]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عندما...تنتصر الدماء

بواسطة: ليث العبدويس  |  بتاريخ: 2011-08-09 ، الوقت: 21:27:11
  • تقييم المقالة:

ثلاث مشاهد مروعة احالتني الى التساؤل الفلسفي القديم، هل نحن محكومون بذلك التوازن الحرج بين مكوناتنا الاولى، الطينُ والروح؟ وان كان الطين بأرضيته الدونية ولزوجته الغرائزية يشدنا الى ارتكاب الفظائع وممارسة الوحشية بصورها البهيمية الصرفة، فهل يسمو بنا نصفُنا الروحاني للترفع عن الرذائل والقاذورات وحمأة القتل والابادة والشهية المفتوحة للدماء الطازجة؟ هل نحنُ كائن اندمج فيه شيءٌ من روح الإله فحلّق في ملكوته العريض يباري الملائكة وداعةً ورِقّة، ام ننطوي في أعماق دواخلنا على جوانب مظلمة تستسيغ الجحيم وتستطيب الاهوال؟ ولِمن الغَلَبةُ في هذا الصراع بين الماء والنار، بين النور والعتمة، بين الهدوء والاعصار؟ تساؤلات فجّرتها بعنفٍ تلك المشاهد الحية البعيدة بُعد المجرات عن شيءٍ إسمه الانسان والانسانية – إن بقي ثمة معانٍ هائمة لهذه الاوصاف الهزيلة – ولعلّي اليوم التمس عذراً لأولئك النفر المنقلبين على مبادئهم وما كانوا يعتبروه يوماً بديهيات مُسلّمٌ بها وثوابت لا زحزحة عنها، حين تُرَضُّ رؤوسهم على صخرة الصدمة الصمّاء فتتناثر المُثل وتتحطم المبادئ وتنهار القيم.

 وعقب المقدمة المطولة قليلاً تَراني اتردّدُ فعلاً في عرض المشاهد الثلاث اشمئزازاً ونفوراً وخشية خدش مشاعر القارئ الحساس او جرح نفسه المُلتاعة أصلاً بكل الاخبار الحزينة التي لا تَسُرْ، بيدَ أن لا مناص من نقل نبأ الفاجعة نصاً لمن لمْ يؤذي ناظره برؤيتها عياناً او مُتلفزة، المشهد الاول: "شبيحة" النظام السوري وجندُ الأسد يأتون بمتظاهر جريح قبض عليه للتو، يُرمى المسكين تحت جنازير دبابة هائلة الحجم، تدهسُه الألة المُسخّرة للموت مرتين، ذهاباً وإياباً، في المرة الثانية لا يتبقى منه شيءٌ يدل على ملامحه البشرية، زمرة الاوغاد المُدججة بالسلاح والحقد تغرق في نشوة انتصارٍ زائفٍ حقير، جسدُ الانسان الأعزل الهش في مواجهة فولاذ المجنزرة الصلد السميك، التناسبُ معدوم وميزان القُوى طائش بشدة، ينتصر الجسد المسحوق على الذئاب البشرية، يُهزم الطين اللازب وتنتصر الروح السامقة الأبية.

 المشهد الثاني: "مُرتزقة" العقيد المخبول تُطارد ثُلّةً من المُحتجين، يحتمي هؤلاء بغرفة صغيرة مُتداعية، يقتحم الأشاوس عليهم مخبأهم ويبدأ حمام الدم الرهيب، رصاص الزعيم لا يوفر حياة الا وأزهقها، ومرة أخرى، تندحر كتائب الخزي بوجه الشهادة الغزيرة المُفرطة، رغم استحالة المقارنة بين ترسانة الموت ورغبات الحرية الجامحة.

 المشهد الثالث: شيخٌ في نهايات العمر وهزيعه الاخير، محدودب الظهر متغضن الجلد، تُمزق جسده المتداعي صفعات الجند وركلاتهم، يدعونه ليذكر "هُبل" بخير، فتأبى الشيبة الوقورة وتأنف الذُلة والخنوع، سنينهُ الطويلة لقنتهُ الجَلَد على تخرص الأقزام، وللمرة الثالثة، ينتصر الثابت على الطارئ، والراسخ على المُهتز، والجمال الدامي على البشاعة والوضاعة.

 إذن في المشاهد المُروعة الثلاث ثمة قاسم مشترك ونقطة لقاء وثيمة عامة، تختلف التفاصيل وتلتقي العموميات، برابرة الاجهزة الأمنية العربية وفِرقُ الموت القمعية تمارس كل عُقدِها الدفينة ضد مواطنيها، همجيتهم لا تعرف حدوداً تقف عندها، تُراهن على الزمن والرعب وفرط استخدام القوة لامتصاص زخم الدوامة الثورية الآخذة في الأتساع، تفرض قوانين أسوأ ألف مرةٍ من شريعة الغابة بحجة الشرعية ومكافحة الإرهاب وردع الجماعات المسلحة، وعلى الجانب الأخر، تتسطر رواية الواقع العربي المُزري الممتلئ بندوب الاضطهاد والعدمية والظلم والتصفير، واقعٌ أنتج في النهاية انتفاضات باسلة لم تعد تعبأ بحجم تضحياتها او تكترث بأرقام ضحاياها، حُمى شديدة من التغيير تجتاح كل عاصمة عربية هدفها إلغاء مرحلة مثقلة بالخزي والمهانة والعار الثقيل، مرحلة توالد فيها العسف والقهر توالد البراغيث والفئران في أنفاق العقل العربي المكبل، اعظم منجزات الثورة العربية المستمرة انها اقتلعت جدار الخوف وحاجز الصمت ورفعت شعاراً راديكالياً يرفض اصلاح النظام الفاسد بل يطالب باجتثاثه من جذوره المتعفنة، ومن هنا يُفهم تمسك الثوار بموقفهم الحازم في الامتناع عن الحوار مع أركان النظم المتداعية، نظم اختزلت في عناوينها ومناهجها كل آثام البشر وشروره، تبقى حقائقُ لا يختلف عليها اثنان، ان يلجأ نظامٌ ما الى الاتكاء على مسانِدِهِ المسلحة لدرأ فتنةٍ مندلعةٍ او قطع دابر فاسدٍ مُسعّر او إحلال أمنٍ مفقود فذلك مما يرتضيه العقل وتقبله الفِطرُ وتستسيغه السلائق، وان يحتكر نظام ما أدوات العنف ووسائل القوة وعصِيَّ الطاعة لتفادي استشراء فوضىً او تعسكر المجتمع او تمترس الشارع فذلك ايضاً من المنطق والعدالة والانصاف، لكن ان يُطلق نظامٌ ما وحوشه الحبيسة ومعتوهيه ومرضاه النفسيين الساديين تنهشُ في لحوم مواطنيه وتفترسُ أفراد شعبه، فتلك فئة لا تستحق ان يلفح نور الشمس سحناتها الكريهة، وتستمر الثورة العربية القُرمُزية، لحياةٍ تَسُرُّ الصديق، او لمماتٍ يُغيظُ العِدا.    


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق