]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رسالة الى الاسير الفلسطيني

بواسطة: غادة زقروبة  |  بتاريخ: 2012-10-12 ، الوقت: 08:07:36
  • تقييم المقالة:

 

                         رسالة الى الأسير الفلسطيني:

                           -- إئسر آسرك بأسرك --

 

 

 

     من كل ضواحي العمر كنت تحاصرني بأسرك من دون ان تعلم.

كنت تُؤسر هناك وأحترق هنا في هذا الوطن المهجور الا من ساكنيه. يضعون في معصميك الحرتين طوق حديد في حركة ساذجة ليبرهنوا لانفسهم انهم قادرون على الفعل فيك وفي وطن أعجزهم دوما بشموخه وتعاليه، وبنظرتك المخترقة لجثة انسان بداخلهم كنت تحوّل سجّانك من قاتل الى قتيل.

   في حضرة الأسير، يأخذني شعور مستمر بأن شيئا في داخلي يبحث عن موسم للحصاد علّ هذا الاخير يجتثّ كل سنابل الحرقة والألم التي تنغرس قسرا بداخلي.

في حضرتك سيدي أدرك أن بين الأسير والشهيد مسافة موت مؤجل. الشهيد يعطي عمره للوطن مرة واحدة ويتألم مرة واحدة ثم يزهر؛ أما الأسير فيهدي عمره للوطن في كل لحظة ويزهر بين اللحظة واللحظة مئات المرات. كما جعلتني أدرك أن بينك وبين اعمارنا المهترئة مسافة كرامة، ترتفع انت بها ونُسحق نحن بها، فكرامتك أسقطت الزيف عن قناعاتنا، فأنت من داخل زنزانتك تحفظ كرامة وطن بأكمله اما نحن فمن داخل بلداننا لسنا قادرين حتى على حفظ صورة الوطن المحتل وندوس على كرامتنا مع كل أسير يُؤسر بلامبالاة سافرة.

  أمام قامتك الشامخة دوما كجبل لا يريد ان ينقضّ أسقط خجلا وتتناوب أقدام العدم بالدوس على جسدي الذي هوى في حضرتك.

يعتقد الاسرائيلي – ومن سخف اعتقاده – انه في لحظة الاعتقال يكون قد أمّن نفسه وحقق احدى مبررات اغتصابه للوطن لكنه، ومن دون ان يدري، يثبت في الوقت ذاته خوفه وضعفه وعجزه.

خوفه؛ لان الاعتقال ماهو الا تعبير عقيم عن الخوف الذي يقوده لسجن من يخيفه علّه يشعر بالأمان المؤقت.

أما عجزه؛ فلأن الاعتقال لن يحقق له أمنا اكثر ولا احتلالا انعم بل ما يفعله هو محاولة عاجزة لكبح الروح الوطنية التي تزيد لهيبا باعتقال اكثر.

وأما ضعفه؛ ففي الاعتقال المبالغ والمتواصل والمكثف وغير المبرر دائما، ضعف المحتل غير القادر على تأمين احتلاله !.

انت، ايها الأسير الشامخ دوما، اظهرت للعالم ان الهولوكوست ماهي الا تعلة يُذل بها الاسرائيلي العالم، فلو تذكّر للحظة صادقا وجه أمه وهي تتلوى في غرف الغاز في اوشفيتيز لتحرر من عقدة القيد والمجزرة.

لكن، لقدر حكيم عليم، فقد الاسرائيلي متانة خداعه للعالم بأسرك.

 

في غرفة التحقيق؛

يجادل العدو صمتك. يبحث في تفاصيله عن امل حقير ليبلغ عمق القضية المحفوظة بين جلدك ودمك.

يقارع العدو صمتك. يبحث في تفرعاته عن صوت لجبل، يسقط ان تكلم.

يعذّب العدو صمتك. يبحث في جسدك عن استحقاق لاغتصابه ويحاول اقتلاع الاجابة منه فيُحرق الجسد عدوّه بصمت أبيّ.

سقط العدو امام الاسير منهكا، سائلا بهدوء اخير: الن تتكلم؟

وبصوت كالرعد شق سمع العدو "اذا نطق الحجر فسأنطق. أنا فلسطيني أقتلك مرتين؛ بصوتي خارج الزنزانة وبصمتي داخلها".

      خارج الزنزانة وطن متعب وشعب عربي مُغيّب. داخل الزنزانة كان الجسد يحاصر جسده حتى لا يفقد دفّات الصمت، فجسده هو سور المدينة المقدسة وراحتيه حقول البرتقال الممتدة على ارض يافا وبداخله مواسم الزيتون واللوز العصيّين على زمن الاحتلال وبعينيه حدّة البرق لمّا يخطف بصر الناظر.

في صدره حفر خندقا للزمان حتى تفقد الساعات دقائقها وتعتزل المرور اللئيم على تفاصيل جسده.

عند قدميه يسقط العمر المعد للفرح الرخيص وينطلق عمر "المقاومة".

في ظلمة أسره يوقد شموعا من جرحه المفتوح، فيعلم الموت كيف يعيش داخل الجرح.

   تحارب عدوّك بأسلحة هو لا يمتلكها فهو يشحن ترسانته العسكرية بالرصاص وانت تشحن وجودك بالارادة. يوهم نفسه انه سرق حريتك وقيّدك، فقيّدته بصمتك لمّا اراد اقتلاع الاعتراف من جسدك ثم قيّدته بأمعائك الخاوية لمّا أعلنت إضرابك عن طعامه البائس فاستجاب لمطالبك قسرا.

  تناضل الحركة الأسيرة آمتدادا لحركة الوجود المقاوم خارج السجن فتُعلّم العالم كيف يفتكّ الأسير – وإن بآستشهاده داخل الأسر في كثير من أزمان الإضراب عن الطعام أو التعذيب أو سوء الحال – حرّيته من بين أنياب عدوّه، تاركا خلفه وجعا ينتحر.

   يمتلك الأسير الفلسطيني ما لا يمتلكه أسرى الحروب في كل دول العالم عبر التاريخ:

عزّة في قيده ونظرة تكسر عدوّه ومعصمين يستفزّان السجّان وقامة شامخة لم تنبغ لغير الأسير الفلسطيني.

 

في لحظة تحرّرك نسرق العمر زهرا لنتزيّن به يوم نلقاك.

في لحظة تحرّرك نخطف من البرق لمعة لتدمع محبة من مآقينا.

في لحظة تحرّرك سنهديك إخلاصا بعمق قاع لا ينتهي.

 

 

                                                                                            غادة زقروبة

                                                 

                           

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • غادة زقروبة | 2012-11-12
    للتوضيح وحتى لا يقع لبس عند اي قارئ: فعندما قلت في التعليق عن السيد وحيد الفخراني(بالنسبة للفلسفة فاني لا افضل ذلك التعريف المبتدأ والبسيط -حب الحكمة- ) فليس المقصود ب"المبتدا والبسيط" تعريف السيد المحترم وحيد الفخراني ف،هذا التعريف للفلسفة هو قديم ويرجع لبدايات الفلسفة وهو اصلا تعريف لغوي حرفي لكلمةphilosophia باليونانية اي "حب الحكمة"..وشكرا
  • د. وحيد الفخرانى | 2012-11-11
    العزيزة / غادة . . . أستاذيتك فى الفلسفة طغت على كتاباتك ، حتى أننى أيقنت حين قرأت مقالكِ هذا عن الأسير الفلسطينى ، أنه مقال يمزج بين الأدب والسياسة والفلسفة ، فأنتِ ياعزيزتى من أساتذة الفلسفة ، وأنا من رجال القانون ، ولكننى محب وعاشق لعلم الفلسفة وعلم الإجتماع والتحليل النفسى ، ولدينا فى الجامعة فلسفة قانون ، وإذا كانت الفلسفة هى حب الحكمة كما يقولون ، فإن الفيلسوف بحكم الضرورة هو شخص محب للحكمة ، وأراكِ فى حديثك عن الأسير الفلسطينى لم تبتعدى كثيراً عن منهجيتك . . فرأيتك تبتكرين للأسر فى ذاته فلسفة جعلتنى فى نهاية مقالك أتساءل : لماذا هى قالت أن الأسير الفلسطينى يمتلك ما لا يمتلكه أسرى الحروب فى كل دول العالم عبر التاريخ ؟ ؟ ألمجرد أنه يمتلك عزة فى قيده ونظرة تكسر عدوه ومعصمين يستفزان السجان . . . . . أم لأنكِ تنظرين إليه من منظور آخر لا يُجيد النظر منه إلا أنتِ ؟ إنى أرى أن سر تميز الأسير الفلسطينى عن سواه من باقى الأسرى ، أن أسره ينطلق من نظرة فلسفية عميقة أوحت له بأن حياته دون حريته هى حياة الموت أفضل منها ، وأن وطنه بلا إستقلال الموت دونه أفضل من الحياة ، وأن الأسر فى ذاته هو شرف وعزة لا تضاهيه إلا الشهادة . . كلماتك يا عزيزتى عن الأسير الفلسطينى ، حملت بين سطورها وفى باطنها معانى راقية ومقاصد نبيلة ، وما أمتعنى وضاعف من إمتاعى ، أنى لأول مرة أطالع مقالاً مزج فيه كاتبه بين الأدب والسياسة والفلسفة بمستوى تعبيرى راقى ، فى غرض أدبى واضح وصريح ، هو الفخر بذلك الأسير . . . . سَلمتِ يا أستاذتنا وسَلم فكرك وقلمك . .
    • غادة زقروبة | 2012-11-12
      الاستاذ وحيد الفخراني..تحية وبعد..بداية ساجيب على تساؤلك بشأن صورة الاسير الفلسطيني التي تختلف في نظري.. فالتعريف الذي سقته في حديثك " أن أسره ينطلق من نظرة فلسفية عميقة أوحت له بأن حياته دون حريته هى حياة الموت أفضل منها ، وأن وطنه بلا إستقلال الموت دونه أفضل من الحياة ، وأن الأسر فى ذاته هو شرف وعزة لا تضاهيه إلا الشهادة " هو ما كنت اقصده بالنسبة للاسير في العالم فهذا هو الامر الطبيعي والمشترك بين كل الاسرى اما الاختلاف الفلسطيني فيحدث خارج العادي والطبيعي فهو يشترك مع اسرى العالم في كل النقاط التي اشرت اليها ويختلف عنهم في "عزة قيده ونظرته الكاسرة وحضوره الشامخ والمربك" (هذا الذي رايته عند شعب واحد فقط عانى الاسر ايضا: الشعب اللبناني. فلو تلاحظ فقط صورة لسمير القنطار او يحيى سكاف او نسيم نسر لعرفت عن اي جنوبيين اتحدث) فانظر الى صورة مثلا لاحمد سعدات او مروان البرغوثي او خضر عدنان او الراحل الرائع العظيم اثناء اسره، الشيخ احمد ياسين او...قستدرك حينها عن اي رجال اتحدث، اولئك الاسود -وغيرهم من الاسرى- الذين تختلف خلفياتهم الفكرية ولكنها عند مفترق القضية تقف صفا واحدا واسدا واحد همه فقط: وطن ينزف..اما بالنسبة للفلسفة فاني لا افضل ذلك التعريف المبتدأ والبسيط -حب الحكمة- لان الفلسفة في نظري تفكير عقلاني نقدي تحليلي كما انه موقف ونهج في التفكير يجعل المرء قادرا على رؤية الامور بوضوح اكثر..شكرا سيدي على هذا الحوار الكتابي الذي اضاف جانبا مثري للمقال.
      • د. وحيد الفخرانى | 2012-11-12
        العزيزة / غادة . . أفادتنى كثيراً مطالعة مقالك هذا على المستوى الشخصى ، كما أسعدنى إهتمامك بالرد على تعليقى . . وإسمحى لى أن أتناقش معكِ - لا أتجادل - كفانا الله شر الجدال . . بالنسبة لى فأنا لا أزعم أننى من باحثى علم الفلسفة المتخصصين ، ولكننى ممن كان لهم باع طويل قدر سنوات عمرى فى قراءة كل ما تصل إليه يدى ، فقرأت فى كل العلوم الطبيعية والإجتماعية والإنسانية وكل الآداب الفنون بلا إستثناء ، والحمد لله أنى أتمتع بقدر من الثقافة يرضينى كثيراً . . ولكن رغم ذلك مازال ينقصنى الكثير والكثير . . وهذا أمر شرحه يطول . . إسمحى لى أن أبدى رأياً متواضعاً فى تعريف كلمة الفلسفة ، هى يقيناً كلمة يونانية وتعنى حرفياً " حب الحكمة " ولن أعود إلى التعريف التقليدى والكلاسيكى لها كى أناقشك فى رأيك . . ولكنى كما أحب دائماً عند التحاور سوف آخذ من كلماتك لأرد عليك وذلك هو أقصر الطرق للوصول إلى الفائدة . . أراكِ قلتِ أنكِ لا تفضلين التعريف المبتدئ والبسيط للفلسفة على أنها حب الحكمة ، وأن الفلسفة فى نظرك هى ( تفكير عقلانى نقدى تحليلى ، كما أنها موقف ونهج فى التفكير يجعل المرء قادراً على رؤية الأمور بوضوح أكثر ). . لا خلاف على المفردات ، ولكن دعينا من كلمة حب ، ونسلط الضوء على كلمة الحكمة . . هل الإنسان الذى يفكر تفكيراً عقلانياً يستخدم فيه ملكة العقل وحدها ، ويعتمد أسلوب النقد والتحليل لكل الموضوعات بحيث يتناولها من كل جوانبها ، ويرصد كل ما لها وما عليها ، ألا يوصله ذلك الأسلوب للقدرة على رؤية الأمور بوضوح أكثر ؟ ؟ قطعاً الإجابة ستكون : نعم يوصله . . وهل الإنسان الذى يفعل كل هذا ويتمتع بهذه القدرة ، ألا يستحق - وفق محددات ومعايير الأسلوب العقلى فى التفكير - أن نصفه بالحكيم ؟ ؟ إذا كانت الإجابة : نعم ، وقطعاً هى نعم ، فإن ذلك سوف يُعيدنا إلى التعريف البسيط للفلسفة وهى " حب الحكمة "  لأن الحكمة فى هذه الحالة تصبح هى : التفكير العقلانى الذى يقوم على . . . . . . . , , و إذا شئنا أن نستزيد بالكشف على معنى كلمة " الحكمة " فى المعجم الوجيز ص 165 لوجدنا أن معناها اللغوى هو  : التعلم والتفقه بإعمال العقل ، قال تعالى فى كتابه العزيز : " ولقد آتينا لقمان الحكمة " صدق الله العظيم . . ولمزيد من الإستزادة يمكن الرجوع إلى معنى إسم الحكيم فى أسماء الله الحسنى . . هذا ما عندى يا عزيزتى ، فإن كان صواباً فمن توفيق الله ، وإن كان خطاً فمن عندى . . وأرجو ألا أكون قد أثقلت عليكِ . . وأعدكِ بأن أتابع كتاباتك أولاً بأول فقد وضعت صفحة مقالاتك ضمن الصفحات المفضلة عندى ، وليتنى أجد المعاملة منكِ بالمثل فى القراءة والتعليق ، علماً بأننى أقبل النقد والتصويب . . . مع تحياتى .
        • غادة زقروبة | 2012-11-12
          استاذي الكريم، اكيد كل ما قلته لا يخلو من صواب ولكن اذا دققت قليلا في قولي السابق عن التعريف "حب الحكمة" لوجدتني قلت "لا افضل" يعني انني غير معترضة على التعريف فقط لا افضله وربما يكون ذلك راجعا لعدم شغفي بالفلسفة القديمة رغم زخمها واعتبرها مرحلة تاسيس..سعيدة باهتمامك واعجابك بكتابتي و باذن الله ساتابع مقالاتك كلما استطعت ان افرغ وقتا لذلك.
  • خالد اسماعيل احمدالسيكاني | 2012-10-28
    بوركت وجزيت خيرا وكل عام وانتم بالف  الف خير
  • Aml Hya Aml Elhya | 2012-10-19
    لافض فوك
    وبارك فىكلماتك التى أسأل الله أن تبلغ كل أسير فيثبت فهو فى عزة لايعلمها إلا من هم دونه هنا  لاحيلة لهم
    أمتعتينا  بارك الله فيك
  • غادة زقروبة | 2012-10-12
    دموعنا صادقة قد لا تخجلنا ولكن تخجلنا اجسادنا الحمقى و هي ترتدي وجعه...
    لست عابر سبيل ما دامت دمعة لوعة سقطت خجلا في حضرة الاسير الذي ساهمنا في اسره..
    العابر لن يكون غير الاسرائيلي.

  • عابر سبيل | 2012-10-12

    وأنا أستعدّ للخروج إلى صلاة الجمعة .. قلتُ لا بأس أنْ ألقي نظرة على الموقع .. فإذا بي أقف أمام

    هذا البيان .. صدقي أو لا تصدقي .. مراراً حبستُ دمعتي من النّزول ليس لقساوة القلب .. و ليس

    لغباوة مشاعري .. ولكنْ خجلتُ منْ نزولها حتّى لا تفضح خجلي .. وتخادلي .. وجبني أمام عظمة

     وسمو .. وعنفوان .. وصمود ذلك الإنسان .. الأسير الفلسطيني والذي هو بحق سيبقى رقما صعبا

    في موازين السياسة الإقليمية والدولية شاء من شاء وكره من كره .

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق