]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الربيع العربي ... هل وصل أم اقترب ؟؟

بواسطة: راتب عبابنه  |  بتاريخ: 2012-10-08 ، الوقت: 15:44:01
  • تقييم المقالة:

 

الربيع العربي ... هل وصل أم اقترب ؟؟

راتب عبابنة

كثرالحديث والمحدثون عن الربيع العربي فيما إذا وصل للأردن أو اقترب منه. والحديث يأتي على ألسن من الداخل الأردني ومن خارجه. من المحدثين من أقرّ بوصوله كالحركة الإسلامية وأنصارهم ومنهم من يتمنى وصوله ليقطف نتاجه عن بعد كأصحاب الأقلام المسمومة والذين طأطأوا رؤوسهم بعد أن أحبطت خططهم. المقرون بوصوله يقفوا خلف فكرة إقناع العامة باستقباله والترحيب به والانخراط بتفاصيله لجعله أمرا لا حياد ولا تراجع عنه حتى يصبح أمرا يستدعي تدخل المتدخلين متخذين من الإصرار والتصلب سبيلا لجني الثمار التي يعملون على جنيها.

أما المتمنون فينطلقون من منطلقين أحدهما تحليلي للمعطيات على الأرض من حالات وتفاصيل مشابهة في صورتها العامة لحالات وتفاصيل توفرت في دول أخرى وأدت إلى ما أدت اليه من تغيير للأنظمة أو بطريقها إلى ذلك. والمنطلق الآخر لهؤلاء يأتي بالتمني الحذر والمتروي الذي سماته تغلب عليها سلوك مسلك النصح والتنبيه وبالوقت نفسه ليس لديهم الوهم والشعور بالندية كما لدى الفريق الذي أقر بوصول الربيع العربي.

حتى يَعتبر الذين نتوقع منهم الإعتبار من المعنيين بالأمر من رأس النظام والبطانة التي (لاتعتبر) والغيارى والأجهزة الأمنية والمتعقلين، دعونا نمر ولو سريعا على دوافع الربيع العربي الذي يحلو لي تسميته بالإنفجار العربي. الحكم الفردي هو الصفة العامة والقاسم المشترك على كل الدول العربية باستثناء لبنان وإن كانت هناك اختلافات فهي اختلافات في الشكل ولكن المضمون والجوهر ثابتان. المحسوبية والإسترضاء وتقريب الأصدقاء والأقارب من التنفذ والعمل منهم أدوات لتكريس الحكم الفردي, جعلت الشعوب تقول كفى. بالإضافة لغياب العدالة الاجتماعية التي تدفن الفقير أو تزيده فقرا وتبرز الغني وتزيده غنى. صدق الشاعر حين قال:

أما ترى الماء بتكراره            في الصخرة الصماء قد أثّرْ

وعندنا في الأردن تاريخ طويل من المعاناة من الوجوه المتكررة التي تتقلد المناصب الإرضائية التي تندرج تحت اسم التوريث وكأن نساء الأردن قد توقفن عن الإنجاب. وسبب آخر من أسباب الإنفجار العربي تقلص الطبقة الوسطى إن لم يكن تلاشيها بسبب الهوة السحيقة والمسافة الطويلة بين غالبية الناس من حيث الدخول المتدنية وطبقة الصفوة التي تغولت دون وازع من ضمير محتمية بالقوانين الرخوة وبقوة تنفذها ومالها.

سبب آخر لهذا الإنفجار هو الحرية المحاصرة والمقيدة والتي تاق لها الناس وعزموا الأمر على استردادها. ففي تونس (بن علي) مثلا على المصلي أن يدون اسمه في سجل خاص بالمصلين في المساجد وفي سوريا تنتف لحاهم وفي مصر (مبارك) يُعتبروا جسما غريبا. وفي دول أخرى إن لم يفتوا لصالح النظام فهم مطرودون من وظائفهم أو مدحورون كالشاة الجرباء. أما في الأردن فإخوانه تُقدم لهم كل التسهيلات والإغراءات ليكونوا مكونا فاعلا لا معيقا فلم يسجنوا ولم يطردوا ولم يحرموا من الوظائف بل واقع حالهم يقول بالمطالبة بالجَمَل بما حمل لأنهم تعودوا على الدلال الملكي والتقدير الشعبي على أنهم تيار ديني دغدغ عواطف العامة كثيرا فاكتسب احترام الكثير منهم إلى أن اتضحت الصورة بعد أن كانوا بـ "الجرة وطلعوا لبرة".

بعض الخطوات الخجولة التي تصب باتجاه الإصلاح من محكمة دستورية وقانون انتخاب وهيئة مستقلة للإنتخاب وغيرها, بدت للعيان استرضاءا لفئة محدودة ولم يقصد بها مصدر السلطات وهو الشعب. إذا لم يكن الإصلاح منسجما مع المطالب الشعبية فلا سبيل له للقبول. هل هذه الخطوات تحسن سبل عيش الناس؟؟ هل أضافت رفعا لدخل الفرد المتآكل؟؟ هل حاسبت الفاسدين؟؟ هل استعادت الأموال المتبخرة التي تكاثفت بحساباتهم وبناء قصورهم؟؟ هل قلصت العجز الكبير في الموازنة؟؟ هل ساهمت بسداد جزء من المديونية المتصاعدة طرديا مع الزمن؟؟ هل ساهمت بتهدئة الشارع؟؟ هل لبت مطلبا شعبيا؟؟

قطعا الإجابة "لا" ومن ينحى منحى معاكسا, فهو يكابر بالمحسوس ولا يملك من الجرأة شيئا لقول الحق بل التملق والتدليس اللذان لم يعد لهما مشترون. يقول أحمد شوقي بهذا المعنى:

باطن الأمة من ظاهرها                        إنما السائل من لون الإناء

 عوداً على الربيع العربي وأسبابه، تبين لنا أن الشعوب تبحث عن الكرامة الإنسانية المفقودة بأوطانها وهي كرامة منحها الله لهم وانفطروا عليها فلا محال من المطالبة بعودتها بعد أن سلبت منهم على أيدي نفرمعدود. وقد تطرقنا لذلك كثيرا في مقالات سابقة وقلنا لو سكت الناس طويلا فلن يبقوا ساكتين للأبد. رضي الله عنك يا ابن الخطاب عندما قلت"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا!!" فلا بد من إعمال العقل وسياسة الناس بحكمة نابعة من بصيرة بعد البصر من المخلصين للشعب والوطن والقيادة وليس من المتبرمكين المخلصين للفساد وسبل الثراء. من الطبيعي أن تنزع الناس لما انفطرت عليه وخسرته, ومن يخسر لا بد أن يحاول يوما استرداد ما خسره.

كثير من الذين انتفخوا بصلاحياتهم ومواقعهم يتوقعون من الناس تقديسهم والتصفيق لهم كلما تحركوا وكلما تفوهوا حتى ظنوا أنفسهم "فراعنة" لا راد لهم. وهذا المشهد بلغ من التضخم بشخوصه وفسادهم مبلغا جعل الناس تتنبه للدنوِّ من مخاطر المضي بطريق يقودهم لهلاك الوطن.

التاريخ البشري حافل بالعبر والدروس، هناك عصر الظلام الذي كانت تعيشه الشعوب الأوروبية والمتمثل بالإقطاع الذي طرفاه الراعي المخدوم الإلهي ورعيته التي خلقت لتخدمه. وكذلك صكوك الغفران التي كانت تصدرها الكنيسة وتقرر بها من يدخل الجنة ومن يدخل النار. سببان جعلا الناس تنزع باتجاه ما انفطروا عليه من الحرية والكرامة الإنسانية بالتمرد على أدوات الكبت والإقصاء للإنفكاك من سياسة الراعي الإلهي صاحب المزرعة الذي يتوقع من عماله الطاعة العمياء والإمتثال لأوامره. فكان عصر التنوير Enlightenment  الذي شق الظلام شيئا فشيئا حتى بدأ الناس يبصروا بوضوح ما يدور حولهم مدركين أن الساعة قد أزفت ليسيروا على هدي النور فجعلوا الظلام من خلفهم والكنيسة لشأنها.

الحديث عن وصول أو اقتراب الربيع العربي أو أن الدورعلى الأردن بعد سوريا يعني ترقب التغيير الذي حصل بالدول الشمولية ليحصل بالأردن. والمتمنون لذلك مسخرون إعلامهم وأزلامهم للإنتقال من فكرة المطالبة بالإصلاح لفكرة المطالبة بالتغيير. فهل نصحو ونبدأ العمل على إجهاض كل ما يحاك ضد هذا الوطن ونظامه؟؟ أليس من الحكمة والمصلحة الوطنية أن نتلمس ونستشعر نظاما وغيارى فيما إذا كان هناك وجود مقومات ربيع عربي في الأردن؟؟ أم نترك الأمورعلى عواهنها دون مراجعة وتصويب ما يحتاج للتصويب وتبديل ما يحتاج للتبديل وتخفيف ما يحتاج للتخفيف وإنصاف من بحاجة للإنصاف؟؟ فلنرى ماذا لدينا من مقومات الربيع العربي في الأردن, وإن لم تعالج على وجه السرعة فسنلحق بركب الدول الربيعية.

نقول ذلك ناصحين لا جاحدين ولا نتمنى ما يتمناه المتمنون سابقي الذكر بل دافعون مذكرون وحاثون على تدارك ما يمكن تداركه والإستماع لنبض الشارع مباشرة وليس نقلا من البطانة التي كلنا نجمع على عدم استقامتها باستثناء من رحم ربي منها. لقد ذكّرنا مرارا وناشدنا جلالة الملك لتفجير ثورة بيضاء على الديوان الملكي الذي يعاني من الترهل والتضخم والاجهزة الأمنية والبطانة المقربة التي تسلك اتجاها معاكسا بالنصح والنقل ولتكن أسس اختيار الحكومات والمواقع السيادية مرتكزة على أبناء الوطن الغيارى وهم كثر بعيدا عن المحسوبية والإسترضاء والوجاهة التوريثية. يقول الشاعر:

العبد يُقرعُ بالعصا                والحُرُّ تكفيه الإشارةُ

ý       هناك فساد متغلغل ومستشري بشتى أجهزة الدولة الرئيسية لم يعد سرا أو تهمة تلقى جزافا دون أدلة.

ý       هناك وجوه تكررت بأخطر المواقع وكانت سببا بإيصالنا إلى ما وصلنا إليه من حال غاية في السوء.

ý       هناك مشاريع وبرامج اقتصادية كانت وهما أدت لثراء من قاموا على التخطيط لها وتنفيذها.

ý       هناك بيع لكبرى شركات الوطن باثمان بخسة تعادل ريع أشهر معدودات.

ý       هناك تآمر بإرساء العطاءات على شركات وبعقود ترقى للتمليك وليس للإستثمار.

ý       هناك سكوت عن الفاسدين مع وجود شبه غياب رغبة بمحاسبتهم واسترداد ما نهبوه من أموال حتى أُفرغت جيوب الأردنيين وأصبحت الدولة تدق أبواب الدول والبنوك الدولية طلبا للمنح والقروض الإستعبادية.

ý       هناك إقصاء للوطنيين والإصلاحيين الذين عهدنا بهم الغيرة على الوطن ومصالحه.

ý       هناك انحصار لتعيين السفراء بأشخاص أصحاب خلفيات وتاريخ لا يتورعون بالتصرف وكأنهم يديرون مزرعة.

ý       هناك الرواتب الخيالية لأصحاب المناصب العليا المترهلة والتي تؤخر ولا تقدم.

ý       هناك تقاعد فلكي للنواب والأعيان والوزراء والذين يمكن ان تكون خدمتهم لا تتعدى شهورا معدودة على أصابع اليدين.

ý       هناك جيش ضخم من الوزراء والنواب والأعيان يتقاضون رواتب تقاعدية تهلك الخزينة وتفقرها.

ý       هناك صغار الموظفين والعسكريين ممن تتجاوز خدمتهم نصف أعمارهم ورواتبهم لا تتجاوز (300) دينار وهم الأحوج والأجدر برفع رواتبهم وتقاعدهم.

ý       هناك البطالة الناتجة عن نقص الوظائف بسبب العمى التعليمي بينما أبناء المتنفذين لا يتقدموا حتى بطلب وظيفة من ديوان الخدمة المدنية لأن شواغرهم تفتح وتفصل عند طلبها.

ý       هناك توريث في الكثير من المناصب العليا والتي لسنين طوال تبدو حكرا على أشخاص وعائلات محددة.

ý       هناك تهميش للكثير من العشائر وإقصاء واضح لأبنائها.

أكتفي بهذا القدر من الإضاءات والإشارات للسلبيات الموجودة في مؤسسات الدولة والتي بحاجة ماسة للمراجعة من أجل التدارك والعمل على إيجاد حلول لها لكي لا نقول "أكلت يوم أكل الثور الأبيض" وحتى لا نلجأ للكي المؤلم وعلينا عدم الإنتظار لوقت لا ينفع به الندم. لننتبه أن الإصلاح والتصحيح مطلبان نابعان من الشعب وليس من شخص مناكف يمكن تجاهله.

الإصلاح ببساطة شديدة يعني وجود خلل والخلل يعيق أو يعطل المضي قدما, وكلنا يؤمن بوجود الخلل من رأس النظام حتى القاعدة. والخلل يتمثل بوجود رواسب وشوائب سمح لها بالتراكم وزاد حجمها حتى فرضت نفسها لتصبح عقبة وجزءا من تركيبة الهيكل العام الذي يتولى إدارة الدولة فانصبغ النهج العام بلون هذه الرواسب والشوائب حتى بدأ الجزء المقابل يدرك انه بطريقه للتلوث والتلون اللذان إن تركا ستستحيل إمكانية التصفية والفلترة. فجاءت اليقظة وهب الغيارى لإيقاظ من ظنوا أنهم بأيد أمينة. لقد صار الإصغاء للغيارى على أردنهم فرض عين لتتشابك أيديهم مع قيادتهم لصد الرواسب الضارة ودحرهم وتقزيمهم وعزلهم حتى يستقيم البنيان ويصفو وتمضي المسيرة التي عثروها وعرقلوها.

ما دمنا نقر ونعترف بوجود الخلل وشخصناه وعرفنا أسبابه وتلك بداية مشجعة تستدعي الإسراع بالشروع بإصلاح الخلل. أما أن نبقى نردد ونكرر وجود خلل وفساد دون محاولة إزالة الأجزاء المختلة والخربة, فكأننا نتسترعلى الفساد ونعطي ضوءا أخضر للفاسدين للمضي بنشر جراثيمهم.

فهل ياترى وصل أو اقترب الربيع العربي من الأردن كما يقال ؟؟ إن كانت الإجابة بنعم، فأين أنتم يا أولي الأمر؟؟ وإن كانت الإجابة بلا، فهاتوا برهانكم.

وحمى الله الأردن والغيارى على الأردن. والله من وراء القصد.

ababneh1958@yahoo.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق