروبا لطالما نظرت إلى المنطقة المتوسطية على أساس أنها تهديد و خطر دائم  و لذلك سعت دائما إلى احتوائه بطرق مختلفة  وسعت إلى تطبيق الضربة الوقائية بمفهومها الاقتصادي وليس العسكري بمعنى توظيف القوة الاقتصادية باتجاه معين بغرض إلغاء تهديدمستقبلي معين ، وكما ذكرنا سابقا ترى أوروبا في هذه المنطقة على أساس أنها منطقة نفوذ تاريخي لها و تحاول أن تحافظ على هذا الوضع و أن تمنع الدول  المشكلة للمنطقة من التحالف مع أطراف غير أوروبية ، وبالتالي نرى أن أوروبا أصرت على أن منطقة حوض المتوسط هي مشكلة بالنسبة لها حتى أصبحت فعلا مشكلة لأوروبا .   وحسب رأينا المتواضع نجد أن أوروبا مجبرة على الاختيار بين السياسات الثلاث التالية:   1- السياسة الصراعية بمعنى يجب على أوروبا أن ترى  المنطقة المتوسطية على أساس أنها منطقة تهدد القوة الأوروبية و أن تقوم أوروبا بتجنيد كل طاقتها من أجل ضمان تواجدها في المنطقة وبذلك تسعى إلى إضعاف دول هذه المنطقة و تقوية التبعية التي كسبتها من خلال استعمار المنطقة  وإبعاد الخطر الأميركي.   2- السياسة التعاونية: وهو أن علاقات التعاون و الشراكة  العادلة بين أوروبا و المنطقة  المتوسطية سوف تؤدي بدول الجنوب إلى قبول التواجد الأوروبي على حساب التواجد الأميركي أو حتى الصيني  وتقديم أوروبا نفسها على أنها عامل استقرار و أنها مستعدة لتقديم كل جهودها من أجل تطوير وتنمية هذه الدول في إطار علاقات اعتماد متبادلأو في إطار  الأمن التعاوني     cooperative Security (بحيث يتم تقاسم الأعباء الأمنية لاحتواء التهديدات).   3- السياسة الثالثة تجمع بين السياسة الأولى و الثانية بمعنى على أوروبا أن  تظهر احترامها لاستقلالية المنطقة و أن تسعى لضمان الاستقرار فيها، لكن في نفس الوقت على أوروبا أن تتبع سياسة براغماتية من أجل الحد من  طموحات دول المنطقة  وذلك بإتباع سياسة استباقية لتجنب أي تغير مفاجئ و أن تفرض بطريقة مرنة إستراتجيتها  من أجل ضمان بقائها في المنطقة،وأن تحكم قبضتها على النخب الحاكمة  في إطار علاقات التبعية من اجل كسب التأييد الحكومي والشعبي داخل هذه الدول للسياسة الأوروبية في المنطقة.   لكن و في مقابل كل هذا نجد أن الدول المتوسطية و خاصة المغاربية أمام فرصة  تاريخية وإستراتجية و هي إمكانية الاستفادة من التنافس الأوروبي –الأميركي و العالمي إلى أقصى حد ممكن .   وبناءا على ماسبق يمكن القول أن المتوسط هو عبارة عن قضية مركبة  و حبل مركب  يحتوي على الكثير من العقد  بالنسبة لأوروبا و أن التعامل معها يحتاج الى الكثير من التخطيط وأن المتوسط قبل أن يكون مجال و فضاء للنفوذ الأوروبي هو مشكلة  في حد ذاته وذلك نظرا للعوامل و الأسباب التي تطرقنا إليها سابقا.وهنا يمكن إضافة عامل أخر وهو خوف الدول الأوروبية من أن تصبح منقسمة فيما بينها فيما يخص تصوراتها تجاه المتوسط و هو ما يمكن تسميته من الناحية الأمنية بوجود مخاطر ما يسمى بـ "فعل ماتروزكا" Matrozka effectوالمقصود به تجزئة الوحدة الى مجموعة من الوحدات غير قادرة على حماية نفسها.     و بالتالي فان هذه المنطقة هي قوس الأزمات بالنسبة لأوروبا و هي ليست مثل دول أوربا الشرقية التي وجدت حل لها من خلال إدماجها في الاتحاد الأوروبي حتى تتجنب الكثير من المشاكل التي يمكن أن تأتي من وراء هذه الدول، لكن دول حوض المتوسط لا يمكن لأوروبا أن تدمجها في الاتحاد الأوروبي فهي ليست في القارة الأوروبية حتى وإن أدمجتها في إطار سياسة الجوار من خلال اتفاقيات الشراكة إلا أن هذا لم يحل المشكل وبقيت أوروبا متخوفة من مصير هذه الشراكة في ظل المنافسة الأميركية  خصوصا مع  توتر العلاقات بين الجزائر و فرنسا عقب ما أسمته فرنسا بقانون تمجيد الاستعمار و رفض الاعتذار للشعب الجزائري  .     بن عائشة محمد الأمين .
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق