]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

سوق قرقيطة

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2012-10-01 ، الوقت: 09:58:49
  • تقييم المقالة:

 

وحدهم الأسواق من حازوا بأكليل الشعراء,وفازوا وأنزلوا منازل صدق, وأفضل التكريم,وعند العامة والخاصة أيضا.لست أدري الرابط العجيب الذي يشدني الى سوق قرقيطة البياهي بمدينة وهران الباهية,سوق بالهامش كباقي الأسواق,يفنى ويزول...الا طقسه الساحر الآسر يجعلني أحن اليه من حين الى حين آخر وهويقوم بالمثل.عهدي به منذ عشرون سنة خلت,انتقلت الى مدينة أخرى بالجنوب الكبير,تبعد المئات من الكيلومترات,ومع هذا لاتزال مخيلتي تحتفظ  برائحته ,بأصواته المنبعثة في شتى الجهات في نغم تزداد وتنخفض حدته حسب عدد الزوار وحسب الوقت ايضا,وكأنك في محراب ورع تأخذك السكينة والطمأنينة الى مصاف العليين المصطافين. المسافر الى مدينة وهران,ولم يزور سوق قرقيطة ,كأنه لم يزور وهران,ولم يشهد أي معلم من معالمها البحرية الأرضية السماوية الدينية والدنيوية.

كبرت,وبلغت من العمر عتيا,وأشتعل رأسي شيبا,وصار صعبا عما كان يعرفني ,التعرف علي بسهولة كعهدي به,نسيت الكثير...,,وحنين السوق وحده العالق بذاكرتي التي أبت إلا التعلق به ,تعلق الولهان العاشق المتيم.قيل لي مؤخرا النار مسحت السوق على وجه الأرض وحولته الى رماد بعد رمش عين,أحترق السوق كتلة ومساحة ولونا وحجما وبضاعة,ورئيس البلدية الذي يأتي وحتي البرامج الحكومية كأنها سنت ضد الأسواق,يغيرون منها حتى تفقد بريقها وجمالياتها و
إنسانياتها .أحترق السوق أرضا لكنه أبى الا أن يعلو بنفسه عنان السماء حتى ولو كان في شكل دخان أسود حزين,عنقاء يجدد نفسه من رماد الأواق ,تحججا وتمردا على الإهمال والتسيب الذي وصل اليه البشر.يحسبه الجاهل أنقضى وصار أمرا مقضيا كسائر الأسواق تؤدي أغراضا شرطية ,وعندما يبطل السبب يغيب العجب.لايزال السوق جميلا,يشهد في نفي اللحظة مكالمات هواتف اتصالات بين ما يمكن إدراكه وما لايمكن إدراكه,تدور به علامات وأكوان,سلامات ,إحتجاجات, تحيات,,صفقات, وداعات,استغاثات, أرض تباع,وأرض تشترى,بنات تخطب ونساء تطلق,أصوات رقيقة,وأصوات غلاظ,تختلط الكلمات,تتمازج تتوحد,كلها بالنهاية حديث بألف صوت,حديث الصوت بألف أغنية ,لوحة زيتية تكتمل على قارب تتقادفه أمواج البحر المتوسط من شاطئ الى شاطئ أخر,من مرفأ الى مرفأ دون جواز سفر او تذكرة,او تأشيرة مرور.قرقيطة السوق...,قرقيطة الذاكرة...,قرقيطة الوفاء.قرقيطة التعويذة السحرية بجيد المدينة,مكنونة الطرس,فهرس وقاموس الروح.قرقيطة طفولتي الشقية,شبابي المجنون,وانا أستمع للباعة والمشترين,يحدثون الخلائق بلهجات ملائكية وهرانية قل نظيرها....,قرقيطة أغنية راي على شريط مغناطيسي قديم,تدور...,تدور...,تدور:

سيدي حبيبي...,يادلالي .....,

سيدي حبيبي الله يتاوي الحال...,

أنا وهراني.

قرقيطة ثلاثية (أسخيلوس) ماقبل الميلاد:(أجاممنون),و(حاملات القرابين),و(المحسنات),بل هي ثلاثية (علولة):(الأجواد),(اللثام) و(الخبزة),هي رائحة البخور الوهراني العتيق,وحائك المرمة,والأكرديون,والساكسوفون,ورائحة تقطير الورد الزكية .قرقيطة كان بحجم مدينة داخل مدية,كان سوقا داخل سوق,وعالم داخل عالم.كان عكاز المدينة تتكأ عليه قصرا وله فيها مآرب أخرى ,كان بصيرة يهدي المدينة سواء السبيل,عندما تزدحم وتعمى بصائر المدن,وعندما تزدحم الأسواق بزبائنها,تهز الخلق إبداعا ومعرفة وثقافة ,كلما مس الضيق بذات المدن.السوق ربما يكون قد هاجر المدينة قصرا كيسوع غريبا على أهله,اوربما أحرق نفسه محتجا....متمردا على وضع ربيع عربي قائما....,ربما يكون قد أختفى خلسة تحت جنح الليل بعيد عن الأنظار لكنه لايزال في ذاكرتي يرعى صديقا حبيبا,تزدحم فيه الحياة مشكلا أسطورة البقاء في زمن اضمحلال الأشياء ,وأنتقل الى مايميز البضائع الى مايميز البشر.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق