]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

العمياء /راينر ماريا ريلكه - ترجمة نزار سرطاوي

بواسطة: نزار سرطاوي  |  بتاريخ: 2011-08-09 ، الوقت: 22:58:52
  • تقييم المقالة:

 

العمياء

رينر ماريا ريلكه *

ترجمة نزار سرطاوي

 
جلسَتْ إلى المنضدة كالآخرين تماماٍ.  
لكن حين نظرت إليها ثانيةً، بدت كما لو أنها تمسك بكوبها 

بطريقة مختلفة قليلاً عندما رفعته. 
ابتسمَتْ مرةً واحدة. وكانت ابتسامتها تثير الرثاء. 
وحين انتهوا وحان وقت القيام، 
وغادروا المكان بخطى وئيدة كما شاءت الصدفة،

ومرّوا عبر العديد من الحجرات (وهم يتحدثون ويتضاحكون)، 
رأيتها. كانت تتحركُ متأخرةً عن الجميع 
غارقةً في التفكير، أشبه بمن سوف يكون عليها

أن تغنّي بعد قليل أمام حشدٍ كبير؛ 
وعلى عينيها اللتين كانتا تلمعان فرحاً

راح الضوء يلعب، كما لو أنه وقع على بركة ماء. 
سارت خلف الجميع على مهل، واستغرقها ذلك وقتاً طويلاً
كما لو كان هناك حاجز عليها أن تجتازه،  
ومع هذا، كانت بعد أن تغلّبت عليه، كما لو أنها  
لم تعد تريد أن تسير بل أن تطير.
_________________________

 

* ولد الشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه في 4 كانون الأول / ديسمبر، عام 1875 في مدينة براغ. كان والده ضابطاً في الجيش ووالدته ابنة تاجر وعضو في مجلس الامبراطورية. كانت أمه ترى أنّ زوجها أدنى مكانةً منها فتركته في عام 1885 لتكون أقرب إلى البلاط الإمبراطوري في فيّنا.


أمضى ريلكه سنوات الدراسة الأربعة الأولى في مدرسة كاثوليكية في براغ. ثم التحق بالدراسة العسكرية، وأمضى فيها بضع سنين. لكنه انسحب منها عام 1890 لعدم قدرته على تحمل الخشونة التي تتطلبها مثل تلك الدراسة.


في أواخر عام 1891 قرر والدا ريلكه إرساله إلى مدرسة التجارة في لينز. في تلك الفترة نشر ريلكه قصائده الأولى، وبدأ يخصص المزيد من الوقت لعمله الأدبي. كما أنه بذل مجهوداً مكثفاً في دراسته حيث ذهب لدراسة تاريخ الأدب والفن في براغ وميونيخ وبرلين.

 

ما بين عاميْ 1899 و 1900 سافر ريلكه إلى روسيا بصحبة سالومي وعائلته، حيث زار متاحف بطرسبيرغ وموسكو والتقى بالعديد من الرساميين الروس، كما التقى بالكاتب الروسي الكبير ليو تولستوي. وقد تركت هذه الزيارة أثرا كبيراً في نفسه انعكس على القصائد التي كتبها إثر عودته.

 

في عام 1900 انتقل ريلكه إلى وربسويد، وهي بلدة صغيرة تقع في الشمال الغربي لألمانيا وتعرف باسم مستعمرة الرسامين. وهناك تزوج من كلارا ويستهوف التي كنت تمارس النحت. لكنه تركها بعد عامين. وفي عام 1905 عمل ريلكه سكرتيراً خاصاً للنحات الفرنسي أوغست رودن في باريس. لكنه لم يمكث معه سوى بضعة أشهر، ثم افترق عنه بعد أن دبّ الخلاف بينهما.

 

سافر ريلكه إلى شمال أفريقيا ومصر واسبانيا. وبين عاميْ 1911 و 19112 عاش في قلعة على ساحل البحر الادرياتيكي. وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى التحق بالحرس الوطني النمساوي ولكن سرعان ما تمّ تسريحه لأسباب صحية.

بعد الحرب عاش ريلكه في سويسرا، واعتباراً من عام 1921 أمضى بعض الوقت في قلعة ميوزوت في ولاية واليس السويسرية الواقعة على الحدود الفرنسية والإيطالية، وذلك بدعوة من فيرنر راينهارت الرجل الثري الذي كان معروفاً برعايته لأهل الأدب والفن والموسيقى. ولم يكن ريلكه قد كتب أية أعمال مهمة منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى. فعاد إلى الكتابة أثناء إقامته في واليس.

توفي ريلكه في مصحةٍ بالقرب من منتجع مونترو في سويسرا في 29 كانون أول / ديسمبر 1926 بعد إصابته بسرطان الدم.

 

يعد ريلكه واحداً من أهم الشعراء الذين كتبوا باللغة الألمانية.  ومن أشهر أعماله الشعرية: "الحياة والأغاني" (1894)، "الحلم المتوج" (1897)، "كتاب الفقر والموت" (1903)،"فصائد حديدة" (1907)، "سوناتات اورفيوس" (1922).العمياء

رينر ماريا ريلكه *

ترجمة نزار سرطاوي

 
جلسَتْ إلى المنضدة كالآخرين تماماٍ.  
لكن حين نظرت إليها ثانيةً، بدت كما لو أنها تمسك بكوبها 

بطريقة مختلفة قليلاً عندما رفعته. 
ابتسمَتْ مرةً واحدة. وكانت ابتسامتها تثير الرثاء. 
وحين انتهوا وحان وقت القيام، 
وغادروا المكان بخطى وئيدة كما شاءت الصدفة،

ومرّوا عبر العديد من الحجرات (وهم يتحدثون ويتضاحكون)، 
رأيتها. كانت تتحركُ متأخرةً عن الجميع 
غارقةً في التفكير، أشبه بمن سوف يكون عليها

أن تغنّي بعد قليل أمام حشدٍ كبير؛ 
وعلى عينيها اللتين كانتا تلمعان فرحاً

راح الضوء يلعب، كما لو أنه وقع على بركة ماء. 
سارت خلف الجميع على مهل، واستغرقها ذلك وقتاً طويلاً
كما لو كان هناك حاجز عليها أن تجتازه،  
ومع هذا، كانت بعد أن تغلّبت عليه، كما لو أنها  
لم تعد تريد أن تسير بل أن تطير.
_________________________

 

* ولد الشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه في 4 كانون الأول / ديسمبر، عام 1875 في مدينة براغ. كان والده ضابطاً في الجيش ووالدته ابنة تاجر وعضو في مجلس الامبراطورية. كانت أمه ترى أنّ زوجها أدنى مكانةً منها فتركته في عام 1885 لتكون أقرب إلى البلاط الإمبراطوري في فيّنا.


أمضى ريلكه سنوات الدراسة الأربعة الأولى في مدرسة كاثوليكية في براغ. ثم التحق بالدراسة العسكرية، وأمضى فيها بضع سنين. لكنه انسحب منها عام 1890 لعدم قدرته على تحمل الخشونة التي تتطلبها مثل تلك الدراسة.


في أواخر عام 1891 قرر والدا ريلكه إرساله إلى مدرسة التجارة في لينز. في تلك الفترة نشر ريلكه قصائده الأولى، وبدأ يخصص المزيد من الوقت لعمله الأدبي. كما أنه بذل مجهوداً مكثفاً في دراسته حيث ذهب لدراسة تاريخ الأدب والفن في براغ وميونيخ وبرلين.

 

ما بين عاميْ 1899 و 1900 سافر ريلكه إلى روسيا بصحبة سالومي وعائلته، حيث زار متاحف بطرسبيرغ وموسكو والتقى بالعديد من الرساميين الروس، كما التقى بالكاتب الروسي الكبير ليو تولستوي. وقد تركت هذه الزيارة أثرا كبيراً في نفسه انعكس على القصائد التي كتبها إثر عودته.

 

في عام 1900 انتقل ريلكه إلى وربسويد، وهي بلدة صغيرة تقع في الشمال الغربي لألمانيا وتعرف باسم مستعمرة الرسامين. وهناك تزوج من كلارا ويستهوف التي كنت تمارس النحت. لكنه تركها بعد عامين. وفي عام 1905 عمل ريلكه سكرتيراً خاصاً للنحات الفرنسي أوغست رودن في باريس. لكنه لم يمكث معه سوى بضعة أشهر، ثم افترق عنه بعد أن دبّ الخلاف بينهما.

 

سافر ريلكه إلى شمال أفريقيا ومصر واسبانيا. وبين عاميْ 1911 و 19112 عاش في قلعة على ساحل البحر الادرياتيكي. وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى التحق بالحرس الوطني النمساوي ولكن سرعان ما تمّ تسريحه لأسباب صحية.

بعد الحرب عاش ريلكه في سويسرا، واعتباراً من عام 1921 أمضى بعض الوقت في قلعة ميوزوت في ولاية واليس السويسرية الواقعة على الحدود الفرنسية والإيطالية، وذلك بدعوة من فيرنر راينهارت الرجل الثري الذي كان معروفاً برعايته لأهل الأدب والفن والموسيقى. ولم يكن ريلكه قد كتب أية أعمال مهمة منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى. فعاد إلى الكتابة أثناء إقامته في واليس.

توفي ريلكه في مصحةٍ بالقرب من منتجع مونترو في سويسرا في 29 كانون أول / ديسمبر 1926 بعد إصابته بسرطان الدم.

 

يعد ريلكه واحداً من أهم الشعراء الذين كتبوا باللغة الألمانية.  ومن أشهر أعماله الشعرية: "الحياة والأغاني" (1894)، "الحلم المتوج" (1897)، "كتاب الفقر والموت" (1903)،"فصائد حديدة" (1907)، "سوناتات اورفيوس" (1922).


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • Ali Lallo | 2011-08-10
    عندما تكون المشكلة في البصر تظل الحياة مقبولة مع تجليات ذاك الجمال الوجودي الباعث على إلهام الشاعر وإبداع المترجم، أما حين يتغوّل عمى البصيرة كما هي حال الأنظمة العربية، فإن الغياب يرخي سدوله على الحياة والجمال، ليتجسد الحضور في الجحيم.
  • نزار سرطاوي | 2011-08-10
    الأخت الفاضلة هند: أنا الذي أحييك وأشكرك على حضورك البهي سيدتي.
  • Hend Hanandeh | 2011-08-10
    الاستاذ نزار احييك على جمال اختياراتك دمت متألقاً
  • نزار سرطاوي | 2011-08-10
    الصديقة طيف: البعض في العالم العربي يظن أن ريلكه ألماني، وذلك على الأغلب لأنه يكتب باللغة الألمانية. علماً بأن اللغة الألمانية الحديثة التي تفرعت من اللغة الأم الجرمانية هي لغة النمسا أيضاً وهولندة على ما أظن وأجزاء كبيرة من سويسرا. شكرا لمتابعتك وتعليقاتك الجميلة وإضافاتك المفيدة.
  • طيف امرأه | 2011-08-10
    القصيدة رائعه جدا من حيث الوصف ,, فهو دقيق برقي كنما هي امامك ,
    وقصة حياته فيها معاناة , اعجبني رغم كوني لم اعرفه سابقا ومنكم استفدنا استاذنا
    شكرا لك استاذنا لما تقدمه لنا من فوائد جمة لترجمتك ,هذا يعطينا الكثير من المعلومات ويساعدنا على معرفة الشعراء الغربيين ويفيد المحبين لمعرفة الاخر
    سلمتم ووفقكم الله للخير
    طيف بتقدير

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق