]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أمّر عذاب . . . . وأحلى عذاب ! !

بواسطة: د. وحيد الفخرانى  |  بتاريخ: 2012-10-19 ، الوقت: 11:40:08
  • تقييم المقالة:

أمّر عذاب . . . . وأحلى عذاب ! !

--------------------------------

جمعت بينهما الصدفة أمام شباك حجز تذاكر السفر بمحطة القطار بالقاهرة ، هو شاب مصرى فى منتصف الثلاثينات من العمر ، وهى فتاة فى منتصف العشرينات ، تبدو عليها ملامح الفتاة العربية العصرية ، ترتدى بنطلون جينز أسود وتيشرت أحمر وتضع على كتفيها كوفية عربية ، وتحمل على ظهرها حقيبة ملابس متوسطة الحجم ، لم يكن عدد المسافرين أمام شباك التذاكر كثيراً ، وفجأ أعلن موظف الحجز أن إستمارة الحجز إمتلأت وأنه ذاهب إلى مسئول الحركة بالمحطة ليأتى بأخرى خلال دقيقتين ، وكعادة الموظف المصرى ذهب وذهبت معه الدقائق ، فكانت فرصة للحوار بين الشاب المصرى والفتاة العربية ، الذى بادرها بالسؤال :

قال : هل أنتِ عربية ؟

قالت : لم قلت ذلك ؟

قال : لأن الملامح العربية تبدو عليكِ . . قسمات وجهك توشى بذلك .

قالت : نعم . . فعلاً أنا فلسطينية من الضفة الغربية ، فى زيارة لمصر لأحد أقاربى وأصدقائى .

قال : أهلاً بك فى بلدك الثانى مصر ، وبين أهلك وأشقائك المصريين .

قالت : مصر ليست وطنى الثانى ، ولكنها وطن كل العرب ، وطنهم الأول و الكبير .

قال ( وهو يبتسم إبتسامة خفيفة ) : ملابسك توحى لى بمعانى ورموز وأشياء ، هل أنا مُحق ؟

قالت ( والأسى يعلو وجهها ) : نعم أنت على حق . . البنطلون الأسود يرمز إلى الإحتلال الذى نعانى منه – نحن الفلسطينيون –  صباح ومساء ، والتيشرت الأحمر يرمز إلى دماء الشباب الفلسطينى التى تسيل كل يوم ثمناً للمقاومة ، أما الكوفية فهى كوفية أبو عمار، رمزالنضال والكفاح ، عاش أبو عمار وهو يحلم بإقامة الدولة الفلسطينية  ، وظل الحلم يراوده حتى مات مسموماً على يد الصهاينة قبل أن يتحقق الحلم .

قال ( متسائلاً ) : هل لى أن أسألكِ عن إسمك ؟

قالت ( على الفور ) : ولم لا ؟ إسمى . . . عذاب !

قال ( مُردداً ) : عذاب . . عذاب . . إنه إسم جميل ، ولكنه يثير الشجون ، ويعبرعن ألم ومعاناة !

قالت ( مقاطعة ) : وهل هناك ألم ومعاناة أشد وطأة من ألم الإحتلال ، ومعناة إنكسارالإرادة القهرى ، وإهدار العزة والكرامة كل يوم على يد مستعمرين وقتلة و سفاحين ومنتهكى أعراض ؟

قال ( مواسياً ) : ولكن . . ألا يولد من رحم المعاناة والألم ثورة الشعوب على الظلم والقهر والإستبداد ؟ . . أنظرى إلى ثورات الربيع العربى فى البلدان العربية ، ألم تكن ضد مستعمرين وقتلة وسفاحين ولصوص ، يحتلون الأوطان ويقهرون الشعوب ، وهم من جلدة بنى أوطانهم ؟

قالت ( وقد بدا عليها الإقتناع ) : نعم . . معك كل الحق ، الحكام العرب مثل المستعمرين تماماً !

قال : إذن نحن كلنا شركاء فى المعاناة والألم ، فلا تحزنى . . لن تطول المعاناة ولن يطول الألم .

قالت : لقد إعتاد شعبنا على الحزن ، ولم يعد فى حياتنا سواه ، لقد نسينا الفرح وصار الحزن والهم  عنوان حياتنا ، ما عدنا نعانى منه ، وما عاد غريباً عنا ، فقد أصبح جزءً منا ! ! ولكن لم تخبرنى ، ما إسمك أنت ؟

قال على الفور وكأنه كان يتمنى السؤال : إسمى فريد  . . . .

قالت ( مُعلقة ) : فريد . . إسم جميل ، ما أجمل أن يكون الإنسان فريداً فى كل شئ ، الفريد هو الذى لا يكون مثله آخر مثل الوحيد والنادر ، أحب وأعشق الأسماء التى لها معانى جميلة .

قال : إسمك أيضاً جميل ، وله معنى أعشقه .

قالت ( وهى تتعجب ) : وما الجميل فى العذاب ؟  العذاب يعنى الشقاء والمعاناة فى كل شئ .

قال : لا  . . لا . . هناك عذاب ، وهناك عذاب ! !

قالت ( متسائلة ) : وهل العذاب ألوان وأنواع ؟

قال : نعم . . هناك أمّر عذاب  ، وأحلى عذاب .

قالت ( وتبدو على وجهها علامات الأسى ) : وهل هناك  عذاب أمّر مما نحن فيه ؟

قال ( مستنكراً ) : لا . . ولكن هناك عذاب أحلى مما أنتم فيه .

قالت : وما هو يا فليسوف ؟ هات ما عندك ! !

قال (ضاحكاً ) : ألم تسمعى أم كلثوم – قيثارة الشرق – وهى تتمايل و تشدو بصوتها الجميل " أمّر عذاب ، وأحلى عذاب ، عذاب الحب للأحباب " .

قالت ( وهى تضحك بصوت عالى وتتمايل ) : ألم أقل لك أنك فريد ووحيد ونادر ؟

قال : لقد سعدت من نفسى لأننى جعلتك تضحكين من أعماق قلبك وتسعدين .

قالت : يبدو أنك من ذلك النوع من البشر الذين يمكنهم إسعاد الآخرين .

قال ( وهو واثق من نفسه ) : وأستطيع أن أبكيهم أيضاً ، فأنا كاتب ذو خيال وشجون وقلمى متمكن . . .

وعندئذ . . سمع الإثنان صوت موظف شباك التذاكر يصيح : الحجز يا حضرات ! !

وعلى الفور إمتدت يدها داخل الشباك لتأخذ تذكرتها وإستدارت لتمضى ، و تسلم هو الآخر تذكرته وإستدار ، ليجدها قد مضت وسبقته بخطوات ، فأسرع الخطى ليلحق بها ، وصار خلفها وهى تسير ببطء وتتمايل بهدوء ، وتهز رأسها فى سعادة ونشوة ، سمعها وهى تشدو مكررة ما قاله منذ دقائق " أمّر عذاب . . وأحلى عذاب . . عذاب الحب للأحباب " .

هنالك أبطأ الخطى  ، ليتركها تمضى فى طريقها  ، وهو راض كل الرضا فى أعماق نفسه . . . لقد نجح  – وسط كل هذه المعاناة والألم الذى يسكنها – أن يجعلها تغنى وتشدو . .

                               

                                                                         وإلى مقال آخر إن شاء الله .

 

  • سلوى أحمد | 2012-10-20
    اعتقد اننا بحاجة الي ان نري لك اعمالا علي الشاشات قريباعلي استاذ وحيد 
  • القمر في شهر أيلول | 2012-10-19
    هل تقصدين ما تقولينه يا آنسة (ياسمين)؟ هل تعتبرين كلامي تشاؤم؟ لن ألومك لانك لست جادة
  • ياسمين عبد الغفور | 2012-10-19

    أووووه.....يعجبني شهر أيلول..........و لكن لم كل هذا التشاؤم؟؟؟ أستاذ أو آنسة (القمر في شهر أيلول)..أتعرف أن شهر أيلول يدل على التفاؤل..

    لا يهم...

     

    أستاذ (وحيد): أنت كاتب مبدع....لابد أنني محقة في هذا....لأنك تبتكر قصصاً جميلاً يغلب عليها التحليل النفسي......

    • د. وحيد الفخرانى | 2012-10-19
      العزيزة / ياسمين . . أشكر لكِ مطالعتك المستمرة لمقالاتى المتواضعة ، وأشكرك على تعليقك الجميل والرقيق . . وإن شاء الله جميعاً ومعاً إلى الأمام و الأفضل دائماً . .            مع أرق تحياتى .
  • القمر في شهر أيلول | 2012-10-19

    هذا ما تعتقده يا سيد وحيد و الحقيقة غير ذلك   أنت لا تستطيع إنهاء العذاب أو تقليله بهذه المجاملات السطحية...هه...كلام التعاطف و المواساة يمكن أن يقوله (جان فالجان) من رواية البؤساء.  العذاب الجميل؟؟ كيف تستمتع بالعذاب...أقصد عذاب كعذاب الفلسطينيين هوية مجهولة و مصير غامض فقر و حرمان و الفقر يقود إلى الذل

    • د. وحيد الفخرانى | 2012-10-19
      عزيزى أو عزيزتى . . ( الهوية مجهولة ) . . أياً كان الموضوع أهم . . واضح تماماً أن قراءتك للمقال لم تكن متأنية فأرجو قراءته مرة أخرى ليتضح لك الآتى : أولاً : الشكر كل الشكر لك ولكل من قرأ مقالى هذا ، وشكر خاص للإهتمام من جانبك بالتعليق على المقال ، وأياً كان رأيك فيه فأنا أحترمه وأقدره ، حتى لو إختلفت معه ، لأن فى الحوار الراقى الخلاف فى الرأى لا يُفسد للود قضية ، وأنا حريص على هذا الود والتواصل معك . . . ثانياً : أنا لم أقل أن الهدف من المقال هو إنهاء العذاب الذى يعانى منه أشقاؤنا الفسطينيون تحت الإحتلال والقهر والمصير الغامض والفقر والحرمان ، فشمعة واحدة لن تبدد كل ظلام الدنيا الذى يعيشه الفلسطينيون  . . ثالثاً : لو تمعنت قليلاً فى قراءة السطر الأخير من المقال لأدركت على الفور مقصدى منه ، لقد أبطأ الخطى ليتركها فى طريقها تمضى وهو راض فى أعماق نفسه لأنه نجح وسط كل هذه المعاناة والألم التى بداخلها فى أن يجعلها تغنى وتشدو ، ولو للحظات قليلة . . يا عزيزى أو عزيزتى . . لو بطلنا نحلم نموت ، وإذا متنا فلن تتحرر الأرض ولن تنتصر القضية . . الكلمة نور قد تحيى الأمل وتستنهض الهمم وتحيل الحلم إلى واقع ، وأيضاً بعض الكلمات قبور ولا يليق بنا أن نحفر قبورنا بأيدينا ثم نلقى بأنفسنا فيها ونهيل على أحسادنا التراب . . مادامت الفتاة الفلسطينية غنت وشدت إذن هى على قيد الحياة ، صامدة واقفة جامدة مناضلة مقاتلة إلى أن تنتصر ، وبإذن الله سوف تنتصر . . الفتاة فى المقال لم تكن مجرد فتاة ، بل إنها - لمن يعى ويفهم ويستوعب  الأعمال الأدبية جيداً - هى رمز لكل فتى وفتاة ورجل وإمرأة فى فلسطين ، هى رمز للشعب الفلسطينى كله ، الذى يجب علينا جميعاً أن نجعله يغنى ويشدو بأعلى صوته - ما دمنا ضعفاء لا نملك له شيئاً - حتى يحين النصر ، وإلا تركناه يبكى وينوح ثم يبكى وينوح حتى ينهار ويسقط ، وتضيع بسقوطه القضية إلى الأبد . . ونكون نحن الذين قد أسقطناها . . أرجو فهم مقالى جيداً . . مع تحياتى .
  • Fida (عـــــــــــذاب) | 2012-10-19
    جعلتني اعيش احداث القصة بحذافيرها وتمنيت لو انا اللقاء طال والحديث طال
    نعم مصر هي ام الدنيا والدنيا هي فلسطين فمصر ام فلسطين ونعم الام
    اشكرك على المقال
    امر عذاب واحلى عذاب عذاب فلسطين
    اشكرك من اعماقي

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق