]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

خالد بن الوليد (سيف الله المسلول)

بواسطة: أحمد عكاش  |  بتاريخ: 2012-10-12 ، الوقت: 15:33:49
  • تقييم المقالة:

خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ     بقلم: أحمد عكاش

 

(رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)

 

سَيْفُ اللهِ المَسْلُولُ

 

(34 ق.هـ - 21 هـ) (589 – 644 م).

 

هَلْ زُرْتَ مَدِينَةَ (حِمْصَ) يَوْماً يَا سَيِّدِي؟ إِنْ كُنْتَ قَدْ فَعَلْتَ فَهَنِيئاً لَكَ، فَقَدِ ابْتَسَمَ لَكَ الحَظُّ، وَكَحَّلْتَ عَيْنَيْكَ بِمُشَاهَدَةِ أَجْمَلِ مُدُنِ الأَرْضِ وَأَقْدَمِها، وَإِنْ لَمْ تُكُنْ قَدْ فَعَلْتَ، فَلا بَأْسَ عَلَيْكَ، اطْلُبْ إِلَى أَبِيكَ أَنْ يَصْحَبَكَ إِلَيْهَا، فِي وَاحِدَةٍ مِنْ أَوْقَاتِ رَاحَتِكَ القَادِمَةِ، المُهِمُّ فِي الأَمْرِ أَنْ تَراهَا، أَنْ تَرَى (أُمَّ الحِجَارِ السُّودِ)، فَفَوْقَ رَابِيَةٍ صَغِيرَةٍ فِي شَمَالِهَا يَنْهَضُ مَسْجِدٌ مِنْ أَجْمَلِ مَسَاجِدِ الدُّنْيَا، مَسْجِدٌ لَيْسَ بِالكَبيرِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَمْتَازُ بِأَنَاقَتِهِ وَرَوْعَةِ هَنْدَسَتِهِ، وَبِمِئْذَنَتَيْنِ رَشِيقَتَيْنِ تَسْمَرَانِ لَيْلاً مَعَ النُّجُومِ، وَتُنْصِتَانِ نَهاراً لِتَهَامُسِ الغُيُومِ، وَيَزْهُو المَسْجِدُ -أَيْضاً- بِقُبَبِهِ الَّتي تُضْفِي عَلَيْهِ مَهَابَةً وَجَلالاً يَجْعَلانِكَ تَقِفُ أَمَامَهُ، لِتَتَسَاءَلَ: أَيُّ مَسْجِدٍ هَذَا؟. إِنَّهُ مَسْجِدُ الصَّحَابِيِّ الجَليلِ سَيْفِ اللهِ المَسْلُولِ: خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وَهُوَ يَضُمُّ ضَرِيحَهُ وَضَرِيحَ بَعْضِ صَحابَةِ رَسُولِ اللهِ الآخَرِينَ، وَأَمَامَ المَسْجِدِ، عَلَى بُعْدِ بِضْعَةِ أَمْتَارٍ يَشْمَخُ نَصْبٌ تَذْكَارِيٌّ، يُمَجِّدُ مَآثِرَ هَذَا البَطَلِ.

أَظُنُّكَ – يا سيّدي- تَتَطَلَّعُ الآنَ إِلَى مَعْرِفَةِ شَيْءٍ عَنْ سِيرَةِ هَذَا البَطَلِ، لا أَلُومُكَ، لَكِنَّ هَذَا يَحْمِلُنَا لِلْعَوْدَةِ إِلَى قُرُونٍ خَلَتْ، يَعُودُ بِنا هَذا إِلَى مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ، وَإِلَى السّنَوَاتِ الأُولى القَلِيلَةِ الَّتِي بَزَغَتْ فِيها شَمْسُ الإِسْلامِ فِي عَالَمِنَا، كَانَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَها سَيِّدَةَ العَرَبِ فِي تِلْكَ الجَزِيرَةِ المُتَرَامِيَةِ الأَطْرَافِ، وَكَانَ (بَنُو هَاشِمٍ) ذِرْوَةَ قُرَيْشٍ، إِنَّهُمُ السَّنَامُ مِنَ الجَمَلِ، بَلْ قُلِ الشَّمْسَ الوَضَّاءَةَ بَيْنَ أَفْلاكِ السَّمَاءِ قَاطِبَةً، وَكَانُوا عَلَى تَنَافُسٍ دَائِمٍ مَعَ (بَنِي مَخْزُومٍ) عَلَى نَيْلِ قَصَبِ السَّبْقِ فِي السِّيادَةِ وَالمَجْدِ.

فَيُرْوى أَنَّ (الأَخْنَسَ بْنَ شُرَيْقٍ) أَتَى ( عَمْرَو بْنَ هِشَامٍ) المَخْزُومِيَّ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ:

-يَا أَبَا الحَكَمِ مَا رَأْيُكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ قُرْآنِ (مُحَمَّدٍ) ؟.

-مَاذا سَمِعْتُ ؟. تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو (عَبْدِ مُنَافٍ) الشَّرَفَ .. أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا .. وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا .. وَأَعْطَوْا فَأَعْطَيْنَا .. حَتَّى إِذَا ازْدَحَمَتِ الرُّكَبُ وَاسْتَقْبَلْنَا المَجْدَ كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، قَالُوا (مِنَّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ)، فَمَتَى نُدْرِكُ مِثْلَ هَذِهِ ؟. وَاللهِ لا نُؤْمِنُ بِهِ أَبَداً ولا نُصَدِّقُهُ.

إِذَنْ .. لَمْ يَفُتْ (بَنِي مَخْزُومٍ) شَيْءٌ مِنْ شَرَفِ الجَاهِلِيَّةِ إِلاَّ وَقَدْ أَخَذُوا مِنْهُ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَلَكِنْ قَصَّرَ بِهِمْ جَدُّهُمْ (الجَدُّ هُنَا: الحَظُّ) فِي النُّبُوَّةِ فَقَدْ كَانَتْ فِي (بَنِي هَاشِمٍ) وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ نَبِيٌّ، فَانْصَرَفَ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ عَنِ الإِسْلامِ حَسَداً.

وَ(أَبُو سُلَيْمَانَ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَحَدُ بَنِي مَخْزُومٍ هَؤُلاءِ.

حَازَ (أَبُو سُلَيْمَانَ) tالمَجْدَ مِنْ أَطْرَافِهِ كُلِّها، فَأُمُّهُ مِنْ أَعْرَقِ بُيُوتَاتِ العَرَبِ، إِنَّها (لُبَابَةُ الصُّغْرَى بِنْتُ الحَارِثِ الهِلالِيُّةُ) أُخْتُ (مَيْمُونَةَ) أُمِّ المُؤْمِنِينَ زَوْجِ النَّبِيِّ rوَأُخْتُ (لُبَابَةَ الكُبْرَى) زَوْجِ (العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَمِّ النَّبِيِّ r.

أَمَّا أَبُوهُ فَهُوَ (الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ)، ذَلِكَ الرَّجُلُ المَهِيبُ الَّذِي تَزَعَّمَ قُرَيْشاً بَعْدَ وَفَاةِ سَيِّدِهِمْ (عَبْدِ المُطَّلِبِ) وَلَقَّبَتْهُ (قُرَيْشٌ) [رَيْحَانَةَ قُرَيْشٍ]، لَكِنَّهُ وَجَّهَ عَقْلَهُ وَكَيْدَهُ كُلَّهُ لأَذِيَّةِ المُسْلِمِينَ، فَفِي أَحَدِ مَوَاسِمِ الحَجِّ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ (قُرَيْشٍ) فَقَالَ لَهُمْ:

--يَامَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إِنَّ وُفَودَ العَرَبِ سَتَقْدُمُ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ سَمِعُوا بِأَمْرِ صَاحِبِكم هَذا، (يُرِيدُ محمَّداً رَسُولَ اللهِ r)، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْياً، وَلا تَخْتَلِفُوا فَيُكَذِّبَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً.

- فَأَنْتَ يَا (أَبا عَبدِ شَمْسٍ) فَقُلْ، وأَقِمْ لَنا رَأْياً نَقُولُ بِهِ.

- بَلْ أَنْتُمْ فَقُولُوا أَسْمَعْ لَكُمْ.

- نَقُولُ (كَاهِنٌ).

- لا وَاللهِ مَا هُوَ بِكاهِنٍ، لَقَدْ رَأَيْنا الكُهَّانَ، فَمَا هُوَ بِالكَاهِنِ.

- فَنَقُولُ (مجنونٌ).

- فَما هُوَ بمجنونِ، لَقَدْ رَأَيْنا الجُنونَ، وَعَرَفْناهُ، فَما هوَ بوَسْوَسَةِ مجنونٍ.

- فَنَقُولُ (شاعرٌ).

- ما هوَ بِشاعرٍ، لَقَدْ عَرَفْنا الشِّعْرَ كُلَّهُ.. رَجَزَهُ وَهَزَجَهُ.. فَمَا هُوَ بِالشِّعْرِ.

- فَنَقُولُ (سَاحرٌ).

- ما هُوَ بِساحرٍ، لَقَدْ رَأَيْنا السُّحَّارَ وَسِحْرَهُمْ، فَمَا هُوَ بِالسَّاحِرِ.

- فَمَا نَقُولُ يَا (أَبا عَبْدِ شَمْسٍ)؟.

- واللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلاوةً، وَمَا أَنْتُمْ بِقائلينَ مِنْ هذا شَيْئاً إِلاَّ عُرِفَ أَنَّهُ باطِلٌ.

ثُمَّ أَطْرقَ مُفَكِّراً، وَبَعْدَ حِينٍ ليسَ بالقَصيرِ قَالَ:

 - وَإِنَّ أقربَ القَوْلِ فِيهِ لأَنْ تَقُولُوا: (ساحرٌ)، جَاءَ بقوْلٍ هُوَ سِحْرٌ، يُفرِّقُ بِهِ بَينَ المرْءِ وَأَبيهِ، وَبينَ المرْءِ وَأَخيهِ، وَبَيْنَ المرْءِ وَزَوْجِهِ، وبينَ المَرْءِ وعشيرَتِهِ.

وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: }ذَرْنِي وَمنْ خَلَقْتُ وَحِيداً، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً، وَبَنِينَ شُهُوداً، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهيداً، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ: إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ البَشَرِ{.

مِنْ قَوْلِ اللهِ هَذَا يَتَّضِحُ لَنَا - يَا سَيِّدِي – أَنَّ اللهَ قَدْ رَزَقَ (الوَلِيدَ) بَنِينَ عَدِيدِينَ يَعُدُّونَ عَشَرَةً، يَطُوفُونَ بِهِ يَخْدِمُونَهُ يَتَمَلَّى بِهِمْ، وَيَتَمَتَّعُ بِمُشَاهَدَتِهِمْ، وَلا يَحْتَاجُونَ إِلَى السَّفَرِ لِلْكَسْبِ، إِذْ يَتَوَلَّى مَوَالِيهِ وَأُجَرَاؤُهُ التِّجَارَةَ وَالسَّفَرَ، مِنْ هَؤُلاءِ الأَوْلادِ (عُمَارَةُ بْنُ الوَلِيدِ)، كَانَتْ قُرَيْشٌ تَراهُ أَعَزَّ فِتْيَانِهَا وَأَجْمَلَهُمْ وَأَشْعَرَهُمْ، وَقَدْ مَشَتْ بِهِ قُرَيْشٌ إِلَى (أَبِي طَالِبٍ) عَمِّ النَّبِيِّ rلِيَأْخُذَهُ، وَيُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالُوا:

-يَا (أَبَا طَالِبٍ) !هَذَا (عُمَارَةُ بْنُ الوَلِيدِ)، أَنْهَدُ فَتًى فِي قُرَيْشٍ، وَأَشْعَرُهُ وَأَجْمَلُهُ.. فَخُذْهُ .. فَلَكَ عَقْلُهُ وَنُصْرَتُهُ.. فَاتَّخِذْهُ وَلَداً وَأَسْلِمْ لَنَا ابْنَ أَخِيكَ .. فَنَقْتُلَهُ، فَإِنَّما رَجُلٌ بِرَجُلٍ.

قَالَ: لَبِئْسَ مَا تَسُومُونَنِي، أَتُعْطُونِي اِبْنَكُمْ أَغْذُوهُ لَكُمْ، وَأُعْطِيكُمْ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ؟!. هَذَا وَاللهِ لا يَكُونُ أَبَداً.

وَمِنَ الآيَاتِ السَّابِقَةِ يَتَّضِحُ لَنَا – يا سَيِّدِي- أَيْضاً أَنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لِـ (الْوَلِيدِ) مالاً مَمْدُوداً حَتَّى صَارَ مِنْ أَغْنَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَكانَ هُوَ وَأَوْلادُهُ يَكْسُونَ الكَعْبَةَ الشَّرِيفَةَ سَنَةً، وَتَكْسُوهَا قُرَيْشٌ مُجْتَمِعَةً السَّنَةَ التَّالِيَةَ، فَكَانَ يُعَادِلُ قُرَيْشاً كُلَّها.

بَقِيَتْ شَخْصِيَّةٌ مَخْزُومِيَّةٌ أُحِبُّ أَنْ اَعْرِضَها عَلَيْكَ –يَا سِيِّدِي- لأنَّها شَخْصِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ بِعِدَائِها اللَّدُودِ لِلْمُسْلِمِينَ وَلِلرَّسُولِ الكَرِيمِ، إِنَّهُ (عَمْرُ بْنُ هِشَامٍ) ابْنُ عَمِّ (خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ) أَظُنُّكَ قَدْ عَرَفْتَهُ، إِنَّهُ أَبُو الحَكَمِ، وَقَدْ كَنَّاهُ الرَّسُولُ r(أَبَا جَهْلٍ) فَغَلَبَتْ كُنْيَتُهُ هَذِهِ عَلَيْهِ، فَكانَ (أَبُوجَهْلٍ) يَسُومُ المُسْلِمِينَ الأَوَائِلَ العَذَابَ أَلْوَاناً، حَتَّى مَاتَ بَعْضُهُمْ تَحْتَ التَّعْذِيبِ عَلَى يَدَيْهِ الآثِمَتَيْنِ، وَكَانَ يَنْهَى رَسُولَ اللهِ عَنِ الصَّلاةِ فِي بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

(أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى!)

هَذِهِ هِيَ الأُسْرَةُ المَخْزُومِيَّةُ الَّتِي نَشَأَ فِيها بَطَلُنَا (خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ) .. أُسْرَةٌ مَلأَتْ يَدَيْهَا مِنْ كُلِّ عِزٍّ بِحِصَّةِ الأَسَدِ، وَتَنْمِي إِلَى تِلْكَ البُيُوتَاتِ الشَّوَامِخِ فِي تِلْكَ البِقَاعِ.

*

بَحْرٌ مِنَ الرِّمَالِ الذَّهَبِيَّةِ يَمُوجُ أَمَامَ القَافِلَةِ، وَتَحْتَ الأَقْدَامِ شُوَاظٌ (الشُّوَاظُ: وَالشِّوَاظُ بِضَمِّ الشِّينِ وَكَسْرِهَا: اللَّهَبُ الَّذِي لا دُخَانَ فِيهِ) مِنْ نَارٍ، وَالهَوَاءُ لافِحٌ جَافٌّ، وَالرِّجَالُ مُلَثَّمُونَ يُرْسِلُونَ حَوْلَهُمْ نَظَرَاتِهِمُ الكَلِيلَةَ، فَلا تَقَعُ أَبْصَارُهُمْ إِلاَّ عَلَى كُثْبَانٍ لَيْسَتْ مِنْهُمْ بِبَعِيدَةٍ، وَبَيْنَ فَيْنَةٍ وَأُخْرَى يَعِنُّ لَهُمْ سِرْبُ غِزْلانٍ، يَبْدُو لَهُمْ لَحَظَاتٍ ثُمَّ يَخْتَفِي كَمَا تَخْتَفِي بَارَقَةُ الأَمَلِ فِي القَلْبِ المَحْزُونِ، تُومِضُ قَليلاً ثُمَّ تَتَلاشَى، وَقَليلاً مَا كَانَ يَنْتَهِي إِلَى مَسَامِعِهِمْ صَوْتُ عُقَابٍ تَحْتَ أَدِيمِ السَّماءِ الصَّافِيَةِ، كَانَ (أَبُو سُفْيَانَ) قَائِدُ القَافِلَةِ يَسْتَحِثُّها لِيُحَاذِيَ بِها البَحْرَ بَعِيداً عَنْ طَرِيقِها المَأْلُوفَةِ، حَذَراً مِنَ المُسْلِمِينَ –الَّذِينَ وَصَلَتْ إِلَيْهِ أَنْبَاؤُهُمْ – أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ، يَنْشُدُونَ قَافِلَةَ قُرَيْشٍ التِّجَارِيَّةَ هَذِهِ، لِيُعَوِّضُوا بِها أَمْوَالَهُمُ الَّتِي أُكْرِهُوا عَلَى تَرْكِها فِي مَكَّةَ غَنِيمَةً سَهْلَةً لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وَيَبْعَثُ (أَبُو سُفْيَانَ) رَسُولاً يَسْبِقُهُ إِلَى مَكَّةَ يَسْتَنْفِرُهَا لِحِمَايَةِ القَافِلَةِ، فَتَخْرُجُ قُرَيْشٌ بِجَيْشٍ عَرَمْرَمٍ لا لِنَجْدَةِ (أَبِي سُفْيَانَ) وَقَافِلَتِهِ فَحَسْبُ، بَلْ لِتَأْدِيبِ المُسْلِمِينَ حَتَّى لا يَخْطُرَ فِي بَالِهِمُ التَّعَرُّضُ لِقَوافِلِ قُرَيْشٍ ثَانِيَةً..

يَنْطَلِقُ الجَيْشُ القُرَشِيُّ بَزَعَامَةِ (أَبِي جَهْلٍ المَخْزُومِيِّ) ابْنِ عَمِّ (خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ)، تَخْفُقُ الرَّايَة فَوْقَهُ وَهُوَ عَلَى جَوَادِهِ مَزْهُوٌّ كَالطَّاوُوسِ، وَإِلَى جِوَارِهِ فَارِسٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ أَيْضاً، إِنَّهُ (الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ) أَخُو (خَالِدٍ)، وَيَبْعَثُ (أَبُو سُفْيَانَ) إِلَى (أَبِي جَهْلٍ يَقُولُ:

-إِنَّكُمْ إِنَّما خَرَجْتُمْ لِتَحْمُوا جِمَالَكُمْ وَرِجَالَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، وَقَدْ نَجَّاهَا اللهُ فَارْجِعُوا.

وَيُشِيرُ أَشْرَافُ مَكَّةَ عَلَى (أَبِي جَهْلٍ) بِالرُّجُوعِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَنْتَفِخُ دَاخِلَ دِرْعِهِ كِبْراً، وَيَرْكَبُ رَأْسَهُ:

-وَاللهِ لا نَرْجِعُ حَتَّى نَرِدَ بَدْراً، فَنُقِيمَ بِها ثَلاثاً، فَنَنْحَرَ الجَزُورَ، وَنُطْعِمَ الطَّعامَ، وَنَسْقِيَ الخَمْرَ، وَتَعْزِفَ لَنا القِيَانُ، وَتَسْمَعَ بِنا العَرَبُ وَبِمَسِيرِنا وَجَمْعِنا، فَلا يَزَالُونَ يَهَابُونَنا أَبَداً.

وَفِي بَدْرٍ كَانَتِ المَعْرَكَةُ، كَانَتْ جَوْلَةٌ انْتَصَفَ فِيها الإِيمانُ مِنَ الكُفْرِ، وَنَصَرَ اللهُ جُنْدَهُ، قُتِلَ فِيها العَدِيدُ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، وَفِي طَلِيعَتِهِمْ (أَبُو جَهْلٍ) المَخْزُومِيُّ، وَيَطِيرُ نَبَأُ مَصْرَعِهِ إِلَى النَّبِيِّ rفَيُسَرُّ سُرُوراً أَيَّمَا سُرُورٍ، وَيَقُولُ:

 -هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ.

وَيَقَعُ الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ أَخُو خَالِدٍ أَسِيراً، أَسَرَهُ (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ) tوَاقْتَادَهُ مَعَ أُسَارَى قُرَيْشٍ الآخَرِينَ إِلَى المَدِينَةِ، الَّتِي تُزَغْرِدُ فَرَحاً بِالنَّصْرِ المُبِينِ.

وَفِي (مَكَّةُ) يَنْشُرُ الحُزْنُ أَجْنِحَتَهُ السُّودَ عَلَى بُيُوتِهَا، وَيَخْرُجُ مِنْهَا (خَالِدٌ) وَعَمُّهُ (هِشَامٌ) يَفْتَديانِ (الوليدَ بنَ الوليدِ بنِ المُغيرةِ) أَخا (خَالِدٍ) فَافْتدياهُ بِأغلى فِداءٍ افتُدِيَ بِهِ أَسِيرٌ مِنْ قريشٍ، أَرْبَعَةِ آلافِ دِيَنارٍ، ضُحَى اليومِ التّالي غَادرَ الفُرْسَانُ المَخْزُومِيُّونَ المَدِينَةَ، حَتَّى إِذا بَلغُوا (ذَا الحُلَيْفَةِ) يفلتُ (الوليدُ) منْهُما ويأتي النبيَّ rيُعْلنُ إِسلامَهُ، وَيَشْهَدُ بِشَهَادَةِ الإِسْلامِ، ثُمَّ يعودُ إِلَى أخيهِ وعمّهِ؛ فقالَ لهُ خالدٌ:

-هَلاّ كانَ هذا قبلَ أنْ تُفْتَدَى.

-مَا كنْتُ لأُسْلِمَ حَتَّى أُفْتَدَى بِمثْلِ ما افْتُدِيَ بِهِ قَوْمي، حَتَّى لا تَقولَ قريشٌ: إِنَّما اتَّبَعَ مُحمّداً فِراراً مِنَ الفِداءِ.

خَرَجَا بِهِ إِلَى مَكَّةَ وَهُوَ آمِنٌ لَهُمَا، فَحَبَسَاهُ مَعَ سَابِقِيهِ فِي الإِسْلامِ، ثُمَّ أُفْلِتَ (الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ) مِنَ الوَثَاقِ بَعْدَ سَنَواتٍ، وَفَكَّ أَسْرَ قَرِيبَيْهِ (عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ) وَ(سَلَمَةَ بْنِ هِشَامٍ) المَخْزُومِيَّيْنِ، فَقَدِمَ بِهِما المَدِينَةَ، فَعَثَرَ الوَلِيدُ فِي مَشَارِفِ المَدِينَةِ فَقُطِعَتْ إِصْبَعُهُ فَدَمِيَتْ، فَقَالَ:

هَلْ أَنْتِ إِلاَّ إِصْبَعٌ دَمِيَتْ = وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيَتْ

لَكِنَّها إِصَابَةٌ قَاتِلَةٌ، فَقَدِ اسْتُشْهِدَ عَلَى أَثَرِها.

سُقْتُ لَكَ – يَا سَيِّدِي - حَدِيثَ (الوَلِيدِ) لِيَتَبَيَّنَ لَكَ مَا لأُسْرَةِ (خَالِدٍ) المخْزُومِيِّ مِنْ فَضْلٍ عَلَى المُسْلِمِينَ.

فَهَذَا أَحَدُ إِخْوَتِهِ يَقِضِي وَهُوَ يُنْقِذُ أَشِقَّاءَهُ المُسْلِمِينَ مِنْ إِسَارِهِمْ.

لَمْ تَنَمْ قُرَيْشٌ عَنْ ثَأْرِها- عَلَى عَادةِ العَرَبِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَكُلِّ مَكَانٍ- وَسَلَخَتْ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ تَتَأَهَّبُ لِمَعْرَكَةِ الثَّأْرِ، وَجَعَلَتْ تُدَرِّبُ الرِّجَالَ، وَتَسْتَنْفِرُ القَبَائِلَ وَتُنْفِقُ الأَمْوَالَ بِلا حِسَابٍ، فَتَشْتَرِي السِّلاحَ وَتَسْتَأْجِرُ القَتَلَةَ .. ثُمَّ تَحْمِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَى (أُحُدٍ) .. ثَلاثَةُ آلافِ مُقَاتِلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَالحُلَفَاءِ وَالأَحَابِيشِ، اصْطَحَبُوا مَعَهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي اسْتِمَاتَةِ الرِّجَالِ فِي الصِّدَامِ، يَحْمِلُ لِوَاءَهُمْ (بَنُو عَبْدِ الدَّارِ)، فَتُغَنِّيهِمُ النِّسَاءُ:

وَيْهاً بَنِي عَبْدِ الدَّار   =    وَيْهاً حُمَاةَ الأَدْبَار   =   ضَرْباً بِكُلِّ بَتَّار

وَتَارَةً يُغَنِّينَ الجَيْشَ المَكِيَّ قَاطِبَةً:

إِنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ
أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارَقْ

وَنَفْرِشِ النَّمَارِقْ
فِرَاقَ غَيْرِ وَامِقْ

 (النَّمَارِقُ: جَمْعُ (النُّمْرُقُ)، وَهِيَ الوِسَادَةُ وَالمُتَّكَأُ).

(الوامِقُ: المُحِبُّ، وَمِقَهُ يَمِقُهُ: أَحَبَّهُ يُحِبُّهُ).

أُحُدٌ: وَصَلَتْ أَنْبَاءُ جَيْشِ (أَبِي سُفْيَانَ) إِلَى رَسُولِ اللهِ rفَبَاتَتِ المَدِينَةُ فِي اِسْتِنْفَارٍ عَامٍّ، إِنَّها تَغْلِي غَلَيَانَ المِرْجَلِ، لا يُفَارِقُ رِجَالَها السِّلاحُ حَتَّى وَهُمْ فِي الصَّلاةِ تَحَسُّباً لِلطَّوَارِئِ، وَقَامَتْ مُفْرَزَةٌ مِنْهُمْ تَحْرُسُ رَسُولَ اللهِ rوَتَبِيتُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ بِالسِّلاحِ، وَقَامَتْ عَلَى مَدَاخِلِ المَدِينَةِ مُفْرَزَاتٌ تَحْرُسُها حَذَراً مِنْ أَنْ يُؤْخَذُوا عَلَى حِينِ غِرَّةٍ.

صَبِيحَةَ يَوْمِ السَّبْتِ السَّابِعِ مِنْ شَهْرِ شَوَّالَ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، كَانَ جَيْشُ النُّورِ بِقِيادَةِ رَسُولِ الهِدَايَةِ قَدْ وَصَلَ إِلَى الشِّعْبِ مِنْ جَبَلِ (الشّعْبُ فِي الجَبَلِ: الفُرْجَةُ فِيهِ، وَالطَّرِيقُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ) (أُحُدٍ) كَانَ قِوَامُ الجَيْشِ سَبْعَ مِائَةِ مُقَاتِلٍ، فَعَسْكَرَ الجَيْشُ مُسْتَقْبِلاً المَدِينَةَ، جَاعِلاً ظَهْرَهُ إِلَى هِضَابِ جَبَلِ (أُحُدٍ) وَصَارَ جَيْشُ العَدُوِّ فَاصِلاً بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَبَيْنَ المَدِينَةِ، فَانْتَخَبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَصِيلَةً مِنَ الرُّمَاةِ المَاهِرِينَ قِوَامُها خَمْسُونَ رَامِياً، وَأَسْنَدَ قِيَادَتَهَا إِلَى (عَبْدِ اللهِ بْنِ جُبَيْرٍ) وَأَمَرَهُمْ بِالتَّمَرْكُزِ عَلَى جَبَلٍ يَقَعُ شَرْقِيَّ مُعَسْكَرِ المُسْلِمِينَ عَلَى بُعْدِ حَوَالَيْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِتْراً مِنْ مَقَرِّ الجَيْشِ الإِسْلامِيِّ، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَائِدِهِمْ (عَبْدِ اللهِ):

-اِنْضَحِ الخَيْلَ عَنَّا بِالنَّبْلِ، لا يَأْتُونَ مِنْ خَلْفِنَا، إِنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا، فَاثْبُتْ مَكَانَكَ لا نُؤْتَيَنَّ مِنْ قِبَلِكَ.

ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرُّمَاةِ:

-اُحْمُوا ظُهُورَنَا، إِنْ رَأَيْتُمُونا تَخْطِفُنَا الطَّيْرُ فَلا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَوْمَ وَوَطَأْنَاهُمْ فَلا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ.

بِهَذَا - سَيِّدِي – سَدَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُقْطَةَ الضَّعْفِ الوَحِيدَةَ الَّتِي يُمْكِنُ لِفُرْسَانِ قُرَيْشٍ أَنْ يَتَسَلَّلُوا مِنْ وَرَائِها وَيُطَوِّقُوا جَيْشَ المُسْلِمِينَ.

جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَيْمَنَةِ الجَيْشِ (المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو) وَعَلَى المَيْسَرَةِ (الزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ)، يُسَانِدُهُ (المِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ) وَمَهَمَّةُ (الزُّبيْرِ) الصُّمُودُ فِي وَجْهِ فُرْسَانِ (خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ) وَكَانُوا يَعُدُّونَ مِائَةً، أَجَلْ -يَا سَيِّدِي- فَقَدْ كَانَ (خَالِدٌ) قَائِدَ مَيْمَنَةِ الجَيْشِ المَكِيِّ المُشْرِكِ، وَفِيهَا مِائَةُ فَرَسٍ، وَقَرِيبُهُ (عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ) عَلَى مَيْسَرَتِهِ، وَقَرِيبُهُما المَخْزُومِيُّ (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ) عَلَى رُمَاةِ النَّبْلِ، وَكَانَتْ قِيَادَةُ جَيْشِ الشِّرْكِ هَذَا إِلَى (أَبِي سُفْيَانَ، صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ).

وَتَدَانَى الجَيْشَانِ .. وَاندَلَعَتْ أَلْسِنَةُ النَّارِ، فَوْقَ ذَاكَ السَّهْلِ المُنْبَسِطِ، قَرِيباً مِنْ سَفْحِ (أُحُدٍ)، تَأَجَّجَتْ هُنَاكَ نَارُ الحَرْبِ، كَمَا لَمْ تَتَأَجَّجْ مِنْ قَبْلُ لِلْحَرْبِ نَارٌ، وَجَعَلَ مِنْجَلُ المَوْتِ يَحْصُدُ رُؤُوساً مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَمَا لَمْ يَحْصُدْ مِنْ قَبْلُ، أَرَأَيْتَ أَرْجالَ جَرَادٍ يَوْماً يَا سَيِّدِي؟ مِثْلَ ذَلِكَ كَانَ النَّبْلُ يُرْمَى عَلَى الجَانِبَيْنِ، للهِ دَرُّكَ يَا (أُحُدُ)، يَا جَبَلاً أَحَبَّكَ رَسُولُ اللهِ r، للهِ دَرُّكَ وَأَنْتَ تَرَى المُسْلِمِينَ قَرِيباً مِنْكَ يَطْلُبُونَ المَوْتَ، وَ يَحْرِصُونَ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَإِذَا بِعَدُوِّهِمْ يَجْبُنُ عَنْهُمْ، للهِ دَرُّكَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ رَسُولَ اللهِrيَدْعُو أَصْحَابَهُ الأَبْطَالَ إِلَى الصَّبْرِ وَالمُصَابَرَةِ، للهِ دَرُّكَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ (اللهُ أَكْبَرُ) تَتَجَاوَبُ أَصْدَاؤُها فِي جَنَبَاتِكَ جَلِيلَةً رَائِعَةً تَكَادُ صُخُورُكَ تَهْتَزُّ لَهَا طَرَباً، كَانَتْ رُوحُ الإِيمانِ قَدْ سَادَتْ صُفُوفَ المُسْلِمِينَ، فَانْطَلَقُوا خِلالَ جُنُودِ الشِّرْكِ انْطَلاقَ الفَيَضانِ، تَتَقَلَّعُ أَمَامَهُ السُّدُودُ وَهُمْ يَتَنَادَوْنَ: (أَمِتْ .. أَمِتْ)؛ فَقَدْ كَانَ هَذَا شِعَارَهُمْ يَوْمَ (أُحُدٍ).

كَانَ (بَنُو عَبْدِ الدَّارِ) حَمَلَةُ لِوَاءِ المُشْرِكِينَ قَدْ أُبِيدُوا عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ، وَبَقِيَ لِوَاءُ الشِّرْكِ مَرْمِيّاً، عَلَى الأَرْضِ طَعِينَ الكِبْرِيَاءِ، وَقَدْ هَجَمَ فُرْسَانُ (مَكَّةَ) بِقِيَادَةِ (خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ) يُسَانِدُهُ (أَبُو عَامِرٍ الفَاسِقُ)[1] ثَلاثَ مَرَّاتٍ لِيُحَطِّمُوا جَنَاحَ الجَيْشِ الإِسْلامِيِّ الأَيْسَرِ، حَتَّى يَتَسَرَّبُوا إِلَى ظُهُورِ المُسْلِمِينَ، لَكِنَّ الرُّمَاةَ عَلَى سَفْحِ الجَبَلِ بِقِيَادَةِ( عَبْدِ اللهِ بْنِ جُبَيْرٍ) رَشَقُوهُمْ بِالنَّبْلِ حَتَّى أَخْفَقَتْ هَجَمَاتُهُمْ، فَاعْتَلَى (خَالِدٌ) وَ(أَبُو عَامِرٍ) رَبْوَةً قَرِيبَةً يَتَأَمَّلانِ سَيْرَ المَعْرَكَةِ مِنْ عَلٍ، فَقَالَ (أَبُو عَامِرٍ):

-أَنا لَمْ أَشْهَدْ مِنْ قَبلُ قِتالاً بِهذِهِ الشَّراسَةِ يَا (أَبا سُليمانَ).

خالدٌ: صَدَقْتَ يَا أَبَا عَامِرٍ هَذَا لَيْسَ قتالاً، مَا نَشْهَدُهُ أَقْرَبُ إِلَى أَنْ يَكُونَ مَجْزَرَةَ دَمٍ.

أَبُو عَامِرٍ: هَا هُمْ جُنْدُنا يُوَلُّونَ الأَدْبارَ، فَما وُقُوفُنا هُنا يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟.

خالدٌ: أرجُو أنْ أَجِدَ مَنْفَذاً أَعْبُرُ مِنْهُ إِلَى مُؤَخِّرَةِ هَؤُلاءِ الصَّابِئينَ (الصَّابِئُ: المُرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ).

أَبُو عَامِرٍ: هَيْهاتَ لِما تَسْعَى، حُسِمَتِ المعركةُ .. هُزِمْنا، هَلُمَّ يَا (خَالِدُ) .. إِنَّي نَاجٍ بِحَياتي.

خالدٌ (فَرِحاً): لَمَّا تُحْسَمْ بَعْدُ؛ انْظُرْ .. جَاءَتْ تَسْعَى عَلَى قَدَمَيْهَا يَا أَبَا عَامِرٍ، انْظُرْ إِلَى رُماةِ النَّبْلِ، غَادَرُوا مَواضِعَهُمْ عَلَى الجَبَلِ، وَجعلُوا يجْمَعُونَ الغَنائِمَ، هَذِهِ الَّتِي أَسْعَى إِلَيْهَا مُنْذُ حِينٍ، هذهِ فُرصَتُنا الذَهَبِيَّةُ سَنَحَتْ، هَلُمَّ وَرائِي ...

رَأَى رُمَاةُ النَّبْلِ مُقَاتِلَةَ المُسْلِمِينَ يَنْتَهِبُونَ غَنَائِمَ العُدُوِّ، فَغَلَبَتْ عَلَيْهِمْ مَحَبَّةُ الدُّنْيَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:

-الغَنِيمَةَ .. الغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ، فَمَاذَا تَنْتَظِرُونَ ؟!.

وَانْحَدَرُوا يَجْمَعُونَ الغَنَائِمَ، وَقَائِدُهُمْ يُنَادِيهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ:

-أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ r؟.

لَكِنَّهُمْ لا يُعِيرُونَ نِدَاءَهُ الْتِفاتاً، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْهُمْ مَعَ (عَبْدِ اللهِ بْنِ جُبَيْرٍ) إِلاَّ تِسْعَةٌ فَقَطْ.

وَ(خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ) ذُو العَبْقَرِيَّةِ الفَذَّةِ فِي القِتَالِ، لا يَدَعُ مِثْلَ هَذِهِ الفُرْصَةِ الذَّهَبِيَّةِ تُفْلِتُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ؛ اِسْتَدَارَ بِسُرْعَةٍ خَاطِفَةٍ حَتَّى وَصَلَ إِلَى مُؤَخِّرَةِ الجَيْشِ الإِسْلامِيِّ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَبَادَ (عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ) وَأَصْحابَهُ.

ثُمَّ زَحَفَ عَلَى المُسْلِمِينَ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَأَطْلَقَ فُرْسَانُهُ صَيْحَةً تَنَاهَتْ إِلَى آذَانِ المُشْرِكِينَ الفَارِّينَ، فَعَرَفُوا أَنَّ شَيْئاً جَديداً قَدْ وَقَعَ، فَالْتَفَتَتْ أَعْنَاقُهُمْ، فَرَأَوْا لِوَاءَهُمْ مَرْفُوعاً، رَفَعَتْهُ (عَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ الحَارِثِيَّةُ)، فَثَنَوْا أَعِنَّةَ خَيْلِهِمْ والْتَفُّوا حَوْلَها، وَانْقَلَبُوا عَلَى المُسْلِمِينَ.

لا تَسَلْ - يَا سَيِّدِي – عَمَّا أَسْفَرَتْ عَنْهُ عَبْقَرِيَّةُ (خَالِدٍ) العسكريّةُ، لا تَسَلْ عَنْ حَالِ المُسْلِمِينَ حِينَها، فَهُوَ مِمَّا يُؤْلِمُ القَلْبَ، كَثِيرُونَ مِنْهُمْ تَرَكُوا أَرْضَ المَعْرَكَةِ وَفَرُّوا إِلَى المَدِينَةِ حَتَّى دَخَلُوها، أَوِ اخْتَبَؤُوا خَارِجَهَا خَجَلاً مِنَ النَّاسِ، كَثِيرُونَ مِنْهُمْ أَلْقَوُا السِّلاحَ وَجَلَسُوا عَلَى الأَرْضِ لا يَدْرُونَ مَا يَفْعَلُونَ، وَالَّذِي زَادَ كَرْبَهُمْ كَرْباً، وَحَيْرَتَهُمْ حَيْرَةً، أَنَّهُمْ سَمِعُوا صَائِحاً يَصِيحُ:

-إِنَّ مُحَمَّداً قَدْ قُتِلَ.

كَانَ نَبَأُ مَقْتَلِهِ rوَهْماً تَوَهَّمَهُ أَحَدُ المُشْرِكِينَ، لَكِنَّ الصَّيْحَةَ فَتَّتْ فِي عَضُدِ المُسْلِمِينَ، وَأَوْهَتْ(أَوْهَتْ: أَضْعَفَتْ، الوَاهِي: الضَّعِيفُ) مَا بَقِيَ فِيهِمْ مِنْ عَزِيمَةٍ.

وَلا تَسَلْ عَنْ شَجَاعَةِ رَسُولِ اللهِ rالَّتِي تَجَلَّتْ وَسْطَ حَوْمَةِ المَوْتِ هَذِهِ، لَقَدْ تَهَدَّدَهُ المَوْتُ حَقّاً فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْقِفٍ، لَكِنَّ رَبَاطَةَ جَأْشِهِ rمُنْقَطِعَةُ النَّظِيرِ، إِنِّي لأَجِدُ صُعُوبَةً فِي نَقْلِ مَا أَحَاقَ بِهِ مِنَ الخَطَرِ، فَهُوَ مِمَّا يَسْتَثِيرُ الأَسَى، لَكِنْ يَكْفِيني أَنْ أَقُولَ لَكَ إِنَّهُ rقَدْ غَشِيَهُ الإِغْمَاءُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَشُجَّ رَأْسُهُ الشَّرِيفُ، وَدَخَلَتْ حَلَقَتا الدِّرْعِ فِي جَبِينِهِ، وَكُسِرَتِ اثْنَتَانِ مِنْ أَسْنَانِهِ الرَّبَاعِيَّةِ ..،وَبَعْدَ أَنْ تَحَاجَزَ الجَيْشَانِ، جَنَى (أَبُو سُفْيَانَ) ثِمَارَ المَعْرَكَةِ، إِذِ اعْتَلَى الجَبَلَ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ مُتَفَاخِراً لِيُسْمَعَ المُسْلِمِينَ:

-يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ.

لِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ – يَا سَيِّدِي – كَثِيراً مَا يُقَالُ:

(إِنَّ (خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ) tلَمْ يَنْهَزِمْ فِي مَعْرَكَةٍ قَطُّ، لا فِي جَاهِلِيَّتِهِ وَلا فِي إِسْلامِهِ).

خَسِرَ المسلمونَ مَعْرَكةَ أُحُدٍ، لَكِنَّهُمْ كَسِبُوا دَرْساً نَافِعاً: إِنَّ النَّصْرَ المُظَفَّرَ لا يَكُونُ إِلاَّ بِطَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ.

عَادَ (خالدٌ) مَعَ فُرْسَانِهِ إِلَى مَكَّةَ مُغْتَبِطاً، فَإِنْ فَاتَتْهُ هَزيمَةُ قُرَيْشٍ فِي بَدْرٍ، إِذْ كَانَ يَوْمَها فِي تِجارَةٍ لأَبيهِ فِي بِلادِ الشَّامِ، لَمْ يُخْطِئْهُ النَّصْرُ فِي أُحُدٍ.

الخَنْدَقُ: وَجَاءَتْ غَزْوَةُ الخَنْدَقِ وَلا يَزَالُ (خَالِدٌ) مُنْضَوِياً تَحْتَ لِوَاءِ الشِّرْكِ، فَيُقَالُ إِنَّ (خَالِداً) وَ(عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ) وَنَفَراً مَعَهُما دَنَوْا مِنَ الخَنْدَقِ لِيَقْتَحِمُوهُ، فَرَشَقَهُمُ المُسْلِمُونَ بِنِبَالِهِمْ فَرَدُّوهُمْ، وَنَصرَ اللهُ جُنْدَهُ بِالرِّيحِ وَالبَرْدِ وَاخْتِلافِ الأَحْزَابِ.

الحُدَيْبِيَةُ: خَرَجَ الرَّسُولُ rعَام الحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُ زِيَارَةَ بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ فِي عُمْرَةٍ، حَتَّى كَانَ فِي (عُسْفَانَ) لَقِيَهُ (بِشْرُ بْنُ سُفْيَانَ الكَعْبِيُّ) فَقَالَ:

-يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ قُرَيْشٌ سَمِعَتْ بِمَسِيرِكَ فَخَرَجُوا يُعَاهِدُونَ اللهَ لا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ أَبَداً، وَهَذَا (خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ) فِي خَيْلِهِمْ.

فَقالَ رَسُولُ اللهِ r:

-يَا وَيْحَ قَرَيْشٍ، لَقَدْ أَكَلْتُهُم الحَرْبُ.

وَلَقَدْ هَمَّ (خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ) أَنْ يُهَاجِمَ المُسْلِمِينَ وَهُمْ فِي صَلاةِ العَصْرِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ rبِالمُسْلِمِينَ صَلاةَ الخَوْفِ، فَفَوَّتَ عَلَى (خَالِدٍ) مَا نَوَى.

أَلا تَرَى مَعِي -يَا سَيِّدِي- أَنَّ اللهَ يَحْمِي المُسْلِمِينَ وَيَنْصُرُهُمْ؟!.

ثُمَّ قَدَّرَ اللهُ أَنْ يَعْقِدُ النَّبِيُّ rمَعَ (مَكَّةَ) صُلْحَ (الحُدَيْبِيَةِ) الَّذِي عَادَ بِالخَيْرِ عَلَى الإِسْلامِ وَالمُسْلِمِينَ.

يَأْتِي بِهِ اللهُ:

رَأَيْنا فِيمَا سَبَقَ بَلاءَ (خَالِدٍ) فِي صُفُوفِ المُشْرِكِينَ، لَكِنْ .. أَمَا آنَ لِهَذَا الفَارِسِ الشَّارِدِ عَنِ الحَقِّ، أَنْ يَأْوِيَ إِلَى حَظِيرَةِ الإِيمَانِ؟ وَأَنْ يَكُونَ سَيْفُهُ مَصْلَتاً عَلَى رِقَابِ الظَّالِمِينَ، لا عَلَى رِقَابِ المَظْلُومِينَ، أَمَا آنَ لِصَاحِبِ عَقْلٍ كَعَقْلِ (خَالِدٍ) أَنْ يَهْتَدِيَ إِلَى النُّورِ؟ أَنْصِتْ مَعِي -يَا سَيِّدِي- إِلَى مَا قَالَهُ (خَالِدٌ) نَفْسُهُ فِي هَذَا الصَّدَدِ:

- لَمَّا أَرَادَ اللهُ بِي مِنَ الخَيْرِ مَا أَرَادَ، قَذَفَ فِي قَلْبِي حُبَّ الإِسْلامِ، وَحَضَرَنِي رُشْدِي، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ rإِلَى (الحُدَيْبِيَةِ) خَرَجْتُ فِي خَيْلِ قُرَيْشٍ، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللهِ rفِي أَصْحَابِهِ بِـ (عُسْفَانَ) فَقُمْتُ بِإِزَائِهِ وَتَعَرَّضْتُ لَهُ، فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الظُّهْرَ إِمَاماً، فَهَمَمْنَا أَنْ نُغِيرَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُقَدَّرْ لَنَا، فَاطَّلَعَ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِنَا مِنَ الهُجُومِ عَلَيْهِ، فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ العَصْرَ صَلاةَ الخَوْفِ، فَوَقَعَ ذَلِكَ مِنِّي مَوْقِعاً، وَقُلْتُ: (الرَّجُلُ مَمْنُوعٌ). (الرَّجُلُ مَمْنُوعٌ: أَيِ اللهُ يَحْمِيهِ).

قُلْتُ فِي نَفْسِي: أَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ؟ أَيْنَ المَذْهَبُ؟ وَبَيْنَمَا أَنَا عَلَى ذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ rفِي عُمْرَةِ القَضَاءِ، وَتَغَيَّبْتُ فَلَمْ أَشْهَدْ دُخُولَهُ، وَكَانَ أَخِي (الوَلِيدُ) قَدْ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ r، فَطَلَبَنِي فَلَمْ يَجِدْنِي، فَكَتَبَ إِلَيَّ كِتَاباً جَاءَ فِيهِ:

[بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَعْجَبَ مِنْ ذَهَابِ رَأْيِكَ عَنِ الإِسْلامِ، وَعَقْلُكَ عَقْلُكَ، وَمِثْلُ الإِسْلامِ يَجْهَلُهُ أَحَدٌ؟ وَقَدْ سَأَلَنِي رَسُولُ اللهِ rفَقَالَ:

-أَيْنَ خَالِدٌ؟.

فَقُلْتُ: يَأْتِي بِهِ اللهُ.

فَقَالَ:

-مَا مِثْلُ (خَالِدٍ) يَجْهَلُ الإِسْلامَ، وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ وَحَدَّهُ مَعَ المُسْلِمِينَ عَلَى المُشْرِكِينَ لَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَلَقَدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ.

فَاسْتَدْرِكْ يَا أَخِي مَا فَاتَكَ، فَقَدْ فَاتَتْكَ مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ].

فَلَمَّا جَاءَنِي كِتَابُهُ نَشِطْتُ لِلْخُرُوجِ، وَزَادَنِي رَغْبَةً فِي الإِسْلامِ، وَسَرَّتْنِي مَقَالَةُ رَسُولِ اللهِ r].

وَانْطَلَقَ مُهَاجِراً إِلَى المَدِينَةِ فِي غُرَّةِ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلهِجْرَةِ وَفِي الطَّرِيقِ إِلَيْهَا الْتَقَى بِـ(عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ) ثُمَّ بِـ (عَمْرِو بْنِ العَاصِ) فَقَالَ عَمْرٌو:

-مَرْحَباً بِالقَوْمِ.

قُلْنَا: وَ بِكَ.

قَالَ: أَيْنَ مَسِيرُكُمْ؟.

قُلْنَا: مَا أَخْرَجَكَ أَنْتَ؟.

قَالَ: فَمَا الَّذِي أَخْرَجَكُمْ أَنْتُمْ؟.

قُلْنَا : الدُّخُولُ فِي الإِسْلامِ وَاتِّباعُ مُحَمَّدٍ.

قَالَ: وَذَاكَ الَّذِي أَقْدَمَنِي.

وَسَارَ الرَّكْبُ الصَّغِيرُ إِلَى المَدِينَةِ، وَفِي مَشَارِفِهَا يَسْبِقُهُمُ الخَبَرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ rفَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ الشَّرِيفُ بِشْراً كَالقَمَرِ، وَأَعْلَنَ لِلمُسْلِمِينَ:

-رَمَتْكُمْ مَكَّةُ بِأَفْلاذِ كَبِدِهَا.

وَلَمَّا مَثُلَ (خَالِدٌ) بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ، قَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

-الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَاكَ، قَدْ كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلاً رَجَوْتُ أَلاَّ يُسْلِمَكَ إِلاَّ إِلَى خَيْرٍ.

قَالَ خَالِدٌ: اِسْتَغْفِرْ لِي كُلَّ مَا أَوْضَعْتُ فِيهِ (أَوْضَعْتُ فِيهِ: أَيْ أَفْسَدْتُ فِيهِ) مِنْ صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ.

فَقَالَ r: إِنَّ الإِسْلامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ (يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ: يَقْطَعُهُ)، اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِـ (خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ).

رَابُعُهُمْ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ:

مُؤْتَةُ : ثَلاثَةُ آلافِ مُقَاتِلٍ مُسْلِمٍ يَتَهَيَّؤُونَ لِلخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ فِي جُمَادَى الأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ، ثَلاثَةُ آلافِ مُقَاتِلٍ أَكْبَرُ جَيْشٍ إِسْلامِيٍّ، لَمْ يَجْتَمِعْ قَبْلُ مِثْلُهُ إِلاَّ فِي غَزْوَةِ (الأَحْزَابِ)، وَيَخْرُجُ القَوْمُ يُوَدِّعُونَ الجَيْشَ وَيَخْرُجُ مَعَهُمُ النَّبِيُّ rمُوَدِّعاً، وَقَدْ جَعَلَ إِمَارَةَ الجَيْشِ لِمَوْلاهُ (زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ) وَيَعْقِدُ لِوَاءً أَبْيَضَ يَدْفَعُهُ لَهُ، وَيَقُولُ لَهُمْ:

-أَمِيرُ النَّاسِ (زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ)، فَإِنْ قُتِلَ فَـ (جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ)، فَإِنْ قُتِلَ فَـ (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ)، فَإِنْ قُتِلَ فَلْيَرْتَضِ المُسْلِمُونَ مِنْهُمْ رَجُلاً فَلْيَجْعَلُوهُ عَلَيْهِمْ.

فَوَثَبَ (جَعْفَرُ) tوَقَالَ:

- يَا رَسُولَ اللهِ مَا كُنْتُ أَذْهَبُ أَنْ تَسْتَعْمِلَ عَلَيَّ (زَيْداً).

قَالَ r: اِمْضِ فَإِنَّكَ لا تَدْرِي أَيُّ ذَلِكَ خَيْرٌ.

وَيُوَاكِبُ رَسُولُ اللهِ rالجَيْشَ حَتَّى بَلَغَ (ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ) فَوَقَفَ وَوَدَّعَهُمْ.

سَارَ الجَيْشُ المُحَمَّدِيُّ وَوُجْهَتُهُ قَرْيَةُ (مُؤْتَةَ) قُرْبَ (بَلْقَاءِ الشَّامِ) لِيُؤَدِّبَ (هِرَقْلَ) عَظِيمِ (بُصْرَى) لأَنَّ (شُرَحْبِيلَ بْنَ عَمْرٍو الغَسَّانِيَّ) عَامِلَهُ عَلَى (البَلْقَاءِ) قَتَلَ (الحَارِثَ بْنَ عُمَيْرٍ الأَزْدِيَّ) مَبْعُوثَ رَسُولِ اللهِ rإِلَى (هِرَقْلَ).

سَارَ الجَيْشُ يَقْطَعُ الفَيَافِيَ وَالقِفَارَ، إِلَى أَنْ حَطَّ رِحَالَهُ فِي (مَعَانَ) مِنْ أَرْضِ الشَّامِ, (مَعَانُ: بَلْدَةٌ هِي الآن فِي المَمْلَكَةِ الأُرْدُنِيَّةِ الهَاشِمِيَّةِ) وَهُنَاكَ يَا سَيِّدِي وَجَدَ المُسْلِمُونَ أَنَّهُمْ فِي مَوْضِعٍ وَحَالٍ لا يُحْسَدُونَ عَلَيْهَا، وَجَدُوا (هِرَقْلَ) قَدْ حَشَدَ لَهُمْ مِائَةَ أَلْفٍ مِنَ الرُّومِ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ مِنْ عَرَبِ (لَخْمٍ) وَ(جُذَامٍ) وَ(بَهْراءَ) وَغَيْرِهِمْ مِائَةُ أَلْفٍ أُخْرَى، آهٍ يَا سَيِّدِي! إِلَى مَتَى نَجِدُ بَيْنَنَا مَنْ يُوَالِي الكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ؟.

قَالَ أَحَدُ المُسْلِمِينَ: مَا أَكْثَرَ (الرُّومَ) وَأَقَلَّ المُسْلِمِينَ.

قَالَ لَهُ خَالِدٌ: بَلْ مَا أَقَلَّ (الرُّومَ) وَأَكْثَرَ المُسْلِمِينَ، إِنَّ الجُيُوشَ إِنَّمَا تَكْثُرُ بِالنَّصْرِ وَتَقِلُّ بِالخِذْلانِ.

أقام المُسْلِمُونَ فِي (مَعَانَ) لَيْلَتَيْنِ يُفَكِّرُونَ فِي أَمْرِهِمْ وَقَالُوا:

-نَكْتُبُ إِلَى رَسُولِ اللهِ rفَنُخْبِرَهُ بِعَدَدِ عَدُوِّنَا، فَإِمَّا أَنْ يَمُدَّنَا بِالرِّجَالِ، وَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَنَا بِأَمْرِهِ فَنَمْضِيَ لَهُ.

فَقَامَ مْنُهُمْ (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) خَطِيباً يُشَجِّعُ النَّاسَ:

-يَا قَوْمُ ! وَاللهِ إِنَّ الَّتِي تَكْرَهُونَ لَلَّتِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ، وَمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بَعُدَدٍ وَلا قُوَّةٍ وَلا كَثْرَةٍ، مَا نُقَاتِلُهُمْ إِلاَّ بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللهُ بِهِ، فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا هِيَ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ؛ إِمَّا ظُهُورٌ وَإِمَّا شَهَادَةٌ.

فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ – وَاللهِ - صَدَقَ ابْنُ رَوَاحَةَ.

فَمَضَى النَّاسُ يُقَاتِلُونَ.

وَالآنَ -يَا سَيِّدِي- لِنَتْرُكِ الجَيْشَ يُقَاتِلُ وَلْنَعُدِ إِلَى رَسُولِ اللهِ rفِي المَدِينَةِ فَقَدْ صَعِدَ rالمِنْبَرَ وَقَالَ - وَعيناه تذرفان- مُخْبِراً بِالوَحْيِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى النَّاسِ الخَبَرُ مِنْ سَاحَةِ القِتَالَ:

-أَخَذَ الرَّايَة زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا (جَعْفَرُ) فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا (ابْنُ رَوَاحَةَ) فَأُصِيبَ، حَتَّى أَخَذَ الرَّايَة سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ، حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِهِ.

كَانَ هَذَا -يَا سَيِّدِي - نَقْلاً مُبَاشِراً لِلأَحْداثِ الَّتِي تَجْرِي سَرِيعَةً مُتَلاحِقَةً فِي مُؤْتَةَ، فِي يَوْمِهَا الأَوَّلِ، وَلْنُغَادِرِ الآنَ النَّبِيَّ rوَصَحَابَتَهُ يَبْكُونَ فِي المَدِينَةِ، وَلْنَعُدْ عَلَى جَنَاحِ السُّرْعَةِ إِلَى أَرْضِ المَعْرَكَةِ، فَبَعْدَ مَقْتَلِ القَادَةِ الثَّلاثَةِ ابْتَدَرَ الرَّايَةَ (ثَابْتُ بْنُ أَقْرَمَ العَجْلانِيُّ) حَلِيفُ الأَنْصَارِ فَيَرْكُزُ اللِّوَاءَ فِي الأَرْضِ، وَيَصِيحُ فِي النَّاسِ: إِلَيَّ أَيُهَا النَّاسُ، يَالَلأَنْصَارِ.

فَجَعَلُوا يَثُوبُونَ إِلَيْهِ (يَثُوبُونَ إِلَيْهِ: يَعُودُونَ وَيَرْجِعُونَ)، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ اِصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ.

فَقَالُوا: أَنْتَ.

قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ.

ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ، فَوَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى (خَالِدٍ) فَقَالَ: يَا (أَبَا سُلَيْمَانَ) خُذِ اللِّوَاءَ.

-لا آخُذُهُ؛ أَنْتَ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي، لَكَ سِنُّ، وَقَدْ شَهِدْتَ بَدْراً.

قَالَ ثَابِتٌ: خُذْ أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَوَاللهِ مَا أَخَذْتُهُ إِلاَّ لَكَ، أَنْتَ أَعْلَمُ بِالقِتَالِ مِنِّي.

ثُمَّ نَادَى (ثَابِتٌ) فِي النَّاسِ: أَصْطَلَحْتُمْ عَلى خالِدٍ؟.

(أَصْطَلَحْتُمْ: الهَمْزَةُ هَذِهِ هَمْزَةُ اِسْتِفْهَامٍ، بَعْدَهَا هَمْزَةُ وَصْلٍ مَحْذُوفَةٌ، الأَصْلُ: أَ اِصْطَلَحْتُمْ؟ ).

قَالُوا: نَعَمْ.

فَأَخَذَ (خَالِدٌ) اللِّوَاءَ وَتَأَمَّرَ عَلَى الجَيْشِ.

ذَاكَ هُوَ (سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ) الَّذِي فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِهِ، إِنَّهُ (خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ) سَيْفُ اللهِ المسلولُ، إِنَّهُ المُقَاتِلُ المُحِبُّ لِلجِهَادِ، فَقَدْ كَانَ tيَقُولُ:

-مَا لَيْلَةٌ يُهْدَى إِلَيَّ فِيهَا عَرُوسٌ، أَنَا لَهَا مُحِبٌّ، أَحَبُّ إِلَيَ مِنْ لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ، كَثِيرَةِ الجَلِيدِ، فِي سَرِيَّةٍ أَصَبِّحُ فِيهَا العَدُوَّ.

وَكَانَ يَقُولُ أَيْضاً: مَا أَدْرِي مِنْ أَيِّ يَوْمَيَّ أَفِرُّ: يَوْمٍ أَرَادَ اللهُ أَنْ يُهْدِيَ لِي فِيهِ شَهَادَةً، أَمْ يَوْمٍ أَرَادَ اللهُ لِي فِيهِ كَرَامَةً؟.

هَذَا هُوَ القَائِدُ الرَّابِعُ لِجَيْشِ المُصْطَفَى rفِي (مُؤْتَةَ)، أَمْضَى بَقِيَّةَ نَهَارِهِ فِي مُجَالَدَةِ العَدُوِّ حَرِيصاً كُلَّ الحِرْصِ عَلَى حَقْنِ دِمَاءِ المُسْلِمِينَ، وَفِي ذَلِكَ المَسَاءِ قَرَّ رَأْيُهُ عَلَى تَجْنِيبِ الجَيْشِ المُسْلِمِ مَذْبَحَةً مُحَتَّمَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْحِقَ بِهِ عَارَ الهَزِيمَةِ، فَتَحْتَ جُنْحِ الظَّلامِ جَعَلَ يَبْعَثُ المِائَةَ وَالمِائَتَيْنِ مِنَ المُقَاتِلِينَ، يَتَسَلَّلُونَ خُفْيَةً مِنَ الجَيْشِ مُبْتَعِدِينَ عَنْهُ، ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَيْهِ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ حَتَّى يُوهِمَ العَدُوَّ أَنَّ إِمْدَادَاتٍ تَصِلُ إِلَى جَيْشِ المُسْلِمِينَ، وَفِي صَبِيحَةِ اليَوْمِ التَّالِي، جَعَلَ مَيْمَنَةَ جَيْشِهِ فِي مَيْسَرَتِهِ، وَمَيْسَرَتَهُ فِي مَيْمَنَتِهِ، وَطَلِيعَتَهُ فِي مُؤَخِّرَتِهِ، وَمُؤَخِّرَتَهُ فِي طَلِيعَتِهِ، حَتَّى إِذَا بَاشَرُوا القِتَالَ رَأَى الرُّومُ أَمَامَهُمْ مُقَاتِلِينَ جُدُداً غَيْرَ الَّذِينَ قَاتَلُوهُمْ أَمْسِ، فَوَقَعَ فِي خَلَدِهِمْ أَنَّ إِمْدَادَاتٍ وَصَلَتْ إِلَى المُسْلِمِينَ، وَجَعَلَ (خَالِدٌ) tيَتَرَاجَعُ بِالجَيْشِ قَلِيلاً قَلِيلاً، وَالرُّومُ عَلَى تَخَوُّفٍ مِنْ هَذَا التَّرَاجُعِ حَتَّى غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّ (خَالِداً) tيَسْتَجِرًّهُمْ إِلَى فَخٍّ نَصَبَهُ لَهُمْ فِي الصَّحْرَاءِ، وَهَكَذَا نَجَحَتِ الخُدْعَةُ فَلَمْ يَلْحَقْ بِالجَيْشِ المُسْلِمِ المُتَرَاجِعِ أَحَدٌ مِنَ الرُّومِ، فَعَادَ (خَالِدٌ) بِالجَيْشِ وَلَمْ يُخَلِّفْ فِي أَرْضِ المَعْرَكَةِ سِوَى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، مِنْهُمُ القَادَةُ الثَّلاثَةُ، أَمَّا قَتْلَى العَدُوِّ فَقَدْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ هَذَا بِكَثِيرِ.

أَلا تَرَى مَعِي يَا سَيِّدِي النَّجَاةَ بِهَذَا الجَيْشِ الصَّغِيرِ مِنْ قَبْضَةِ جَيْشٍ قِوَامُهُ مِائَتَا أَلْفٍ نَصْراً أَيَّمَا نَصْرٍ؟.

قَالَ (خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ) t: إِنَّهُ اِنْدَقَّ بِيَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةَ أَسْيَافٍ ، فَصَبَرَتْ بِيَدِي صَفِيحَةٌ لي يَمَانِيَةٌ (صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ: سَيْفٌ عَرِيضٌ مَصْنُوعٌ فِي اليَمَنِ).

هَا هُوَ ذَا الجَيْشُ المُسْلِمُ عَلَى مَشَارِفَ المَدِينَةِ، وَهَا هُمْ أَهْلُ المَدِينَةِ يُهْرَعُونَ لاسْتِقْبَالِهِ، وَالنَّبِيُّ rمَعَ القَوْمِ عَلَى دَابَّةٍ، وَهَا هُمْ صِبْيَةٌ يَحْثُونَ عَلَى الجَيْشِ التُّرَابَ وَيَقُولُونَ سَاخِرِينَ: يَا فُرَّارُ ! فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ؟.

فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ r: لَيْسُوا بِالفُرَّارِ، وَلَكِنَّهُمُ الكُرَّارُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

فَتْحُ مَكَّةَ: 

عَلَى مَشَارِفِ مَكَّةَ فِي (مرَّ الظِّهْرانِ) يَقِفُ شَيْخَانِ يَتَنَاجِيَانِ، وَكَانَ الطَّرِيقُ أَمَامَهُمَا يَتَدَفَّقُ بِجُنُودِ المُسْلِمِينَ تُيَمِّمُ (مَكَّةَ) لِفَتْحِهَا، إِنَّهُمَا (أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ) وَالآخَرُ (العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ) عَمُّ النّبِيِّ r، (أَبْو سُفْيَانَ) حَدِيثُ عَهْدٍ بِالإِسْلامِ، اِقْتَادَهُ العَبَّاسُ مُنْذُ سُوَيْعَاتٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَأَخَذَ لَهُ الأَمَانَ حَتَّى نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَا مَعاً يَسْتَعْرِضَانِ جُنْدَ اللهِ يَتَّجِهُونَ إِلَى (مَكَّةَ)، مَرَّتِ القَبَائِلُ المُسْلِمَةُ عَلَى رَايَاتِها، وَكُلَّمَا مَرَّتْ قَبِيلَةٌ قَالَ (أَبُو سُفْيَانَ) لِـ (العَبَّاسِ): يَا (عَبَّاسُ) ! مَنْ هَذِهِ ؟.

- سُلَيْمٌ.

-مَا لِي وَلِسُلَيْمٍ، يَا (عَبَّاسُ) مَنْ هَذِهِ ؟.

- مُزَيْنَةُ.

- مَا لِي وَلِمُزَيْنَةَ، يَا (عَبَّاسُ) ! مَنْ هَؤُلاءِ ؟.

- هَذَا رَسُولُ اللهِ rفِي المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ.

- مَا لأَحَدٍ بِهَؤُلاءِ قِبَلٌ وَلا طَاقَةٌ، وَاللهِ يَا (أَبَا الفَضْلِ) لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيكَ الغَدَاةَ عَظِيماً.

- يَا (أَبَا سُفْيانَ) ! إِنَّهَا النُّبُوَّةُ.

- نَعَمْ إِذاً.

- النَّجَاءَ إِلَى قَوْمِكَ.

يَنْطَلِقُ (أَبُو سُفْيَانَ) إِلَى قَوْمِهِ، حَتَّى إِذَا جَاءَهُمْ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ:

-يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ! هَذَا (مُحَمَّدٌ) قَدْ جَاءَكُمْ فِي مَا لا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، فَمَنْ دَخَلَ دَارَ (أَبِي سُفْيَانَ) فَهُوَ آمِنٌ، وَمنْ دَخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ.

فَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَطْلُبُونَ الأَمَانَ.

وَيَأْمُرُ النَّبِيُ r(خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ) tأَنْ يَدْخُلَ (مَكَّةَ) مِنْ أَسْفَلِهَا فِي بَعْضٍ مِنَ النَّاسِ مِنْ (أَسْلَمَ) وَ(سُلَيْمٍ) وَ(غِفَارٍ) وَ(جُهَيْنَةَ) وَقَبَائِلَ أُخْرَى، فَيَعْرِضُ لَهُمْ أَصْدِقَاءُ الأَمْسِ القَرِيبِ: (صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ) وَ(سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ)، فَيَقْتُلُ (خَالِدٌ)tمِنْهُمْ قُرَابَةَ اِثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، وَاِنْهَزَمَ البَاُقُونَ، فَيَتَقَدَّمُ (خَالِدٌ)tحَتَّى يُلاقِيَ رَسُولُ اللهِ rعَلَى (الصَّفَا).

ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ r(خَالِداً) tلِهَدْمِ العُزَّى، وَكانَتْ بَيْتاً مُعَظَّماً تَعْبُدُهُ (كِنَانَةُ) وَ(مُضَرُ)، وَيَقُومُ عَلَى خِدْمَتِهَا (بَنُو سُلَيْمٍ)، فَهَدَمَهَا (خَالِدٌ)tوَقَالَ: ذَهَبَتِ (العُزَّى) فَلا عُزَّى بَعْدَ اليَوْمِ.

وَأَنْشَدَ:

 يَا عِزُّ كُفْرَانَكِ، لا سُبْحَانَكْ  =  إِنِّي رَأَيْتُ اللهَ قَدْ أَهَانَكْ

   كَانَ فَتْحُ (مَكَّةَ) لِعَشْرِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، سَنَةَ ثَمَانٍ، وَخَرَجَ rمِنْهَا بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.

لا يَغِيبُ عَنَّا - يَا سَيِّدِي - أَنَّ (خَالِداً) tرَجُلُ حَرْبٍ، سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولٌ عَلَى المُشْرِكِينَ، فَلَمْ تَفُتْهُ مَعْرَكَةٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ rمُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَدْ شَهِدَ غَزْوَةَ (حُنَيْنٍ) أَيْضاً، فَعَنْ (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ)tقَالَ:

-رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ rيَوْمَ حُنَيْنٍ يَتَخَلَّلُ النَّاسَ يَسْأَلُ عَنْ رَحْلِ (خَالِدٍ) t، فَدُلَّ عَلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَى جُرْحِهِ، وَحَسِبْتُ أَنَّهُ نَفَثَ فِيهِ.

وَإِنَّنَا لَنَرَاهُ فِي السِّلْمِ دَاعِيَةً إِلَى الدِّينِ، فَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ (بَنُو حَارِثَةَ بْنِ كَعْبٍ).

لَمَّا اِخْتَارَ اللهُ Iنَبِيَّهُ إِلَى جِوَارِهِ اِرْتَجَّتِ المَدِينَةُ بِالبُكَاءِ عَلَيْهِ r، وَاِرْتَجَّ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِ بَعْضِ القَبَائِلِ العَرَبِيَّةِ، فَكَانَ (خَالِدٌ) tالسَّيْفَ الَّذِي رَمَاهُمْ بِهِ الصِّدِّيقُ t ، فَكَانَ لَهُ فَضْلٌ كَبِيرٌ لا يَخْبُو نُورُهُ عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ، ثُمَّ يُوَجِّهُهُ الصِّدِّيقُ tمَعَ أَشِقَّائِهِ قَادَةِ الجُنْدِ الآخَرِينَ إِلَى بِلادِ الشَّامِ.

هُنَا فِي الشَّامِ تُطَالِعُنَا مَعْرَكَةٌ جَدِيرَةٌ بِأَنْ نَتَرَيَّثَ عِنْدَهَا طَوِيلاً...

نَحْنُ الآنَ فِي العَامِ الثَّالِثَ عَشَرَ لِلهْجْرَةِ، وَجُيُوشُ المُسْلِمِينَ أَرْبَعَةٌ تَنْشُرُ نُورَ (لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) فِي الآفَاقِ وَتُنِيرُ بِهَا الأَلْبَابِ، لَكِنَّ (أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ) tيَجِدُ نَفْسَهُ وَاقِفاً أَمَامَ جَيْشِ (هِرَقْلَ) الَّذِي بَلَغَ عَدَدُهُ مِائَتَيْ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، بَيْنَ رُومِيٍّ وَعَرَبِيٍّ مُوَالٍ لِلرُّومِ، وَيُرْسِلُ (أَبُو عُبَيْدَةَ) tإِلَى الصِّدِّيقِ يَسْأَلُهُ المَدَدَ، فَيَكْتُبُ الصِّدِّيقُ tإِلَى (خَالِدٍ) tفِي العِرَاقِ، أَنْ يَتْرُكَ مَعَ (المُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ) tنِصْفَ جُنْدِهِ وَيَرْتَحِلَ بِالنِّصْفِ الآخَرِ سَرِيعاً إِلَى الشَّامِ مَدَداً لإِخْوَانِهِ.

يَا اللهُ مَا أَشْبَهَ اليَوْمَ بِالبَارِحَةِ، مَا أَشْبَهَ مَا يَجْرِي الآنَ، بِمَا جَرَى مِنْ قَبْلُ فِي مُؤْتَةَ، فَهَلْ سَيَكُونَ (خَالِدٌ) tالآنَ أَيْضاً نَاصِرَ جُنْدِ اللهِ عَلَى الرُّومِ؟.

اِسْمَعْ يَا سَيِّدِي ! يُقَالُ: إِنَّ مَا قَامَ بِهِ (خَالِدٌ) tيَوْمَهَا بَقِيَ دَهْراً طَوِيلاً يُدَرَّسُ فِي الجَامِعَاتِ العَسْكَرِيَّةِ فِي العَدِيدِ مِنْ دُوَلِ العَالَمِ.

أَدْرَكَ (خَالِدٌ) tبِثَاقِبِ فِكْرِهِ أَنَّ جُنْدَ الشَّامِ المُجْتَمِعِينَ عَلَى نَهْرِ اليَرْمُوكِ بِأَمَسِّ الحَاجَةِ إِلَى مَدَدٍ سَرِيعٍ، وَالطَّرِيقُ إِلَى مَشَارِفِ (الحِيرَةِ) فِي العِرَاقِ، حَيْثُ كَانَ يُرابِطُ بِجَيْشِهِ إِلَى اليَرْمُوكِ طَوِيلَةٌ، قَدْ تَحْتَاجُ إِلَى أَسَابِيعَ فَمَا العَمَلُ؟!.

اِلْتَمَعَتْ فِي ذِهْنِهِ خِطَّةٌ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا الكَثِيرَ مِنَ المَخَاطِرِ، وَهِيَ أَقْرَبُ إِلَى المُغَامَرَةِ مِنْهَا إِلَى خِطَّةٍ مَأْمُونَةِ العَوَاقِبِ:

(مَاذَا لَوِ اجْتَازَ بِجَيْشِهِ الصَّحْرَاءَ إِلَى الشَّامِ؟ لَنْ يَسْتَغْرِقَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْ خَمْسَةِ أَيَّامٍ ؟).

لَوْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ لَوَصَلَ فِي الوَقْتِ المُلائِمِ، وَلَحَقَّقَ المُفَاجَأَةَ الَّتِي قَدْ تَكُونُ نِهَايَةُ الرُّومِ فِيهَا ؟ وَلَكِنَّ هَذَا الاجْتِيَازَ ضَرْبٌ مِنَ المُخَاطَرَةِ، إِنَّهَا الصَّحْرَاءُ ... إِنَّهَا المَهْلَكَةُ، وَالَّذِينَ مَعَهُ جَيْشٌ كَامِلٌ، لَيْسَ بِقَافِلَةٍ اعْتَادَتِ السَّفَرَ عَبْرَ مَجَاهِلِ الصَّحْرَاءِ.

جَمَعَ (خَالِدٌ) tالخَبِيرِينَ فِي مَسَالِكِ الصَّحْرَاءِ يَسْتَشِيرُهُمْ، فَيَقُولُ لَهُ (رَافِعٌ الطَّاِئُّي) t: قَدْ سَلَكْتُهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّكَ تَحْتَاجُ إِلَى خَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَلا أَظُنُّكَ تَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلاَّ أَنْ تَحْمِلَ المَاءَ.

هُنَا يَتَفَتَّقُ الذِّهْنُ المُتَّقِدُ عَنْ خُطَّةٍ لا تَخْطُرُ إِلاَّ فِي ذِهْنٍ حَبَاهُ اللهُ بِعَبْقَرِيَّةٍ فَذَّةٍ لا نَظِيرَ لَهَا، فَقَدْ سَارَعَ (خَالِدٌ) tإِلَى تَعْطِيشِ الإِبِلِ، ثُمَّ سَقَاهَا المَاءَ حَتَّى رَوِيَتْ، ثُمَّ كَمَّ أَفْوَاهَهَا حَتَّى لا تَأْكُلَ فَتُفْسِدَ المَاءَ فِي جَوْفِهَا، وَحَمَلَ عَلَى ظُهُورِهَا المَاءَ وَ ... زَجَّ (خَالِدٌ) tبِجَيْشِهِ فِي الصَّحرَاءِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى السَّيْرِ لَيْلاً وَنَهَاراً، حَتَّى إِذَا مَضَى يَوْمَانِ وَخَافَ العَطَشَ عَلَى النَّاسِ وَالخَيْلِ، وَخَشِيَ أَنْ يَذْهَبَ مَا فِي بُطُونِ الإِبِلِ، نَحَرَ الإِبِلَ وَاسْتَخْرَجَ مَا فِي بُطُونِهَا مِنَ المَاءِ وَسَقَى النَّاسَ وَالخَيْلَ، ثُمَّ مَضَى، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ قَالَ رَافِعٌ t: اُنْظُرُوا .. هَلْ تَرَوْنَ سِدْراً عِظَاماً ؟ فَإِنْ رَأَيْتُمُوهَا .. وَإِلاَّ فَهُوَ الهَلاكُ.

فَنَظَر النَّاسُ فَرَأَوِا السِّدْرَ، فَأَخْبَرُوهُ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ ثُمَّ هَجَمُوا عَلَى المَاءِ.

فَقَالَ (خَالِدٌ) t:

عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرَى =  وَتَنْجَلِي عَنْهُمُ غَيَابَاتُ الكَرَى  

  حِينَ حَطَّ (خَالِدٌ) tالرِّحَالَ بَيْنَ جَيْشِ المُسْلِمِينَ عَلَى اليَرْمُوكِ كَانَ الرُّومُ عَلَى وَشْكِ شَنِّ الحَرْبِ، وَأَدْرَكَ (خَالِدٌ) tأَنَّ الخَيْبَةَ نَصِيبُ الجَيْشِ الَّذِي تُسَيِّرُهُ قِيَادَاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، فَقَالَ لِقَادَةِ جُنْدِ المُسْلِمِينَ:

-إِنَّ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ تَفَرُّقٍ أَشَدُّ عَلَيْكُمْ مِمَّا يُحِيطُ بِكُمْ، وَأَنْفَعُ لِلأَعْدَاءِ مِنْ كَثْرَتِهِمْ، فَلا يُفَرِّقَنَّ حُبُّ التَّرَؤُّسِ بَيْنَكُمْ، إِنَّ تَأْمِيرَ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لا يُنْقِصُ قَدْرَكُمْ، هَلُمُّوا نَتَنَاوَبِ الإِمَارَةَ، فَلْيَكُنْ أَحَدُنَا اليَوْمَ قَائِداً عَامّاً لِلجَّيْشِ، وَالآخَرُ غَداً، حَتَّى يَتَأَمَّرَ الجَمِيعُ، وَدَعُونِي أَتَأَمَّرْ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ.

قَالُوا: بَلْ أَنْتَ قَائِدُنا العَامُّ لِلْنَّصْرِ.

سَار (خَالِدٌ) بِتَوحِيدِ قِيادَةِ الجَيْشِ أَوَّلَ خُطْوَةٍ فِي طَرِيقِ النَّصْرِ... لَمَّا تَدَانَتِ الصُّفُوفُ، زَحَفَ الرُّومُ كَالجَرَادِ، وَهَجَمُوا عَلَى مَيْمَنَةِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ، فَفَرَّتِ المَيْمَنَةُ، وَرَأَتِ النِّسَاءُ الخَيْلَ هَارِبَةً، فَأَخَذْنَ يَرْجُمْنَ وُجُوهَها بِالحِجَارَةِ قَائِلاتٍ:

-لَسْتُمْ لَنَا بِأَزْوَاجٍ ، إِنْ لَمْ تَمْنَعُونَا مِنْ هَؤُلاءِ الأَعْلاجِ.

وَأَقْبَلَ (خَالِدٌ) بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الخَيْلِ، وَحَمَلَ عَلَى الرُّومِ حَمْلَةً مُنْكَرَةً رَدَّتْهُمْ عَنِ المَيْمَنَةِ، وَفِي يَوْمِ المَعْرَكَةِ الثَّالِثِ بَايَعَ (خَالِداً) عَلَى المَوْتِ حَوَالَيْ أَرْبَعِ مِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَشَدِّ الفُرْسَانِ، فَانْقَضَّ بِهِمْ عَلَى فُرْسَانِ الرُّومِ حَتَّى لاذُوا بِالفِرَارِ، وَانتهت المعْرَكَةُ بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهِيداً مُسْلِماً، وخَسِرَ الرُّومُ قُرَابَةَ سَبْعِينَ أَلْفاً.

قَلَنْسُوَةُ خَالِدٍ:

فِي مَعْرَكَةِ اليَرْمُوكِ هَذِهِ فَقَدَ (خَالِدٌ) قَلَنْسُوَتَهُ، فَقَالَ لِجُنْدِهِ:

-اُطْلُبُوها.

بَحَثُوا عَنْها طَوِيلاً فَلَمْ يَظْفَرُوا بِشَيْءٍ؛ فَقَالَ:

-اُطْلُبُوهَا حَتَّى تَجِدُوهَا.

وَبَعْدَ بَحْثٍ دَقِيقٍ طَوِيلٍ وَجَدُوهَا، فَإِذَا هِيَ قَلَنْسُوَةٌ خَلْقَاءُ(خَلْقَاءُ: بَالِيَةٌ مُهْتَرِئَةٌ)، فَقَالَ t:

-اِعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، فَابْتَدَرَ النَّاسُ جَوَانِبَ شَعْرِهِ، فَسَبَقْتُهُمْ إِلَى نَاصِيَتِهِ (النَّاصِيَةُ: شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ)، فَجَعَلْتُهَا فِي هَذِهِ القَلَنْسُوَةِ، فَلَمْ أَشْهَدْ قِتَالاً وَهِيَ مَعِي إِلاَّ رُزِقْتُ النَّصْرَ.

وَفِي أَثْنَاءِ المَعْرَكَةِ يَصِلُ مِنَ المَدِينَةِ رَسُولٌ يَحْمِلُ خَبَرَ وَفَاةِ الصِّدِّيقِ t، وَاسْتِخْلافِ الفَارُوقِ (عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) t، وَكَذَلِكَ عَزْلِ (خَالِدٍ) عَنْ قَيَادَةِ الجَيْشِ العَامَّةِ، وَتَوْلِيَةِ (أَبِي عُبَيْدَةَ عَامِرِ بْنِ الجَرَّاحِ) tمَكَانَهُ.

وَكُتِمَ النَّبَأُ إِلَى أَنْ تَمَّتْ هَزِيمَةُ الرُّومِ وَفَرارُهُمْ مِنَ القِتَالِ، بَقِيَ سَيْفُ اللهِ (خَالِدٌ) مُشْرَعاً فِي سَبِيلِ اللهِ، وَكُلُّ مَا قَالَهُ (خَالِدٌ) فِي عَزْلِهِ عَنِ القِيَادَةِ:

-أَنَا لا أُحَارِبُ مِنْ أَجْلِ عُمَرَ، إِنّمَا أُحَارِبُ مِنْ أَجْلِ رَبِّ عُمَرَ.

وَكَانَ (عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ) قدْ عَزَلَهُ لِيُثْبِتَ لِلنَّاسِ أَنَّ النَّصْرَ بِيَدِ اللهِ لا بِسَبَبِ (خَالِدٍ) t.

لا نَامَتْ أَعْيُنُ الجُبَنَاءِ:

فِي حَيٍّ شَمَالِيَّ مَدِينَةِ (حِمْصَ)، مُعْظَمُ بُيُوتِهِ مِنَ اللَّبِنِ وَالحِجَارَةِ السَّوْدَاءِ، نَرَى دَاراًاِمْتَلأَتْ بِالنِّسَاءِ، وَفِي إِحْدَى غُرَفِهَا نَجِدُ رَجُلاً تَجَاوَزَ الخَامِسَةَ وَالخَمْسِينَ مِنْ عُمُرِهِ بِقَلِيلٍ، مُسْتَلْقِياً عَلَى فِرَاشٍ رَقِيقٍ لا تَزَالُ الرُّجُولَةُ فِي أَوْجِ عُنْفُوَانِهَا فِي جَسَدِهِ المَمْلُوءِ بِأَوْسِمَةِ الجِهَادِ، وَطَابَعِ الشَّهَادَةِ (أَوْسِمَةُ الجِهَادِ، وَطَابَعُ الشَّهَادَةِ: الجِرَاحُ الَّتِي لَحِقَتْهُ فِي المَعَارِكِ)، إِنَّهُ سَيْفُ اللهِ يَجُودُ بِآخِرِ أَنْفَاسِهِ فِي الحَيَاةِ، يُرَدِّدُ بِصَوْتِهِ المُتَهَدِّجِ الوَاهِنِ:

-لَقَدْ شَهِدْتُ مِائَةَ زَحْفٍ أَوء زُهَاءَهَا، وَمَا فِي بَدَنِي مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلاَّ وَفِيهِ ضَرْبَةٌ أَوْ طَعْنَةٌ أَوْ رَمْيَةٌ، وَهَا أَنَا أَمُوتُ عَلَى فِرَاشِي كَمَا يَمُوتُ العَيْرُ(العَيْرُ: الحِمَارُ)، فَلا نَامَتْ أَعْيُنُ الجُبَنَاءِ.

وَيَضْعُفُ صَوْتُهُ ثُمَّ يَقُولُ:

-إِذَا أَنَا مِتُّ فَانْظُرُوا سِلاحِي وَفَرَسِي، فَاجْعَلُوهُ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ.

فَاضَتِ الرُّوحُ الطَّاهِرَةُ إِلَى بَارِئِهَا، وَتَعَالَتْ أَصْوَاتُ نِسَاءِ (بَنِي المُغِيرَةِ) يَنْدُبْنَهُ:

-قَالَ رَسُولُ اللهِ r(خَالِدٌ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ، وَنِعْمَ فَتَى العَشِيرَةِ).

-قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِيهِ: عَجَزَتِ النِّسَاءُ أَنْ يُنْشِئْنَ مِثْلَ (خَالِدٍ).

-قَالَ(عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) tفِيهِ: هَلْ قَامَتِ النِّسَاءُ عَنْ مِثْلِ (خَالِدٍ)؟ كَانَ وَاللهِ سَدَّاداً لِنُحُورِ العَدُوِّ، مَيْمُونَ النَّقِيبَةِ.

وَمِنْ هُنَاكَ يَعْلُو صَوْتٌ: مَاتَ مِنْ وُلْدِهِ أَرْبَعُونَ وَلَداً بِمَرَضِ الطَّاعُونِ، فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ وَلَمْ يَقُلْ كَلِمَةً وَاحِدَةً تُغْضِبُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ.

*

قِيلَ - يَا سَيِّدِي - لَمْ تَبْقَ اِمْرَأَةٌ مِنْ (بَنِي المُغِيرَةِ) إِلاَّ حَلَقَتْ رَأْسَهَا، وَوَضَعَتْ شَعْرَهَا عَلَى قَبْرِ (خَالِدٍ).

وَعَلَى قَبْرِهِ بُنِيَ مَسْجِدُهُ (مَسْجِدُ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ) أَحَدُ أَهَمِّ وَأَشْهَرِ مَعَالِمِ مَدِينَةِ (حِمْصَ)، مَدِينَةِ (اِبْنِ الوَلِيدِ)، أُمِّ الحِجَارَةِ السُّودِ.

وَالآنَ قُلْ لِي - يَا سَيِّدِي - أَلاَتَسْتَحِقُّ مِنَّا هَذِهِ المَدِينَةُ أَنْ نَزُورَهَا مَعاً فِي أَقْرَبِ فُرْصَةٍ؟.

انتهت

 

[1]- أَبُو عَامِرٍ الْفَاسِقُ: اسْمُهُ (عَبْدُ عَمْرِو بْنِ صَيْفِيّ) وَكَانَ يُسَمَّى (الرّاهِبَ) فَسَمّاهُ رَسُولُ اللّهِ r(الْفَاسِقَ)؛ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ rالمَدِينَةَ أَتَاهُ (أَبُو عَامِرٍ) قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى (مَكَّةَ) فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي جِئْتَ بِهِ؟. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r: جِئْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ دِينِ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: فَإِنِّي عَلَيْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِr: لَسْتَ عَلَيْهَا، لأَنَّكَ أَدْخَلْتَ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا. قَالَ: بَلْ أَدْخَلْتَ يَا مُحَمَّدُ فِي الحَنِيفِيَّةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا. قَالَ: مَا فَعَلْتُ؛ بَلْ جِئْتُ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً. فَقَالَ (أَبُو عَامِرٍ): أَمَاتَ اللهُ الكَاذِبَ مِنَّا طَرِيداً وَحِيداً. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ يُعَرِّضُ بِرَسُولِ اللهِ r؛ حَيْثُ خَرَجَ مِنْ (مَكَّةَ). فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r: نَعَمْ أَمَاتَ اللهُ الكَاذِبَ مِنَّا كَذَلِكَ.

فَخَرَجَ عَدُوُّ اللهِ إِلَى (مَكَّةَ). فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ r(مَكَّةَ) خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطَّائِفِ لحِقَ بِالشَّامِ فَمَاتَ بِهَا طَرِيداً غَرِيباً وَحِيداً.


من كتاب:

قصصٌ منْ تاريخنا

تأليف: أحمد عكاش

منشورات: دار الإرشاد للنشر والتوزيع - حمص - الطبعة الأولى.


« المقالة السابقة
  • لطيفة خالد | 2012-10-15
    أستاذنا الفاضل ابن حمص العدية ومن احفاد خالد ابن الوليد وأسأل الله القدير ان ترجع حمص الى سابق عهدها وتنعم يالامن والامان والسلام ونزور كل معالمها الأثرية ونفرح معكم ولكم بالنصر لسوريا لقد اعطيتموني زخرا" كبيراط من العز والفخر بالإنتماء الى بلاد الشام .....
  • hamzza | 2012-10-14
    فصل في خبر مالك بن نويرة اليربوعي التميمي

    كان قد صانع سجاح حين قدمت من أرض الجزيرة فلما اتصلت بمسيلمة - لعنهما الله - ثم ترحلت إلى بلادها، فلما كان ذلك ندم مالك بن نويرة على ما كان من أمره، وتلوم في شأنه وهو نازل بمكان يقال له: ا%8

  • طيف امرأه | 2012-10-14

    خالد بن الوليد سيف الله المسلول

    لا زلت اذكر ذات يوم :

    كنت في بداية عهدي الجامعي ,, حينما اضطررت ان شمل مادة العلوم العسكرية في برنامجي رغم انها مادة تؤخذ في اخر سنة جامعية بسبب جهلي وعدم انتباه المشرف للمادة _المهم ,,كان مدرس المادة ضابط جدي جدا , وعيناه تلمعان كالصقر معتاد على النهي والآوامر وانا طالبة لا افقه بنظم المادة تلك , _ما علينا _ كان المدرج يسع ل900 طالب وطالبه ويشبه الشكل المخروطي , والضابط يقف بالمركز ونحن باعلى القاعة , كحقيقة كان شديدا ولكنه كان بالفعل رجلا ذا خكمة ومهابة , وحينما يتحدث تنصت القاعة احتراما ووجلا , يومها قال الملازم

    سيكون ضيف الشرف القائد (.........) ليشرح لكم عن مفهوم قيادة الجيش ,, فُتح باب القاعة ودخل ضابط ( ما زلت انسى الرتب ) واخذ يحدثنا بطريقة جعلت القاعة طولا بعرضا أذن واحدة تسمع , لقد تحدث عن خالد بن الوليد رضي الله عنه بطريقة مسرحية راقية , بطريقة المخطط القدير كان فيما يقول :

    حريٌ بكم يا اولادنا ان تفتخروا بأجدادكم الابطال فإن خطط خالد تدرسس بكبريات الكليات العسكريه , فالعقيد برومكيوف وهو قائد روسي , قد كتب عن خطط خالد بن الوليد رضي الله عنه في كتبه العسكرية التي تدرس في كلياتهم , وقد بين كل معركة كان يقوم بها وكيف وضع لها استراتيجية الى الان يؤخذ بها في كل المعارك ,, وحتى لو تقدموا فتلك الخطط امتازت بالحكمة والعقلانيه وابداعا في فن القيادة وتخطيطات مبنيه على مباديء ومعطيات ومستجدات ميدانيه , ويستفيد جدا كل مرة باسلوب مبدع ومبهر من عامل المفاجاة , فهذا امر هو قادر على عصرنته حسب مستجدات الاحداث وباسلوبه الخاص .

    لن اقول اكثر ,, وما حدث بعدها من امور جعلت خالدا رغم انني قرات عنه قبل تلك المادة راسخا في تلافيف دماغي ,

    لكن لي كلمة بالرد على الاستاذ خضر كما قلتم فاضلي هي

    ان الفتنة في اقالة عمر رضي الله عنه لخالد , كانت في غاية الوحشية وكان امرها فوق خلق الصحابيين الجليلين ,حري بنا ان لا نجعل كل حرف يأتينا من غير مامنه الا نتداوله او نكرره كي لا نثير فتنة اخرى فالاشاعة طابور الاعداء الخامس

    وهي تعمل كعمل السوسة بالضرس , قد لا تظهر بداية ولكنها تنخر وفي النهاية تقد يؤدي ل الى قلعه وتسبب الاوجاع بكل الجسد وفراغ في الصفوف

    بورك بكم سيدي فدوما قصصكم تفيدنا وتسلنا بما فيه خير وترفع من هممنا حيث العلا

    جعل كل حرف لكم في ميزان حسناتكم مضاعفا ابدا

    كل التقدير والاعتزاز بكم

    طيف

    • الخضر التهامي الورياشي | 2012-10-14

      ما لفت انتباهي في رد الأخت الزميلة طيف ، وهي تتحدث عن القائد العربي المسلم خالد بن الوليد ، أن أستاذا لها ، أخبرهم في ساعة درس أن عقيدا روسيا واسمه برومكيوف كتب عن خطط خالد ، وأنها تدرس في كلياتهم العسكرية ، وأن عساكرهم ما زالوا يأخذون باستراتيجياته إلى اليوم.

      ويحق لي أن أسأل أي خطط ، وأي استراتيجيات ، يحتمل أن يأخذها عساكر هذا الزمن ، الذي تطورت فيها الخطط والإستراتيجيات ، والآلات العسكرية ، والمعدات الحربية ، حتى أن وسائل تكنولوجية ، وتقنية متطورة جدا ، يستعينون بها في حروبهم ومعاركهم ، برا وبحرا وجوا ...؟

      دون أن أذكر الميادين التي تجري فيها اليوم الحروب ، وهي تختلف كل الإختلاف عن ميادين حروب المسلمين في الزمن القديم ، وفي صدر الإسلام خاصة ، حيث لم تكن تلك الميادين غير صحارى مترامية الأطراف ، وجبال وسهول ، وأدوات القتال كانت فرسا وسيفا ورمحا ودرعا ...؟



      • أحمد عكاش | 2012-10-15

        السيد: الخضر التهامي الورياشي: تحية وبعد: خالد بن الوليد رضي الله عنه، ينتمي إلى عهد أولئك الكرام البررة، الذين نخجل أن نرفع إليهم أبصارنا هيبة ووقاراً، فكيف نسمح لأنفسنا أن نقدح في سيرتهم وهم الذين عيي الجنّ في أنْ يجد إليهم سبيلاً، فقعد عنهم جانباً محسوراً مخذولاً،

        من نحن حتّى -وقد قَصُرت قاماتنا - نُطاول جبالاً شامخاتٍ راسخاتٍ، فالعاقل يعرف قدر نفسه، فما ينفعنا إنْ نحن حاولنا القدح بسيرة هؤلاء العمالقة، فإنّا وهذه حالنا لن نكون إلاّ :

                                                  كناطح صخرة يوماً ليوهنها = فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

        خالد بن الوليد رضي الله عنه عملاق من عمالقة ذاك العهد الطيب، فلا أنا ولا أنت نقوى على طمس أنوار شمسهم، إلاَّ إذا كنّا مصابين بالعمى النهاري، ولا أقول العشى الليلي، الذي يحجب عن أبصارنا شمس الظهيرة، وهي تتربّع قمّة السماء في رابعة النهار,

        ثمّ إنَّ ذاك العهد سلِمَتْ منْ أحداثه أيدينا، فعلام لا نسعى إلى أن تسلمَ منها ألسِنتُنا ؟!.

        أم أنه يسعدنا أن نثير حول تلك الشموس بعضاً من دخانِ نفوسِنا، طمعاً في أن يخبو بعض سطوعها ؟!.

        خالد بن الوليد رضي الله عنه كان قائداً عسكرياً فذّاً أقرَّ له بذلك قادة عسكريون كبارٌ، عَبْرَ هذه السنوات المديدة بيننا وبينه، ولقد استثارت عبقريته العسكرية عقولاً أذعنت للحقّ وأقرّت بالفضل لذوي الفضل.

        أمّا أنَّ كلّ شيءٍ الآن يختلف عمّا كان عليه أوائل الصحابة رضوان الله عنهم، البيئة تختلف، والأسلحة تختلف، والعقول تختلف، وخطط الحروب تختلف، فنعم، هذا حقٌّ، لكن الأرض الآن هي الأرض في ذاك الزمان، والسماء هي السماء، والطبيعة البشرية هي هي، والحكمة في ذاك الزمان هي الحكمة في هذا الزمان، زهي صالحة لأنْ تبقى حكمةً في الزمان الآتي، فعبقرية (خالد) التي هزمت الفرس والروم، وهي جديرة بأن تُدَرَّسَ في الأكاديميّات العسكرية لأنّها ناجعة لهزيمة فرس اليومِ ورومِهِ، وأنا دائماً أقول: (لا يميز الذهب الإبريز عن الزُّيوف إلاَّ الصاغَةُ),

        وأنا أحيلك يا أخي (الخضر) إلى شيخ الصّاغة في إبراز جوانب العبقريّة في عقل (خالد) رضي الله عنه، وهو: الجنرال [ أ. أكرم ]فله كتاب اسمه: سيف الله خالد بن الوليد دراسة عسكرية تاريخية عن معاركه وحياته.

        فهذا الرجل -جزاه الله خير الجزاء- لم يكتفِ بالعودة إلى أمّهات المصادر التاريخيّة فحسب، بل تطوّف في البلاد ورأى الأماكن التي شهدت حروب (خالد) .. ومكث أربع سنوات يكتب كتابه هذا، وقد ترجمه عن الباكستانية إلى العربية جنرال آخر ، فعد إليه وهو متوفّر في (النت) وبراهينه دامغة، فإن أبتْ نفسُكَ إلاَّ شططاً - وأعيذك من الشطط - فإليك كتاب (عبقرية خالد) لعباس محمود العقاد، وإن أبتْ نفسُكَ إلاَّ شططاً فإليك كتاباً ثالثاً لمؤلّفه (محمد صادق عرجون)، وبعد هذا إن أبت نفسُكَ إلاَّ الشطط فإنّي أجأر إلى الله بالدعاء: اللهمّ اهدنا إلى الصواب، وأرنا الحق حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، والسلام,

  • خالد اسماعيل احمدالسيكاني | 2012-10-13
    مقالة جميلة وقابلية فائقة يا استاذنا الفاضل لك مني تحياتي
  • الخضر التهامي الورياشي | 2012-10-12
    وما قولك يا أستاذ أحمدعكاش في واقعة قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة ، وهو رئيس جماعة من بني يربوع ، وزواجه منامرأته بعد قتله مباشرة ؟ ألا يدل هذا على عنف خالد، وإسرافه في القتل ، ويدل أيضا على حبه للنساء ؟ففي روايات التاريخالإسلامي أن خالدا قتل مالكا ، وأن صحابياجليلا ، وهو أبو قتادةالأنصاري ، كان في جيشه ، قد غضببسبب هذه الحادثة ، فغادرالجيش ، ورجع إلى المدينة ،وكلم كبار أصحاب النبي وفيهمعمر بن الخطاب ،الذي قال لأبي بكر :ـ إن في سيف خالد رهقا ، فاعزله  ...غير أن أبا بكر دافع عنه ،وقال  :ـ تأول فأخطأ  !!ولم يذعن لرأي عمر ،واستمع إلى قصة خالد منه ، فعذره في قتل مالك ، وعنفه في تزوج امرأته ، ورده إلىجيشه ، فخرج من عند أبي بكر راضيا ، فلما رأى عمر في المسجد تحداه ،فلم يكلمه عمر !!فلقدكانت العرب تكره مثل هذا الزواج .

     

    • أحمد عكاش | 2012-10-13

      الأخ (الخضر التهامس الورياشي): تحية وبعد:

      قصة (خالد بن الوليد) رضي الله عنه و(مالك بن نُويرة) فيها أقوال، وآراء، لم أُشر إليها من أجل ذلك، ولعلك تذكرأنَّ الشعوبيّة أدلت في هذه القصّة بدلوها. وأشكر لك مرورك بمكتبتي، ودمت.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق