]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نشرة أخبار الدم

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2012-10-03 ، الوقت: 13:17:10
  • تقييم المقالة:

نشرةأخبارالدم

 

محمدالحداد /العراق

افتحْ تلفازكَ..حيثما كنت..الآن أو في أيِّ وقتٍ على أيةِ فضائيةٍ إخباريةٍ عربية..ستأتيكَ الأخبارُ طازجة بالدم دائماً..تفوحُ منها رائحة أثيرة لموتٍ مُعلن...تفرَّجْبعينيكَ بلا دهشةٍ على موتكَ وهو ينسربُ إليكَ من بين ثقوبِ الحياةِ وأعقابها لحظة بلحظة..هيا افتحْ تلفازك..حسبُكَ فيهِ أنْ تتفرَّجْ..

سيسحرُ عينيكَ ستوديو القناةِ الفاخر..وستُبهَرُ بلمساتهِ العصريةِ الباذخة.. ومن وراءِ طاولةٍ ملساء صقيلة سيطلُّ عليكَ مذيعٌ أنيقٌ ومذيعة جميلة لا تدركُ الحكمة من تقاسمهما معاً وليمة الأخبار..وعلى وقعِ ضرباتِ مِطرقةِ الوقتِ على رأسِ الساعةِ ورؤوسنا جميعاً سيعلنانِ عننشرةِالأخبار بنكهةٍ عربيةٍ خالصة..

ستعزفُ المحطة أولاً موسيقى راقصة..بعد ذلك سيأتيكَ الموجز محمولاً على شفاهٍ تبتسم:

في دولة سين ستان:رصاصٌ..دمٌ..موت(موسيقى)

في دولة صاد ستان:ماتَالملك..عاشَالملك(موسيقى)

في دولة عين ستان:نصرُالهزيمة..هزيمةالنصر(موسيقى)

في دولة ميم ستان: شياطينٌبانتظارِ الضوءِ الأحمر( موسيقى)

في دولة نون ستان: ضربُ الرأسِ يبعثرُ أوراق الحسم(موسيقى)

وقبل تفاصيلِ النشرة سيأخذكَ فاصلٌ إعلانيّ بصوتٍ رخيم:

استمتعْمعنا بنشرةِالأخبار! في كلِّ أقاصي الأرضِ..لا بدَّ للشمسِ من مغيب..لكنَّشمسَ الحقيقةِ عن سمائنا لا تغيب..لا تتعبْ نفسكَ بالبحثِ عنها لأننا سنأتيكَ بها حيثما كنت..ساطعة بين يديك..

بعد ذلك ستقرأ المذيعة التفاصيل:نبدأ أخبارنا كالعادةِ من دولةِ سين ستان ..حيث سقط صباحَ اليوم أكثر من تسعين مواطناً بين قتيلٍ وجريحٍ بينهم نساءٌ وأطفالفي سلسلةِ انفجاراتٍ عنيفة بسياراتٍ مُفخخة عمّتْ جميعَ أرجاء البلاد..يُكملُ المذيع..هي إذن حكاية يومية لموتٍ تقليدي ينسجُ خيوطهُ على ذاتِ المنوال..لا تختلف في تفاصيلها عن حكايا الأمسِ سوىفي أعدادِ الضحايا..

تقرأ المذيعة...في دولة صادستان: ماتَالملكعاشَالملك...بعد إسقاطِ النظام السابق واستتباب الأمنِ في البلاد..استلمَ الرئيسُ الجديد مفاتيحَ القصور الرئاسيةِ للرئيسِ المخلوع الذي أطيحَ بهِ في ثورةِ الشعبِ المباركة فيما يتواصلُ باضطرادٍ مُنقطعِ النظير تحطيم أصنام ذلك النظام وبناء أصنام جديدة مكانها!بعضُ أحجار البيتِ القديمتنتصبُ في البيتِ الجديد.. وثمة أصواتٌ بدأتْ ترتفعُ بالسؤال..ما الذي تغيّرَ تحت سماءِ الوطنِ إذن؟

يقرأ المذيعُ...في دولةِ عين ستان:نصرُالهزيمةِ..هزيمةُالنصرِ..في حربِ الأخوةِالأعداء..الجميعُ يُطحَنُتحت رُحىً لا تكفُ عن الدورانِ..والدمُ يتفرقُمن تحتِ أضراسها بالعدلِ بينقبائل ترفعُشعاراً واحداً لا يُنكَّسْ:اقتلْأخاكَقبلَأنْيقتلك..الموتُ هنا بطلُ البلادِ دون مُنازع..لا يُقاتلُ أحداً ولن يقاتلَ..لكنهُ يقتلُ الجميعَ دونَ قتال..هو أشبه بطريدةٍ ثمينةٌ يلهثُ ورائها الجميع دونَ أن يُدركها أحد..لكنهُ يُدركُهم كلُهم ويَطالهم دون عونٍ من أحد..

دوامة العنفِ هذهِ ولّدتْ دوامة عنفٍ مُضادة أشعلتْ فتيلَ أزمةٍ لم يَعُدْ باستطاعةِ أحدٍ أن يُطفأها..هوسُ القتالِ الذي اجتاحَ البلاد لا زال مستمراً حتى الساعة..وعلى الأرضِ لم تُحسَم المعاركُ لأيِّ طرفٍ بعد..القصفُ العشوائي من قِبل الجيشِ الحكومي استمرَهذا اليوم أيضاً منذ الفجر بمعدلِ عشر قذائف في الدقيقة..أصواتُ الإنفجارات تُسمعُ في كلِّ مكان والكلُّيلقيبتبعيةِ ما يحدث علىالآخر..البلادُ تسيرُ بقدميها نحو حتفها..والسلامُ أصبحَ وسطَ هذهِ الفوضى المُلتبسةحُلماً بعيد المنال كإبرةٍ تائهةٍ في حقلٍ من القش..

تقرأ المذيعة...في تهديدٍ شملَ الجميع عزاهُ المراقبونَ إلى انفلاتِ الأمنِ من أيديها تماماً...أعلنت حكومة ميم ستان يوم أمس أنَّ الأسوأ يوشكُ أنْ يطلَّ برأسهِفي البلادِ إذافُتحتْ أبوابٌ مغلقة تستترُ ورائهاشياطين ومردة تقبعُ في أقبيةٍ مظلمة بانتظارِ الضوء الأحمر..من جانبها ردَّت المعارضة على ذلكبالقول أنَّ الأسوأ هو الحكومة ذاتها لأنهالا تفتأ توقظ بأيديها فِتناً كفيلة بجرِّ الجميع إلى ساحةِ عنفٍ مُتصاعد سيمزقُ البلادَ كلها من خلالِ إعادةِ تأثيثها لقواتِ نُخبةٍ مُنحلة لبلادٍ عربيةٍ مجاورة فرّتْ بعد الإطاحة بحكومتها هناك و بدعمٍ وتمويلٍ مُستمرٍ من قوى عربية معروفة للجميع..وأضافتْ أيضاً..أنَّ سياسة الوعيد التي تنتهجها الحكومة لن تجدي معنا نفعاً وأنَّ آلة موتهِ التي تقتنصُالحياة في كلِّ مكانبدمٍبارد لن تثنينا عن مواصلةِ الضربِ على رأسِ الحكومةِ بأيدٍ من حديد حتى لو جَرَتْ دماؤنا أنهاراً وقدّمَ الشعبُ حياتهُ فداء في سبيلِ ذلك!

مصيرُ ميم ستان يقتربُ من مُنزلقٍ خطيرٍ يضعها على شفيرِ كارثةٍ قادمة ربما يُعجّلُ بالوصولِ إليها تلكَ الانشقاقاتِ الواسعةِ التي تشهدها البلاد في قواتِ الجيشِوالشرطةِ والأمن..

 يقرأ المذيع...في دولة نون ستان يبدو أنَّ ضربَ الرأسِ الأكبر أسفرَ عن ترسيمةٍ مُلتبسة خُلطتْ فيها ثلاث أوراقٍ مهمة وولدتْ نزاعاً دامياً على السلطة سيجرُ البلادَ إلى وضعٍ لا تُحسد عليه...الورقة الأولىلمعارضين سابقين أصبحوا يشكلونَ اليوم العمود الفقري للحكومةِ الجديدة..يتعجلونَ جَنيّ ثمار صبرهم الطويل على ما قدّموهُ من تضحياتٍ سخيةٍ في حربِ الإطاحةِ بالنظام السابق..والورقة الثانية لأمراءطوائف جُدد..رموز الأمسِ معارضو اليوم..يرفعون في وجهِ الحكومةِ الجديدة قميصَ عثمان طلباً للثأر..أما الخطر الأكبر فيكمنُ في الورقةِ الثالثة متمثلة بمعارضين مدمنين ..يشكلونَ أطرافاً أشبه ما تكون بخليةٍ من دون نواة..لا يوحدهم إلا هدف إبقاء نيران العنفِ مُستعرة على الدوام..لكن مَنْ يدري فربما تكمنُ في أيديهؤلاءِ الشرذمة تحديداً مفاتيحُ البلادِ الحاسمة...أما الحكومة الجديدة فتبدو ضائعة تماماً وسط هذا الخِضم ولا تملكُ في أيديها أيّ خيارٍ حتى الساعة..

أخيراً..و بفمٍ يفيضُ بابتسامةٍ ترشُّ ما تبقى من رذاذها على المشاهدين.. تختمُ المذيعة: نرجو أن تكونوا قد استمتعتم معنا بنشرة الأخبار..نلقاكم بخيرٍوإلى اللقاء...رَزَما حزمة الأوراقِ وضرباها على الطاولةِ الملساء فتساقطت الأخبارُ الطازجة تِباعاً على صوتِ موسيقى القناةِ..

ها قد انتهتْ نشرةُ الأخبار..فهل تفرَّجتَ فيها على موتك؟أرأيتهُ وهو ينهشُ أوشالَ حياةٍ تجهَدُ لتتنفسَ بقائها عَبثاً وتتشبثَ بما تبقى فيها من أعمارٍ مُباحة ؟أعمارنا المبعثرة في كلِّ مكانٍ..المنثورة كبصمةِ حِنّاءٍ على أصابع يائسة طبَعتْ نذورها على الحيطانِ والأبوابِ والنوافذِ بوعدٍ لا أملَ من لقائهِ؟هل انتهتْ نشرةُ الأخبارِ حقاً؟أغلقْ تلفازكَ وتلفّتْ حولك..تفرّجْ وبلا دهشةٍ أيضاً..هل سترى كبير فرق؟

إذن..لم تنتهِ نشرة الأخبار بعد... 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق