]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ (مِنْ لَبُؤاتِ الإِسْلامِ).

بواسطة: أحمد عكاش  |  بتاريخ: 2012-10-03 ، الوقت: 21:32:28
  • تقييم المقالة:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ رَضِيَ اللهُ عنْهَا

 

بقلم: أحمد عكاش

 

كَمَا تَتَنَوَّعُ فِي الطَّبِيعَةِ أَشْجَارُهَا، وَكَمَا تَتَنَوَّعُ فِي الأَشْجَارِ ثِمَارُهَا، وَكَمَا تَتَنَوَّعُ فِي الثِّمَارِ طُعُومُهَا، مِثْلُ ذَلِكَ يَتَنَوَّعُ مَعْشَرُ البَشَرِ، فَلِكُلِّ إِنْسَانٍ مِيزَةٌ خَصَّهُ اللهُ تَعَالَى بِهَا تَجْعَلُهُ ذَا خَصَائِصَ قَدْ لا يُشَارِكُهُ سِوَاهُ فِيهَا، فَإِذَا أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ فِي النَّاسِ حَوْلَكَ فَسَتَجِدُ بَيْنَهُمْ مَنْ هُوَ أَشْبَهُ بِالنَّخْلَةِ المثْمِرَةِ، قَامَتُهَا مُنْتَصِبَةٌ مَمْشُوقَةٌ، وَهَامَتُهَا مَرْفُوعَةٌ تَتَأَمَّلُ السَّمَاءَ، ثِمَارُهَا حُلْوَةٌ أَوْدَعَ الخَالِقُ فِيهَا مِنَ المَنَافِعِ وَالخَيْرِ مَا لا تُدَانِيهَا ثَمَرَةٌ أُخْرَى، وَسَتَرَى بَيْنَ النَّاسِ مَنْ يُذَكِّرُكَ فِعْلُهُ وَقَوْلُهُ أَشْوَاكَ الجِبَالِ وَهَشِيمَ الحُقُولِ، فَلاَ مَرْأًى يَسُرُّ النَّاظِرَ وَلا طَعْمٌ يَلَذُّ الآكِلَ، بَلْ جِرَاحٌ وَأَلَمٌ.

تَبَادَرَ إِلَى ذِهْنِي هَذَا الخَاطِرُ حِينَ شَرَعْتُ أَتَعَرَّفُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ أَجَلِّ الصَّحَابِيَّاتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ، إِنَّهَا (الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ) الأَنْصَارِيَّةُ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، فَهِيَ عِنْدِي أَشْبَهُ مَا تَكُونُ بِالنَّخْلَةِ المثْقَلَةِ بِالثِّمَارِ، كُلُّ مَا فِيهَا خَيْرٌ وَنَفْعٌ، فَإِنْ كَانَ فِي النَّخْلَةِ لِلمُسَافِرِ الظِّلُّ الحانِي، وَلِلطَّاعِمِ الثَّمَرُ الشَّهِيُّ، وَلِلصَّانِعِ الخَشَبُ وَاللِّيفُ وَالسَّعَفُ ... فَـ (الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ) فِيهَا أَصْنَافٌ مِنَ الخَيْرِ وَالبَرَكَةِ تَجْعَلُ المَرْءَ يَنْحَنِي إِجْلالاً وَإِكْرَاماَ لَهَا، فَهَلُمَّ مَعِي –أَخِي- نَتَفَيَّأْ قَلِيلاً هَذِهِ النَّخْلَةَ السَّامِقَةَ، فَفِي كَنَفِهَا تَحْلُو – وَاللهِ – الإِقَامَةُ، وَقُرْبَهَا يَنْفَتِحُ القَلْبُ وَاسِعاً عَلَى عَوَالِمَ مِنَ الضِّيَاءِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالسَّعَادَةِ.

(الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ) – يَا أَخِي – إِحْدَى هَاتِهِ النِّسْوَةِ المبَارَكَاتِ اللَّوَاتِي مَثُلْنَ أَمَامَ النَّبِيِّ rخَاشِعَاتٍ للهِ تَعَالَى، مُمْتَثِلاتٍ لأَوَامِرِ نَبِيِّهِنَّ الكَرِيمِ، يُبَايِعْنَهُ بَيْعَةَ النِّسَاءِ، كَانَ يَقُولُ لَهُنَّ: (أُبَايِعُكُنَّ عَلَى أَلاَّ تُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً، وَلا تَسْرِقْنَ، وَلا تَزْنِينَ، وَلا تَقْتُلْنَ أَوْلادَكُنَّ، وَلا تَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُنَّ وَأَرْجُلِكُنَّ، وَلا تَعْصِينَنِي فِي مَعْروفٍ..) فَأَطْرَقْنَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْنَ: نَعَمْ فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّهُ.

فَقُلْنَ: نَعَمْ فِيمَا اسْتَطَعْناهُ. وَكُنَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ جَمِيعاً يُرَدِّدْنَ مَا يَقُولُ بِقُلُوبِهِنَّ وَجَوَارِحِهِنَّ قَبْلَ أَلْسِنَتِهِنَّ، وَكُنَّ يَحْثُثْنَ بَعْضَهُنَّ عَلَى الاسْتِجَابَةِ، وَتَقُولُ الوَاحِدَةُ مِنْهُنَّ لِلأُخْرَى: قَولِي(نَعَمْ)، فَتَقُولُ: نَعَمْ.

(الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ) –يَا أَخِي– كَانَتْ مِنْ بَنِي البَشَرِ، تَأْكُلُ الطَّعَامَ وَتَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ، يَعْتَرِيهَا مَا يَعْتَرِينِي أَنَا، وَيَعْتَرِيكَ أَنْتَ، وَيَعْتَرِي أَيّاً مِنَ البَشَرِ، فَهِيَ تَرْضَى وَتَسْخَطُ، وَتَنْقِمُ وَتَعْفُو، فَيُقَالُ إِنَّهَا غَضِبَتْ مَرَّةً عَلَى بِنْتٍ أَنْصَارِيَّةٍ، فَتَنَازَعَتَا، وَتَسَبَّبَتِ (الرُّبَيِّعُ) رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي كَسْرِ ثَنِيَّةِ الجَارِيَةِ الأَنْصَارِيَّةِ، وَمَنْ مِنَّا لَمْ يَغْضَبْ وَلَوْ مَرَّةً فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا؟ مَنْ مِنَّا لَمْ تَخُنْهُ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّحَكُّمِ بِلِسَانِهِ أَوْ يَدِهِ؟. مَا دَامَ لِلإِنْسَانِ عَيْنٌ تُبْصِرُ، وَأُذُنٌ تَسْمَعُ وَعَقْلٌ يَعِي فَهُوَ عُرْضَةٌ لِلغَضَبِ فِي كُلِّ حِينٍ، وَهَذَا مَا عَرَضَ لِلرُّبَيِّعِ، لَكِنَّ الصَّالِحَاتِ أَمْثَالَهَا يَنْدَمْنَ سَرِيعاً عَلَى مَا بَدَرَ مِنْهُنَّ، إِنْ جَانَبْنَ فِيهِ الحِكْمَةَ وَالأَنَاةَ، لِهَذَا سَارَعَتْ هِيَ وَأَخُوهَا (أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) tوَلَفِيفٌ مِنْ أَهْلِهَا يَعْرِضُونَ عَلَى أَهْلِ البِنْتِ الأَنْصَارِيَّةِ المَالَ الوَفِيرَ، تَعْوِيضاً لَهُمْ عَمَّا أَصَابِ ابْنَتَهُمْ مِنَ الضَّرَرِ، فَأَبَوْا قَبُولَ المَالِ، فَعَمَدَ أَهْلُ (الرُّبَيِّعِ) إِلَى سُلُوكِ سَبِيلٍ آخَرَ يَلْتَمِسُونَ بِهِ الصُّلْحَ، وَذَاكَ بِطَلَبِ العَفْوِ وَالتَّكَرُّمِ عَلَيْهِمْ بِالمسَامَحَةِ، فَالعَفْوُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ مِنَ الخُلُقِ الَّذِي وَعَدَ اللهُ تَعَالَى المتَخَلِّقِينَ بِهِ بِالأَجْرِ الجَلِيلِ يَوْمَ الحِسَابِ، إِلاَّ أَنَّ ذَوِي البِنْتِ أَبَوْا أَيْضاً العَفْوَ عَنْهُمْ، وَرَفَعُوا شَكْوَاهُمْ إِلَى أَعْدَلِ الخَلْقِ، إِلَى قَاضِي القُضَاةِ، أَنْزَهِ الحُكَّامِ، رَفَعُوا شَكْوَاهُمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ e، وَيَسْمَعُ eالشَّكْوَى وَيَسْأَلُ وَيَسْتَفْسِرُ حَتَّى انْجَلَتِ القَضِيَّةُ لَهُ، وَيُدْلِي بِحُكْمِهِ العَادِلِ: " إِنَّهُ القِصَاصُ ".

العَيْنُ بِالعَيْنِ وَالأَنْفُ بِالأَنْفِ وَالأُذُنُ بِالأُذُنِ وَالسِّنُّ بِالسِّنِّ .. ذَاكَ حُكْمُ السَّمَاءِ، ذَاكَ حُكْمُ مَنْ أَمَرَ البَرِيَّةَ بِالعَدْلِ، ذَاكَ حُكْمُ مَنْ قَالَ : " وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) البقرة.

إذن .. سَتَنْزِلُ (الرُّبَيِّعُ) لِحُكْمِ اللهِ، وَيُقَتَصُّ مِنْهَا لِلجَارِيَةِ الأَنْصَارِيَّةِ المَكْسُورِ سِنُّهَا، وَيَصِلُ نَبَأُ القَضَاءِ وَالحُكْمِ إِلَى (أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ) أَخِي (الرُّبَيِّعِ) وَعَمِّ (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) y، فَيَجْمَعُ عَلَيْهِ أَذْيَالَ ثَوْبِهِ وَيَمْضِي إِلَى رَسُولِ اللهِ e: يَا رَسُولَ اللهِ ! أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ ؟!.

وَيَجِيءُ الجَوَابُ حَازِماً جَازِماً فِي إِمْضَاءِ قَضَاءِ اللهِ، وَالانْصِيَاعِ لِحُكْمِ السَّمَاءِ: يَا أَنَسُ ! كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ.

هَذِهِ هِيَ القَضِيَّةُ بِرُمَّتِهَا: إِنَّهَا قَضَاءُ اللهِ وَحْدَهُ، كَتَبَ عَلَى عِبَادِهِ القِصَاصَ فِي مَنْ كَسَرَ سِنَّ غَيْرِهِ، فَلَوْ أَنَّ (فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ) سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا، فَلا شَفَاعَةَ – إِذَنْ – فِي كَسْرِ ثَنِيَّةِ (الرُّبَيِّعِ)، وَإِنْ بَلَغَتِ (الرُبَيِّعُ) مِنَ الشَّرَفِ أَنْ كَانَتْ أُمَّ (حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ) نَفْسِهِ، وَإِنْ نَالَتِ (الرُّبَيِّعُ) مِنَ المَجْدِ أَنْ كَانَتْ أُخْتَ (أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ) ذَاتِهِ.

سَمِعَ (أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) حُكْمَ اللهِ فِي أُخْتِهِ، القِصَاصَ..كَسْرَ ثَنِيِّتِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ أَنَّ لأُخْتِهِ هَذِهِ عِنْد رَبِّهَا مَنْزِلَةً تَجْعَلُهَا إِذَا جَأَرَتْ إِلَى رَبِّهَا بِالدُّعَاءِ أَنْ يُهَيِّئَ لَهَا مِنْ أَمْرَها فَرَجاً، وَيَثِقُ أَنَّ رَبَّهُ كَرِيمٌ مَعَهُ هُوَ لا يُخَيِّبُ لَهُ رَجَاءً، وَلا يُوصِدُ فِي وَجْهِه بَاباً مِنْ أَبْوَابِ رَحْمَتِهِ .. فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ e: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا.

قَوْلَةٌ كَهَذِهِ لا يَقُولُهَا إِلاَّ مُؤْمِنٌ اْمَتلأَ قَلْبُهُ بِرَبِّهِ إِيمَاناً وَثِقَةً، مُؤْمِنٌ أَخْلَصَ العَمَلَ للهِ، مُؤْمِنٌ تَدَرَّجَ صُعُداً فِي دَرَجَاتِ الرِّضَا عَنْ رَبِّهِ حَتَّى تَبَوَّأَ مَنْزِلَةً يَصِيرُ فِيهَا عَلَى يَقِينٍ أَنَّ رَبَّهُ مَعَهُ، يَحُوطُهُ بِرِعَايَتِهِ، وَيُبَاشِرُ مَصَالِحَهُ بِذَاتِهِ، فَهُوَ تَعَالَى عَيْنُهُ الَّتِي يُبْصِرُ بِهَا، وَيَدُهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا، وَعَقْلُهُ الَّذِي يُدَبِّرُ بِهِ، مُسْتَجِيبُ دَعَوَاتِهِ وَقَاضِي حَاجَاتِهِ، وَأَنَّهُ سَيُهَيِّئُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَمِن كُلِّ كَرْبٍ فَرَجاً ...

وَيَأْتِي التَّدْبِيرُ مِنْ فَوْقِ السَّبْعِ الطِّبَاقِ، مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ، فَإِذَا بِقَوْمِ البِنْتِ الَّذِينَ أَبَوْا بِالأَمْسِ قَبُولَ المَالِ وَإِنْ كَثُرَ، وَأَعْرَضُوا عَنْ وَسَاطَةِ الخَيْرِ وَالصُّلْحِ، إِذَا بِهِمْ يَعْفُونَ عَنِ (الرُّبَيِّعِ)، يَعْفُونَ عَفْواً بِلا عِوَضٍ وَلا مِنَّةٍ وَلا تَفَضُّلٍ، عَفْواً لا تَخْفَى فِيهِ آثارُ صَنْعَةِ اللهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَلا تَخْفَى فِيهِ كَرَامَةُ (الرُّبَيِّعِ) وَكَرَامَةُ أَخِيهَا (أَنَسٍ) وَمَكَانَتُهُمَا عِنْدَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، فَيَقُولُ r: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، مِنْهُمْ (أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ).

للهِ أَنْتِ يَا (ابْنَةَ النَّضْرِ)، للهِ أَنْتَ يَا (ابْنَ النَّضْرِ)، مَا أَكَرَمَكُمَا عَلَى رَبِّكُمَا.

(أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) tفَاتَتْهُ غَزْوَةُ (بَدْرٍ)، فَشَقَّ عَلَيْهِ، فَكَانَ كُلَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَبْدَى أَسَفَهُ وَتَحَسُّرَهُ، كَيْفَ غَابَ عَنْ أَوَّلِ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللهِ e؟!، كَيْفَ أَخْطَأَهُ شَرَفُ المشَارَكَةِ فِي أَوَّلِ صِدَامٍ مُسَلَّحٍ حَقِيقِيٍّ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ فِي حَيَاةِ المسْلِمِينَ؟، لَقَدْ ذَهَبَ الصَّحَابَةُ البَدْرِيُّونَ بِالفَضْلِ وَالسَّبْقِ، وَفَاتَهُ هَذَا الشَّرَفُ العَظِيمُ، فَعَقَدَ العَزْمَ عَلَى أَنْ يَسْتَدْرِكَ مَا خَسِرَهُ، وَلَيُبْلِيَنَّ فِي سَبِيلِ اللهِ أَقْصَى البَلاءِ، وَلَيَبْذُلَنَّ فِي سَاحِ المَعْرَكِة أَشْرَفَ البَذْلِ وَأَنْفَسَهُ: إِنْ أَرَانِيَ اللهُ مَشْهَداً فِيمَا بَعْدُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَرَانِيَ اللهُ مَا أَصْنَعُ.

لَمْ يَزِدْ (أَنَسٌ) عَلَى هَذَا حَرْفاً وَاحِداً، لا يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ عَلَى نَفْسِهِ عُهُوداً قَدْ لا يَقْوَى عَلَى الوَفَاءِ بِهَا، بَلْ لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا حَرْفاً وَاحِداً لأَنَّهُ كَانَ حَازِماً مَاضِيَ الهِمَّةِ، وَالَّذِينَ جَبَلَهُمُ اللهُ مِنْ هَذِهِ الطِّينَةِ يَكُونُ فِعْلُهُمْ غَالِباً عَلَى قَوْلِهِمْ، فَقَدْ هَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَ مَا قَالَ، وَبَاتَ يَتَرَقَّبُ نُشُوبَ قِتَالٍ آخَرَ، لِيُتَرْجِمَ قَوْلَهُ أَفْعالاً تُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ، وَمِنْ جَدِيدٍ تَسْتَجِيبُ السَّمَاءُ لَهُ، فَقَدْ نَشِبَتْ غَزْوَةُ (أُحُدٍ)، فَإِذَا بِهِ أَحَدُ النَّفَرِ السَّابِقِينَ إِلَى لِقَاءِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، وَإِذَا بِهِ يُوغِلُ فِي صُفُوفِ العَدُوِّ، يُمْعِنُ فِيهِمْ ضَرْباً وَطَعْناً، وَكَأَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى أَلاَّ يَعُودَ إِلَى أَهْلِهِ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ أَوْ رُوحِهِ، وَ وَسْطَ تِلْكَ المَعْمَعَةِ الطَّاحِنَةِ حَيْثُ يَحْصُدُ المَوْتُ الأَرْوَاحَ حَصْداً مُرِيعاً، يَلْتَقِي بِرِجَالٍ مِنَ المهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدْ أَلْقَوْا مَا بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ: مَا يُجْلِسُكُمْ؟.

قَالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ.

قَالَ: فَمَاذَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ.

وَيَسْتَقْبِلُ (أَنَسٌ) (سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ) t، وَقَدْ وَلَّى (سَعْدٌ) tالعَدُوَّ دُبُرَهُ، فَيَعْتَرِضُ طَرِيقَهُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، أَيْنَ ؟.

تَضَايَقَ (أَنَسٌ) إِذْ رَأَى بَعْضاً مِنَ المسْلِمِينَ يُسْلِمُونَ رَسُولَ اللهِ وَيَمْضُونَ لا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، فَيُرْدِفُ: أَيْ سَعْدُ ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ دُونَ (أُحُدٍ)، وَاهاً لِرِيحِ الجَنَّةِ.

ثُمَّ يَلْتَفِتُ يَنْظُرُ إِلَى المشْرِكِينَ وَيُنَاجِي رَبَّهُ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلاءِ ..

وَيَنْظُرُ نَاحِيَةَ المسْلِمِينَ: وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ.

ثُمَّ مَشَى يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ بَيْنَ صُفُوفِ المشْرِكِينَ غَيْرَ مُبَالٍ بِضَرَبَاتِ السُّيُوفِ وَطَعَنَاتِ الرِّمَاحِ وَالنِّبَالِ الَّتي تَنْهَمِرُ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ غَزِيرَةً، وَيَمْضِي قُدُماً حَتَّى أَثْخَنَتْهُ جِرَاحُهُ، وَقُتِلَ شَهِيداً فِي سَبِيلِ الحَقِّ.

وَتَنْتَهِي (أُحُدٌ) وَتَعُودُ قُرَيْشٌ إِلَى مَكَّةَ، وَيَنْقَلِبُ المسْلِمُونَ إِلَى أَرْضِ المَعْرَكَةِ يَلْتَمِسُونَ فِي ذَلِكَ السَّهْلِ الممَهَّدِ قُرْبَ (أُحُدٍ) قَتْلاهُمْ، وَنَرَى بَيْنَهُمْ (الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ) تَطْلُبُ أَخَاهَا (أَنَساً)، لَكِنَّهَا لَمْ تَجِدْهُ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَى أَهْلِهِ مَعَ العَائِدِينَ، لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَاحِداً مِنْ هَؤَلاءِ الَّذِينَ تَوَسَّدُوا الأَرْضَ، وَعَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ إِلَى الفِرْدَوْسِ الأَعْلَى عِنْدَ رَبٍّ يُكْرِمُ الشُّهَدَاءَ، بَحَثَتْ عَنْهُ ثَانِيَةً وَلَمْ تَتَعَرَّفْ عَلَيْهِ، حَتَّى شَارَفَتْ عَلَى اليَأْسِ، ثُمَّ وَجَدَتْ جُثَّةً تَمْلَؤُهَا أَوْسِمَةُ الشَّهَادَةِ وَالبُطُولَةِ، وَجَدَتِ (الرُبَيِّعُ) فِي هَذَا الجَسَدِ بِضْعاً وَثَمَانِينَ، مِنْ بَيْنِ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ، فَكَانَتْ فِيمَا بَعْدُ تُرَدِّدُ: فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلاَّ بِبَنَانِهِ.

وَنَزَلَتْ هَذِه الآيَةُ }مِنَ المؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً(23){الأَحْزَابُ.

هَنِيئاً لَكِ يَا (رُبَيِّعُ) يَا أُخْتَ الشَّهِيدِ، فَلَكَأَنَّ اللهَ تَعَالَى شَاءَ لَكُمْ يَا (آلَ النَّضْرِ) التَّكْرِمَةَ وَالخَيْرَ الجَزِيلَ، فَهَا أَنْتِ اليَوْمَ فِي (أُحُدٍ) تَبْعَثِينَ إِلَى الجَنَّةِ بِأَخِيكِ (أَنَسٍ) وَلَمَّا يَجِفَّ الدَّمْعُ عَلَى خَدَّيْكِ وَأَنْتِ تَبْعَثِينَ إِلَى الجَنَّةِ فِي (بَدْرٍ) بِابْنِكِ (حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ)، ذَلِكِ اليَافِعِ البَارِّ الطِّيِّبِ.

(حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ) هُوَ (ابْنُ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضْرِ)، كَانَ عَظِيمَ البِرِّ بِأُمِّهِ، حَتَّى قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ r: "دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَرَأَيْتُ (حَارِثَةَ)، كَذَلِكُمُ البِرُّ".

بِالأَمْسِ القَرِيبِ، وَقْبَل (بَدْرٍ) بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ rيَمْشِي إِذِ اسْتَقْبَلَهُ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّe:

-كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ ؟. قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِناً حَقَّاً.

قَالَ e: اُنْظُرْ مَا تَقُولُ، فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةً.

قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، فَأَسْهَرْتُ لَيْلِي، وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي، وَكَأَنِّي بِعَرْشِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ بَارِزاً، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَعَاوَوْنَ فِيهَا.

قَالَ r: الْزَمْ، عَبْدٌ نَوَّرَ اللهُ الإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ.

فَقَالَ (حَارِثَةُ): يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ لِي بِالشَّهَادَةِ.

فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ e.

ذَلِكُمْ (حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ) ابْنُ الرُّبَيِّعِ، فَتًى بَارٌّ بِأُمِّهِ كَأَرْوَعِ مَا يَكُونُ البِرُّ، أَضَاءَ اللهُ قَلْبَهُ بِأَشِعَّةِ الإِيمَانِ، زَهِدَ فِي الدُّنْيَا وَمَتَاعِهَا وَبَهْرَجِهَا .. فَصَامَ نَهَارَهُ وَقَامَ لَيْلَهُ، يَرَى كُلَّ مَا وَعَدَ اللهُ بِهِ حَقّاً وَصِدْقاً، وَهُوَ وَاقِعٌ لا مَحَالَةَ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَتَوَّجَ جَبِينَهُ بِشَهَادَةٍ وَ وِسَامٍ تَتَضَاءَلُ أَمَامَهُمَا أَوْسِمَةُ الدُّنْيَا وَتِيجَانُهَا، فَقَدْ قَالَ rعَنْهُ: (عَبْدٌ نَوَّرَ اللهُ الإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ).

فَهَلْ رَأَتْ عَيْنٌ أَوْ سَمِعَتْ أُذُنٌ أَسْمَى وَأَشْرَفَ وَأَنْصَعَ مِنْ هَذَا التَّاجِ؟! الإِيمَانُ يَشِعُ نُوراً فِي فُؤَادِهِ بَيْنَ جَنْبَيْهِ.

لَمَّا خَرَجَ rبِالنَّاسِ إِلَى (بَدْرٍ) خَرَجَ مَعَهُمْ (أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) يَافِعاً، فِي مِثْلِ سِنِّ الزُّهُورِ كَانَ، مَا خَرَجَ مُقَاتِلاً، مَا حَمَلَ سَيْفاً يَضْرِبُ بِهِ، وَلا رُمْحاً يَطْعَنُ بِهِ، وَلا نَبْلاً يَرْمِي بِهِ، حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ مَعَهُ عَصاً يُلَوِّحُ بِهَا عَلَى أَحَدٍ، حَمَلَ مَعَهُ فَقَطْ قَلْباً سَكَنَ الإِيمَانُ فِيهِ وَأَقَامَ، حَمَلَ مَعَهُ فَقَطْ نَفْساً تَشْتَاقُ إِلَى الشَّهَادَةِ وَتَسْتَعْجِلُهَا، خَرَجَ مَعَ القَوْمِ المؤْمِنِينَ يَشْهَدُ مَا يَفْعَلُونَ، وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُمْ كَيْفَ يَكُونُ الجِهَادُ سَبِيلاً يُوصِلُ إِلَى الفِرْدَوْسِ الأَعْلَى مَعَ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.

وَقَرِيباً مِنْ (آبارِ بَدْرٍ) يَتَرَاءَى الجَمْعَانِ، إِنَّهَا الموَاجَهَةُ الحَقِيقِيَّةُ الأُولَى بَيْنَ مُعَسْكَرِ الحَقِّ وَالإِيمَانِ، وَمُعَسْكَرِ الكُفْرِ وَالجَبَرُوتِ وَالطُّغْيَانِ، وَتَتَلَهَّبُ الشَّمْسُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ، وَيَسْتَشْعِرُ (حَارِثَةُ) جَفَافَ حَلْقِهِ، فَيَتَّجِهُ إِلَى حَوْضِ المَاءِ يَرْوِي عَطَشَهُ، فَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ضَيْرٍ، فَرَحَى المَعْرَكَةِ لَمْ تَدُرْ بَعْدُ دَوْرَتَهَا الرَّهِيبَةَ، وَأَكَبَّ (حَارِثَةُ) يَغْتَرِفُ بِيَدَيْهِ المَاءَ وَيَشْرَبُ، فَرَمَاهُ (حِبَّانُ بْنُ العَرِقَةِ) بِسَهْمٍ فَأَصَابَ حَنْجَرَتَهُ، فَقُتِلَ tشَهِيداً، كَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنَ المسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، أَوَّلَ مَنْ يُزَفُّ إِلَى جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ.

حِينَ رَجَعَ المجَاهِدُونَ المسْلِمُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ فِي (المَدِينَةِ)..لَمْ يَرْجِعْ (حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ) إِلَى أُمِّهِ (الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضْرِ)؛ أَنْبَأَهَا النَّاسُ بِرَمْيَةِ (ابْنِ العَرِقَةِ) فَمَضَتْ تَسْعَى إِلَى رَسُولِ اللهِ e:

-يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَلِمْتَ مَوْضِعَ (حَارِثَةَ) مِنِّي، فَإِنْ يَكُنْ فِي الجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَسَتَرَى مَا أَصْنَعُ.

أَجَلْ يَا (أُمَّ حَارِثَةَ)، مَا مِنْ أُمٍّ إِلاَّ كَانَ ابْنُهَا فِلْذَةُ كَبِدِهَا أَغْلَى عِنْدَهَا مِنْ رُوحِهَا الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهَا، هَذَا حَقٌّ، وَالرَّسُولُ eيَدْرِي بِرَّ (حَارِثَةَ) بِكِ، أَلَيْسَ هُوَ القَائِلُ فِيهِ: كَذَلِكُمُ البِرُّ ؟!.

وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَسَتَهْدَأُ نَفْسُكِ يَا (أُمَّ حَارِثَةَ)، وَسَتَتَقَبَّلِينَ نَبَأَ مَوْتِهِ بِنَفْسٍ رَاضِيَةٍ بِقَضَاءِ اللهِ، مُسْتَسْلِمَةٍ لِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى، رَاغِبَةٍ فِي الأَجْرِ وَالمَثُوبَةِ عِنْدَ مَنْ لا يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً، عِنْدَ مَنْ أَعَدَّ لِلشُّهَدَاءِ جَنَّاتٍ عَلِيَّةً، وَفَوَاكِهَ شَهِيَّةً، وَلَحْمَ طَيْرٍ مَشْوِيّاً، وَحُوراً عِيناً كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ المَكْنُونُ، وَإِقَامَةً سَرْمَدِيَّةً، إِنَّ ابْنَكِ قَضَى مَرْضِيّاً عَنْهُ، مَعْدُوداً فِي الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ تُرَحِّبُ بِهِمْ جِنَانُ اللهِ بِلا حِسَابٍ.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ (حَارِثَةُ) مِنَ الشُّهَدَاءِ، فَمَا كُنْتِ سَتَصْنَعِينَ يَا (أُمَّ حَارِثَةَ)؟!. لا رَيْبَ أَنَّكِ سَتُرْسِلِينَ عَيَنْيِك بِدُمُوعٍ مِدْرَارَةٍ لا تَتَوَقَّفُ وَلا تَنْقَطِعُ دَهْراً طَوِيلاً، وَهَلْ عِنْدَكِ أَحَدٌ أَجْدَرُ بِالبُكَاءِ عَلَيْهِ مِنْ (حَارِثَةَ)؟. وَهَلْ يَبْقَى لَكِ فِي الحَيَاةِ -يَا ثَاكِلَةُ- إِلاَّ النَّوْحُ عَلَى المرْتَحِلِينَ ؟! .

وَتَأْتِي البِشَارَةُ الغَرَّاءُ مِنَ البَشِيرِ e: أَوَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ؟ إِنَّمَا هِيَ جَنَّاتٌ، وَإِنَّ ابْنَكِ لَفِي الفِرْدَوْسِ.

فَاهْدَئِي يَا (رُبَيِّعُ) نَفْساً، وَقَرِّي يَا (رُبَيِّعُ) عَيْناً، فَـ (حَارِثَةُ) ابْنُكِ البَارُّ عِنْدَ رَبٍّ رَحِيمٍ كَرِيمٍ، فِي جَنَّةٍ لا يَشْقَى دَاخِلُهَا، بَلْ هُوَ فِي أَشْرَفِ ذِرْوَةٍ فِيهَا، إِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأَعْلَى مَعَ الأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَحَسُنَ أَولَئِكَ رَفِيقاً، فَانْصَرَفَتْ وَهِيَ تَضْحَكُ وَتَقُولُ: بَخٍ بَخٍ لَكَ يَا حَارِثَةُ.

الحَدِيثُ

 

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ:

أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ البَرَاءِ -وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ- أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ! أَلا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ؟.-وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ- فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي البُكَاءِ فَقَالَ يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى.

انتهت

 


« المقالة السابقة
  • قارئة | 2016-10-10
    اخي جزيت خيراً على كتابتك عن ابطال التاريخ الحق.. كما أشكرك  على أسلوبك المشوق في الكتابة حيث انك شددت ناظري لإكمال مقالك الى آخر مفردة منه و لكن لي تعليق بسيط أرجو إعادة النظر فيه و تصحيحه ........
    في أول حديثك عن غزوة احد ذكرت السماء بما لا يذكر به الا الله و ذلك لا يجوز في تعبيرك :(((( و من جديد تستجيب السماء له)))) 
  • omaymasalem | 2012-10-06
     قال الله تعالى : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله علية * عاهدوا الله على الثبات عاهدوا الله على الصبر عاهدوا الله على حماية الرسول صلى الله علية وسلم ونزلت الاية فى انس بن النضر 
    • أحمد عكاش | 2012-10-07

      الأخت أميمة سليم (أرجو أن أكون أصبتُ في قراءة الاسم، وإن لم أُفلحْ فعذري أني لا أُجيد الأعجميّة)

      أشكر لك زيارتك الكريمة، ولقد شرّفتني، وأشكر لك إثراء المعلومات عن تلك النخبة الطّاهرة من صحابة رسول الله المُجتبيْن،

      وفي الحقيقة مهما حاولنا لا نوفّيهم حقّهم، ولكن يكفينا أنّا بذلنا جهدنا ..

      والسلام عليكم.

  • محمد محمد قياسه | 2012-10-05
    سيرة رائعة لعائلة تفيض قلوب أفرادها بالإيمان ..أحسنت أخي العزيز التناول والعرض وأحسنت أكثر في إختيار موضوع عبارة عن شجرة مثمرة بالإيمان ...من سيدنا أنس ابن النضر الصحابي الجليل الذي لاقي ربه شهيدا في آحد ونزل فيه وفي أصحابه شهداء آحد قرآنا يتلي حتي قيام الساعة ....والصحابية الجليلة ...الربيع بنت النضر ...الصابرة المحتسبة أخت الشهيد وأم الشهيد ...حارثة ابن سراقة ....إنه أسلوب رائع في تناول السيرة بطريقة يسيرة تصل الي القاريء وهذا ما نحتاجه في هذا الأيام في عرض سيرة رسول الله وصحابته الكرام ...جزاك الله خيرا أخي الكريم علي هذا الجهد وجعله في ميزان حسناتك والي المزيد من الإبداع ......خالص تقديري

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق