]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الفقراء لايحكمون أوطانهم

بواسطة: أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض  |  بتاريخ: 2012-10-16 ، الوقت: 19:21:42
  • تقييم المقالة:

لفت نظرى كم اللافتات التى تحمل صورة مرشح الرئاسة المصرية  والذى صار بعد ذلك رئيس مصر من بعد ثورة يناير ... ملايين من الصور المتناثرة فى ارجاء الوطن لاتخلو حوائط المبانى فيها من ثمة لافتة تحمل صورة الرجل مرشحاً عن الإخوان المسلمين وبمباركة المرشد العام نفسه والتى جعلته محل تقبيل يده من الرئيس القادم وامام الفضائيات العالمية ..

لايُنكر أحد غزارة الإنفاق على أمر ترشيح الرجل بملايين الجنيهات والتى قرر البعض من الاعلاميين ساعتها ان كل قرية من قرى مصر قد تم التخصيص لها من قبل مكتب الارشاد ولأجل الدعاية لمرشحه الرئاسى بآلاف الدولارت  ومن ثم فملايين من الدولارات قد تمَّ انفاقها على الدعاية الانتخابية لمرشح الاخوان الرئاسى..  وهذا يعنى انه ليس بمقدور الفقراء تحمل هذا الكم من الانفاق ليُحاكوا الرجل وحزبه الكبير ..

هنا كان لابد وفى مجتمع تبلغ الأُميَّة فيه مبلغاًً كما ويبلغ الفقر فيه كذلك  من تهافت الفقراء على السلع التموينية الاخوانية والتى تتقدمها بركات الصالحين من أصحاب اللحى والمُبشِّرين برضاء الله على من ينتخب من يُمثِّل ارادة الله  كخليفةٍ له ..

وسط هذا المشهد تبرز حقيقة واحدة هى أن الفقر لايصنع حاكماً وان كان يصنع سياسياًً صارخاً ومعارضاًً مستميتاً ومؤجَّجاً.. إذ الحكم له آليَّاته أولها الملاءة المادية والتى قد تأتى من أبوابٍ عديدة غير تلك التى يودون اقناعنا بها اليوم  من ابواب صناديق الجماعات التكافلية ..

ان فقراء مصر لايملكون ترف هجرتها والتجنس بجنسيات دولٍ اجنبية .. كما وإنهم لايملكون ترف هذا الإنفاق المُذهل لأجل كرسى الحكم  وأضوائه إذ الفقراء لايملكون غير الحكمة  والفلسفة  وإبداء المشورة بل والثورة بأجسادهم ودمائهم على الفاسد من الأنظمة ان احتاج الأمر فهذا هو أقصى دورهم ومصيرهم  لكنهم حتماً لايصلون لحكم شعوبهم بينما فالأغنياء ومن ملكوا مفاتيح الثروة وخزائنها هم فقط الذين يحكمون..

لاتصدِّقوا فقر ناصر والسادات  كفقر آبائكم وأجدادكم فان كنتم لاتصدقون فهل من بين أسلافكم  من كان بمكنة ذويه ادخاله إحدى الكليات العسكرية أيَّام الملكية وقت أن كان خفير الدورية له شأنٌ كبير .. لاتُصدِّقوا مشهد  ساعى البريد الذى أنجب حاكم الشعب ولا حاجب المحكمة الذى أنجب رئيساً حكم البلاد لثلاث عقودٍ متوالية ولاحتى  قصص اليوم  من فقر حاكمكم الثائر فقد كان أحد الأكاديميين من الصفوة لا من الفقراء  وما تلك الروايات التى تسمعون سوى محض أدوات اقناع شعب بان الفقراء يحكمون الأوطان ..

لاتصدقوا قصة الضابطٍ الهاربٍ من السجن السياسى ليعمل عتَّالاً كى يُنفق على عائلته الصابرة ان يتزوج من الجميلة سليلة أحد البلاد الغربية التى أحبَّته .. اذ لم يكن هو ساعتها ذو غناً معدود ولا جمالٍ مشهود ولا مُستقبلًٍ منشود والَّا لصدَّقنا أنها قد إطَّلعت من إحدى قارئات الكف على مستقبله كرئيس البلاد القادم أوصاحب نوبل للسلام ..

فقط صدِّقوا التاريخ والأعمال لهم واحكموا عليها بمعايير الوطنية الخالصة وسوف تجدون لاريب أن ليس من بينهم خائناً أو عميل .. إنما ماأختلف عليه فقط هو روايات الفقر المُدقع والتى صاغها الاعلام  كى يُقنع شعباً بأن من يحكمه  هو من نساج الفقراء والمساكين ..

جرَّنى هذا لأن أبحث عن سيرة غالبية حُكَّام العالم  للإجابة عن مدى إمكانية وصول الفقراء لحكم بلدانهم .. فلم أجد دليلاً واحداً  يُثبت عكس تلك الحقيقة المؤكدة.. وان كانت هناك قصص تتداولها الشعوب فهى من قبيل خيالاتها وابداعاتها فى تدليلها على  حدوثها يُعززها فى ذلك دور الحكام أنفسهم وأدواتهم الإعلامية  بأن الحاكم ينتمى الى سواد الشعب من الفقراء والمُهمَّشين ..

وليس هناك مايمنع ساعتها من ظهور الحكام فى هذه الصورة يستدرُّون تعاطف الشعوب معهم عندما يُسمعونهم قصص الكفاح والبطولة والفقر والعوز والحاجة  وكيف كان الحاكم يبيت وسط  والديه الفقيرين واخوته المساكين يحلمون بشطيرة لحمٍ مُقدَّدة لم ينالوها يوماً كما وسواد الشعب فى كل مكان ..

ليس هناك مايمنع ساعتها أن يُسمعونهم كم  كان الظلم الذى كان هؤلاء الحكام يعانونه أيَّام مناهضتهم للأنظمة السابقة عليهم من سجون واعتقالات  ومداهمةً لبيوتهم وعوائلهم فى  قلب ليالى الشتاء القارسة وكم عانوا  من مكابدة المشاق  حتى وصلوا لما وصلوا اليه .. لتظن الجماهيرالسامعة أن الحاكم الذى يحكمها ساعتها لن يكون أبداً كسابقه وكيف له أن يكون كذلك  وهو الذى سكن بيتاً كأحد بيوتها وربما حتى شقَّةً مستأجرة بأحد الضواحى الفقيرة كمثلها ..

نعم كيف يكون  مثله وهو الذى شعر بمرارة الفقر والعوز والحاجة  وذاق ظلم العدالة الغائبة؟!..

كيف يكون مثله وقد ذاق مرارة الحبس والاعتقال وخنق الحُريَّات ؟!..

كيف يكون مثله وهو الرجل الورع الصالح الذى ليس كسابقه بل يعلم  كيف يفتح قميصه ليدع صدره مكشوفاً من غير وجل  وسط الملايين  من حوله  تحميه عدالته القائمة فيهم  وكذا حب جماهيره التى هو منها ومن نسيجها الاجتماعى الفقير ؟! ..

هنا تصيرُ الصورةُ لُغزاً عندما يحول بين الجماهير والحاكم مئات الجنود المدجَّجين بالأسلحة!!..

هنا تصيرُ الصورة محل استغراب الجميع عندما لاتجد الجماهير عدالةً اجتماعية قد تحققت !!..

هنا تصيرُ الصورة  محل انتباه الجميع  عندما عندما يلمسون خطاباتٍ يومية لاتتناسب وحجم التقدم فى الأفعال والطموح الثورى على الأرض!!.. 

هنا تتبدد القناعات بأن ماكانوا يسمعونه من قصصٍ عن فقر الحاكم  الذى هو من نسيج الشعب  الثائر  إلى محض دعايات انتخابية  ليزداد الفقراء  فقراً ويزداد الاغنياءُ غناًً بينما الأضواء فلاتخفت لحظة حول مثال تواضع الأمس القريب  والذى هو قد بات اليوم أقرب للآخرة منه إلى  الدنيا!!..

لم يحكم فى التاريخ قط  فقيرٌ شعبه إلَّا الأنبياء والخلفاء الراشدين من بعدهم .. فكانوا مثالاً للتواضع .. أقرب للزُهد .. أبعد عن الزهو والأضواء .. فلم يشعر عمر بن عبد العزيز من متاع السلطان كما كان يشعر هو من قبله .. فأودع  كل مايملك  من ماله ومال عائلته بيت مال المسلمين ..

 لقد استبدل الرجل حرير الأمس بخشن اليوم وصوفه .. هكذا كان جده الذى يحاكيه اليوم حكامنا من دون حقيقة فنام تحت شجرة منفرداً من دون حرس بينما هم فلم يبارحوا لحظة جلال المنصب وأُبَّهته ..

لم تتحقق طموحاتنا ياسادة من بعد ثوراتنا باستقدام حكام عادلين متواضعين بكَّاءين  يلتمسون الآخرة عن الدنيا  يكونون للناس أقرب وعن القصور والمركبات الفارهة أبعد ..

لم تتحقق طموحاتنا ياسادة من بعد ثورتنا فى  محو لغة انتقامات الحكام واحلال لغة العفو والمسامحة ولين الجانب ..

اننا لم نستبدل معاوية بمعاوية او يزيد بيزيد فكم كنا بابن عبد العزيز أطمح .. وكيف لإبن عبد العزيز اليوم أن يحكمنا بينما فالفقراءُ لايحكمون من بعده أوطانهم ..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق