]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المتغيرات المؤثرة على تباين توزيع السكانفي العراق

بواسطة: الاستاذ منصور عزت ابو ريدة  |  بتاريخ: 2012-10-03 ، الوقت: 17:03:24
  • تقييم المقالة:

 

        تعد صورة التوزيع الجغرافي للسكان في أية منطقة انعكاساً لمحصلة التفاعل بين الخصائص الجغرافية الطبيعية والبشرية لتلك المنطقة ، وإن الكشف عن صورة هذا التوزيع ومدى ارتباطه بتلك الخصائص يشكل أهمية خاصة في تلك الدراسات السكانية الجغرافية التي تؤكد ضرورة البحث في العلاقات المكانية للكشف عن عوامل التشابه والتباين في توزيع الظاهرة السكانية على الخارطة وتحديد العوامل الجغرافية المتنوعة التي تقف وراء هذا التوزيع ، كما أن لها مكانة خاصة في تلبية أغراض التخطيط وبرامج التنمية .

        إن عدم التجانس أو التساوي هو السمة الغالبة في توزيع السكان ومستوطناتهم على الرقعة الجغرافية التي يعيشون عليها صغرت هذه الرقعة المساحية أم كبرت.ويرجع ذلك أساساً إلى الظروف البيئية التي تفعل فعلها في الزمان والمكان وتشمل العوامل الطبيعية والاقتصادية والديموغرافية . والتوزيع الجغرافي للسكان عملية مستمرة وحركة تتباين أسبابها ومؤثراتها زمانياً ومكانياً ، ولا شك إن هنالك اختلافات في تحديد تأثير تلك العوامل وأهميتها في التوزيع الجغرافي للسكان ، فمنهم من يرجح دور العامل الطبيعي مثل سمبل . E-semple، ومنهم من يرد الأثر المباشر في التوزيع إلى عنصر محدد إذ يرجحوا عنصر المناخ مثل هنتجون                     E . HuntingtionوتايلورTaylor([1]). ويرى آخرون أن العامل الطبيعي هو العامل الرئيس في توزيع السكان . أما العامل البشري فلا يعمل سوى التقليل من أثر العامل الطبيعي ، وأن الإنسان مهما أرتقى في سلم التطور وبلغ شأناً كبيراً في التقدم التقني لا يستطيع أن يسيطر سيطرة تامة نهائية على الطبيعة([2]).

        وبالرغم مما في كتابات المؤمنين بالحتم الجغرافي من صواب في أمور عديدة فإن الجغرافية لا يمكن أن تسير على نهج هذا التفكير في كثير من الحالات ، لأن الجغرافيةالحديثةلا يمكن أن تتجاهل أثر الإنسان الكبير في تغيير وتعديل البيئة الطبيعية واستغلالها بعد أن يخضعها لمصلحته ولمنفعته([3]). ومن أبرز الجغرافيين الذين يمثلون هذه المدرسة الجغرافي الأنكليزي جون كلارك ( John Clarke)الذي أكد أن توزيع السكان لا تفسره العوامل الطبيعية فحسب ، وإنما العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتاريخية([4])، والتي ترتبط بعضها بالبعض الآخر ، لتعطي في النهاية الصورة العامة لتوزيع السكان في أية منطقة . ووظيفة الجغرافي هي شرح وتحليل هذا التوزيع الذي يتغير باستمرار كما أن أسبابه وآثاره تختلف في الزمان والمكان .

        ومن الصعوبة بمكان تحديد تأثير كل عامل من هذه العوامل طبيعياً كان أم بشرياً بمفرده وبمعزل عن بقية العوامل الأخرى . وعلى الرغم من الاختلاف عن مدى قوة هذه العوامل وتأثيرها زمانياً ومكانياً إلا أنها تعمل بشكل متفاعل ومترابط ومعقد ، ويصعب تحليلها وتفسيرها بصورة منفردة . في حين يقلل بعض الباحثين من أهمية العوامل البشرية أمام العوامل الطبيعية على أساس إن الإنسان مهما تقدم لا يستطيع أن يسيطر على العوامل الطبيعية . وبصورة عامة فإن أغلب الجغرافيين يؤكدون تداخل العوامل الطبيعية والبشرية أذتعمل مجتمعة على توزيع السكان ، فالعوامل الطبيعية رسمت الصورة الأولية لتوزيع السكان في حين رسمت العوامل البشرية الصورة النهائية لتوزيعهم .

        وعلى العموم يمكن تصنيف المتغيرات التي تؤثر في تباين توزيع السكان في منطقة الدراسة إلى خمسة متغيرات :

أولاً : المتغيرات الطبيعية :

        يتفق الجغرافيون على أن العوامل الطبيعية تؤثر بوضوح في نمط توزيع السكان ، ولكنهم يختلفون فيما بينهم على مدى هذا التأثر وشكله ، اذ إن الإنسان أكثر تأثراً في توزيعه على سطح الأرض من النبات أو الحيوان مثلاً ، ولذلك أصبحت الحتمية المطلقة وجهة نظر بائدة فيما يتعلق بتوزيع السكان([5]). وفي الواقع يمكن القول بأن أهمية دور العوامل في طريقة توزيع السكان تختلف تبعاً لاختلاف البلدان والمجتمعات في درجة تطورها([6]).

        ويختلف دور العوامل الطبيعية في توزيع السكان في منطقة الدراسة من عامل لآخر ، إلا أن تلك العوامل لها من الخصائص والسمات ما يجعلها تأتي في المرتبة الأولى في قوة التأثير ، وما تتحدد به الكثير من العلاقات المكانية التي تركت بصمات واضحة على توزيع السكان في منطقة الدراسة بشكل مباشر متمثلة بمظاهر السطح والموارد المائية والتربة أو بشكل غير مباشر كعامل المناخ بعناصره المختلفة كما هو واضح فيما يأتي :

1ـ السطح :

        تؤثر مظاهر السطح تأثيراً بارزاً في توزيع السكان وتركزهم في منطقة الدراسة دون أخرى . فالسكان منذ القدم يختارون المناطق السهلية لسكنهم وممارسة نشاطهم فيها ولا يلجئون إلى المناطق المرتفعة والوعرة إلا في حالة انعدام الأمن ، إلا أن هذه الظاهرة قد خفت حدتها في الوقت الحاضر ، واصبح السكان يختارون مناطق سكناهم لاعتبارات أخرى يأتي في مقدمتها العامل الاقتصادي ، والسهول عموماً أكثر استيطاناً من الجبال لما تتمتع به من سهولة النقل ، وإمكانية القيام بالعمليات  الزراعية والنشاطات الأخرى ، وهذه الظاهرة تعكس الصعوبات المتزايدة في استغلال البيئات المرتفعة والتي تحدد المساحات القابلة للزراعة ، كما تحدد المناطق المتضرسة وتساعد على تفتيت وتشتيت الرقع الزراعية التي يصعب فيها تشغيل المعدات الزراعية ، وبذلك يصبح العمل الزراعي فيها صعباً([7]).

        ويتضح من الشكل رقم (19) أن سطح منطقة الدراسة يتكون من أربع مناطق هي السهل الرسوبي الذي يشغل أكثر المناطق سكاناً بعد المنطقة المتوجه حيث يتميز بانبساط سطحه وبطء انحداره ، ولقد شجعت ظروف انبساط السطح السكان على التجمع في المناطق السهلية ، نظراً للافضليات التي تتمتع بها والتي سبق ذكرها فشجعتهم على مزاولة النشاط الزراعي في مناطق متفرقة ولا سيما في المناطق القريبة من نهر دجلة وروافده وجداوله .

        ومع انبساط السطح الرسوبي إلا أنه يختلف من حيث الارتفاع بحسب قربه أو بعده عن نهر دجلة ، حيث ترتفع المناطق القريبة من النهر وتنخفض كلما ابتعدت عنه([8])، وما يتبع ذلك من تباين التصريف واختلاف خصوبة التربة لكون النهر قد حدد لنفسه أن يرسب عند ضفافه كميات أكبر من المواد العالقة التي تتصف بكبر ذراتها النسبية ، لأنها كانت أول ما ترسب من تلك المواد قياساً إلى ما ترسبه في المناطق البعيدة . ولهذا يلاحظ الصورة التوزيعية لتجمعات السكان ونشاطهم قد توافقت مع تلك الضفاف ، بسبب مجاورتها لمصادر المياه ، فضلاً عن جودة الصرف وخصوبة التربة. والشكل رقم (20) يظهر منه بوضوح نمط توزيع السكان في منطقة الدراسة تبعاً لهذه المعطيات بحيث يبدو فيها تركز أكبر للسكان في تربة ضفاف الأنهار قياساً بتربة الأحواض البعيدة عن النهر . ويضم السهل الرسوبي 20% من مجموع سكان منطقة الدراسة ، وبمساحة (24.9%) ( ينظر جدول رقم 21) من أجمالي مساحة المنطقة . ويمتد السهل الرسوبي ، ضمن منطقة الدراسة ، من شمال مركز قضاء بيجي إلى ناحية الطارمية جنوب منطقة الدراسة ، وهي من المناطق الزراعية التي تمتاز بارتفاع الكثافة السكانية والبالغة (42) نسمة /كم2 جدول رقم (21) في عموم منطقة السهل الرسوبي ، وهناك مناطق يكثر فيها السكان داخل السهل الرسوبي مثل مركز قضاء سامراء ( 148341) نسمة ومركز قضاء تكريت         ( 124189) نسمة وبلد ( 92173) نسمة ، في حين هناك مناطق يقل فيها السكان مثل ناحية الاسحاقي ( 26600) نسمة ومركز قضاء الدور ( 38954) نسمة خاصة المناطق المجاورة لبحيرتي الشارع والثرثار نتيجة بعدهما عن مجرى نهر دجلة وضعف التربة .

        أما المنطقة الثانية من مناطق سطح منطقة الدراسة فهي المنطقة الجبلية التي تأخذ بالارتفاع باتجاه الشمال والشمال الشرقي ، وتفصل بين سلاسل جبال عقرة سهول ضيقة ، بينما تأخذ بالأتساع نحو الجنوب والجنوب الغربي . وبهذا فأن مراكز الجذب السكاني تنحصر في هذه السهول التي تتخلل سلاسل الجبال ، وهي محدودة وضيقة ، وتبعاً لذلك تكون نسبة السكان فيها منخفضة ولا تتجاوز نسبتها إلى (0.6%) من أجمالي سكان منطقة الدراسة وبمساحة (1.6%) من مجموع مساحة المنطقة مما يجعل كثافتها متدنية لا تزيد عن (20) نسمة /كم2 عام 1997 .

وتتمثل المنطقة الثالثة من مناطق السطح بالمنطقة المتموجة والتي تشغل أغلب وحدات منطقة الدراسة ، ولهذا تبلغ نسبة السكان فيها ( 69%) ، إلا أن مساحتها بلغت (29.8%) من مجموع مساحة منطقة الدراسة ، لذلك تكون الكثافة السكانية فيها مرتفعة (115نسمة/كم2) عام 1997 ( جدول رقم 21) .

وتشغل هذه المنطقة الجهة الشمالية والشرقية من منطقة الدراسة وتتكون من سلسلة جبال حمرين التي تمتد من نهر العظيم وتتجه نحو الشمال الغربي حتى تنتهي بنهر دجلة عند الفتحة تليها مباشرة سلسلة جبال مكحول التي تمتد بموازاة نهر دجلة من جهته الغربية ، لتنتهي عند الشرقاط ،وينخفض ارتفاعها بالاتجاه  نحو الشمال الغربي أي نحو وسط قضاء الشرقاط وتستمر الجبال لتكملها جبال مكيحيل ، والعطشان ، وعديه ، وإبراهيم ، وتلعفر ، وسنجار وتمثل هذه السلاسل حدودها الجنوبية .

        وتستحوذ سهول المنطقة المتموجة ضمن منطقة الدراسة على أكبر حجم سكاني ،وتمتد هذه السهول في شرقي نهر دجلة وفي غربه ، وتتميز السهول الشرقية بانحدارها التدريجي ابتداءاً من مقدمات الجبال حتى أدنى مستوياتها عند الضفاف الشرقية لنهر دجلة وتجري أنهار المنطقة مع انحدار الأرض كما هو الحال في رافد الخازر الذي يصب في الزاب الأعلى ، ووادي الشور وسندانه والنعيرية التي تتجمع في مجرى واحد مكونة نهر الخوصر الذي يصب في نهر دجلة ، مما أدى إلى توزيع السكان في هذه السهول في مراكز أقضية الشيخان وعقرة والحمدانية وتلكيف ونواحي العشائر السبعة وبعشيقة وبرطلة ، والقوش ونمرود ، نتيجة وجود السهول الشرقية ، فضلاً عن مجاري الأنهار .

 

 

        أما السهول الواقعة في غرب نهر دجلة فيطلق عليها أحياناً أسم سهل الجزيرة الشمالي وهي تمتد شمال مرتفعات سنجار ،وسهل الجزيرة الجنوبي في جنوبها.

        ويتباين ارتفاع هذه المنطقة بين جبال يتجاوز ارتفاعها عن الف متر               ( جبل سنجار) ومناطق منخفضة جداً يحتلها وادي الثرثار . ومن مرتفعات سهل الجزيرة الشمالي تل موسى وعين زالة والشورة والعطشان ، ولهذه السهول دور كبير في توزيع السكان داخل المنطقةالمتموجة من خلال زيادته في مناطق مثل مركز قضاء الموصل ( 967687) نسمة وناحية القيارة (101327) نسمة ومركز قضاء تلكيف (92193) نسمة عام 1997 . في حين يقل عددهم في ناحية سليمان بك (15933) نسمة وناحية برطلة (26576) نسمة وناحية آمرلي ( 30173) نسمة للعام نفسه . ومن منخفضات منطقة السنيسلة الذي يقع في الجهة الغربية ، إلى الجنوب من وادي العجيج وتصب فيه مجموعة من الوديان تأخذ مياهها من السفوح الجنوبية الغربية لجبل سنجار وهي أودية موسمية ومن أهمها واديا عسيلة والبديع([9]).

        أما هضبة الموصل ( هضبة آشور) : فلها أثر كبير في التوزيع الجغرافي لسكان المنطقة المتموجة من خلال استواء معظم سطحها ، وتعد السهول الواقعة في جنوب جبل سنجار من الناحية الاقتصادية جزءاً من هضبة آشور ( هضبة الموصل) لأنها منطقة خصبة تعتمد الزراعة فيها على الديم([10]). ويمر نهر دجلة في وسطها فيقسمها إلى قسمين متساويين تقريباً ، ويتميز القسم الشرقي منها بتنوع تضاريسه وغزارة مطره لذلك كثرت عيونه وينابيعه مثل عيون بعشيقة ويرويه وادي الخوصر ، كما توجد الأشجار والحشائش التي تغطي بعض سفوح الجبال . أما قسم الهضبة الواقع في غرب نهر دجلة فهو مكون من أراضي متموجة ذات سطح غير منتظم . لذلك يزداد السكان في قسمها الشرقي مثل ناحية بعشيقة ( 74141) نسمة ، في حين يقل في قسمها الغربي مثل ناحية زمار ( 53713) نسمة.

([1])      محمد السيد غلاب و محمد صبحي عبد الحكيم ، مصدر سابق ص 236 .

([2])      عبد علي حسن الخفاف وعبد مخور الريحاني ، مصدر سابق، ص 127 .

([3])      أحمد نجم الدين وآخرون ، الجغرافية البشرية ، مطبعة جامعة بغداد ، بغداد ، 1979 ، ص 12. 

([4])      جون كلارك ، جغرافية السكان ، مصدر سابق، ص 42 .

([5])      محمد السيد غلابومحمد صبحي عبد الحكيم ، مصدر سابق ، ص 273.

([6])      منصور الراوي ، دراسات في السكان والتنمية في العراق ، بيت الحكمة ، مطابع التعليم العالبي ، بغداد ، 1989 ، ص 132 .

([7])      جمال حمدان ، " في العلاقة بين السكان والتضاريس " ، مجلة كلية الآداب ، جامعة القاهرة ، المجلد التاسع عشر ، الجزء الأول ، مايو 1957 ، ص 61 ، 63 . نقلاً عن : عباس فاضل السعدي ، جغرافية السكان ، الجزء الأول ، مصدر سابق ، ص 206 و 207 .

([8])      كوردن ، هستد ، مصدر سابق ، ص 60 .

([9])      عدنان إسماعيل الياسين، مصدر سابق ، ص 24 .

([10])     كوردن هستد ، مصدر سابق ، ص 30 . 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق