]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

الصومال.. محنةُ الضمير.. محنةُ الإنسان

بواسطة: ليث العبدويس  |  بتاريخ: 2011-08-09 ، الوقت: 21:24:26
  • تقييم المقالة:

تسونامي الجائعين يضرب مقاديشو، قوافِلُ تتهادى مُتقاطرةً كسيلٍ جارفٍ تغزو الأزقة الحزينة والشوارع المُترِبة، تفترشُ الأرض وتلتحف السماء، أفواجٌ من الهياكل العظمية البشرية يعلوها القَتَر وظِلالُ الموت تزحفُ على العاصمة المنكوبة أصلاً بالاقتتال والصراع والفوضى، جَفَّ الضِرعُ ويَبُس الزرعُ وقَرُبَ النَزعُ وامتدَّ الفَزَعُ فطاشتْ الألاف هائمةً على وجوهها على غيرِ هُدىً وبلا هدف، يدفعها القُنوطُ واليأسُ والأمعاءُ الخاوية المحترقة، فكانوا كمن استجارَ من الرمضاءِ بالنارِ، فبدل ان يواجهوا شبح الجوع وحده في قُراهُمُ المعزولة، بات عليهم في العاصمة ان يُعانوا من القصف والخطف والاغتصاب والذُلِ والإهانة، انقطع الغيثُ وأجدبتْ الأرضُ وحلَّ الجفافُ ونعق الغُراب وأقام البومُ ورحلَ الإنسانُ وماتَ ضميرُ البشرية، الصومالُ السوداء العجفاء تموتُ وتُحتَظر، يتناهبُ مصيرها الحالك قَحطٌ لا يُبقي ولا يَذَر، وحربٌ حمقاءُ رعناءُ لا تعرفُ النهاية او الهوادة تحولتْ الى قناةٍ مشبوهةٍ لتصريف قيح الخراب والحقد والذخائر والتطرف، العالم بَطينٌ مُترهل مُتخم غارقٌ في حفلات الشواء والبوفيه والكونتيننتال ونكهة الشمبانيا والكافيار ورماد السيجار والأفيون، والصومال تَجدْ موتاً وفيراً حيثُما يممتْ شَطرَ وجهها الكالح العبوس، مُخيفة هي تلك الأرقام والحقائق الصادمة عن اللؤم الإنساني والأنانية البشرية في مُقابل المذبحة الصومالية الصامتة، الولايات المتحدة الامريكية، راعية الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومُحيطها الطيّع، العالم الصناعي الليبرالي الحُرْ، يُهدرانِ ثُلُث إنتاجِهما الغذائي السنوي، وهو يُعادل ما قيمتهُ 48 مليار دولار، تكفي لإشباع كُلِ جياع الأرضِ ومُعدميها وفُقرائِها ويزيد، وفيما يموتُ طفلٌ كُلَّ خمس ثوانٍ من الجوعِ او نقص الغذاء، فمن المُرجّح ان تتصاعد نِسبةُ الهدر العالمي لموارد الطعام لتصل إلى النصف من مُجمل الإنتاج، مليار وثلاثُمائة مليون طُن من الأغذية الأساسية كالحبوب الاستراتيجية والمحاصيل الحقلية يجري إتلافها او رميها في سِلال القُمامة ومكبّات النفايات او في عَرَض المُحيط او دفناً في رمال الصحراء، او تُتلف عن طريق تحويلها الى وقود حيوي كالإيثانول لإشباع نَهم المجتمع الاستهلاكي للطاقة الرخيصة، عشرةٌ بالمائة فقط من ثروات أصحاب المليارات تُشبع مِليار إنسانٍ يتضورُ جوعاً حول العالم، تُنفِقُ ستةٌ من دول العالم المتقدم على طعام القِطط والكلاب خلال اسبوعٍ واحدٍ فقط مجموع ما خصصته الأممُ المُتحدة لإغاثة الجائعين لمُدّة عامٍ كامل، نحن نعيشُ فُصول مهزلة حقيقيةٍ مُستمرة، نحنُ نُعاني من مُتلازمة شُحٍ إنسانيٍ مُزمِنٍ وتشققاتٍ عميقةٍ في جِدار بشريتنا، أزمة الصومال تبكيتٌ وتأنيبٌ وتقريعٌ عنيف لصدقنا وتضامُننا تجاه أصلنا المُشترك بوجه تحدياتٍ أساسية لا تتعلق في جوهرها بمشكلاتٍ قد تُصنف على أنها " كمالية " الى حدٍ ما، كالاحتباس الحراري وظاهرة ثُقب الأوزون وأعباء العولمة وتباين التنمية بين الشمال والجنوب ونضوب موارد البترول وغيرها، قدر تعلقها بمحنة وجودٍ وبقاءٍ ومصيرٍ، ان نكونَ او لا نكون، ان ننتشل البقية الأخيرة من حُطام حضارتنا العقلانية الرشيدة المنطقية او ننحدر سريعاً في مهاوي الوحشية والغابة والهمجية، ان ننتصر للإنسان من حيث كونه إنسان ومن هذا المنطلق فحسب، او نُصنِف بني البشر إلى ضواري وطرائد، مُفترسات وضحايا، شمال وجنوب، غني وفقير. الصومال، على تمزُقها وتشرذُمِها، نجحت في احراجنا جميعاً، وضعتْ كل تبجحاتنا الإنسانية وهُراءنا الذي نَهذُرُ بِهِ ليل نهار على المَحَك، وخزتْ ضمائرنا المُتيبسة بِدُبّوس مؤلِم، مقاديشو تُغلقُ ابوابها الساعة، تحتضن أولادها المُشرّدين وايتامها البؤساء، تدفُنُ موتاها بِصمتٍ وسكينة، تهشِمُ آخر رغيف خُبزٍ جافٍ على آخِرِ أطفالها الأحياء، مقاديشو لا تستجدي أحداً، او تستغيثُ بأحد، مقاديشو قررتْ الموت بلا لغطٍ او جَلَبة، ولينعم العالمُ بالسلام، ولعل لِسان حالها يقول، لم أشأ احراجكم، ارجوكم، اشيحوا بوجوهكم عني بعيداً، فلعلَّ منظري وانا احتظر يؤذي مشاعركم الرقيقة، واحاسيسكم المُرهفة، وعليه أنصحُكُم البقاء في مقاعدكم الوثيرة، وانتظار اعلان وفاتي من وسائل الاعلام، حينها فقط، ستشعرون بالتحسن.

 

  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق