]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التأريخ كليتهُ وأجزاءهُ

بواسطة: سعد حسين الموسوي  |  بتاريخ: 2012-09-30 ، الوقت: 22:09:19
  • تقييم المقالة:

 

لا يخفى على أحد أن أكثر ما كتب في كافة مناحي الحياة هو التأريخ فلا توجد علوم طبيعية أو اجتماعية أو دينية أو فنية ألا وتجد التأريخ حاضراً بقوة بين ثناياها وأشبع المؤرخون التأريخ دراسةً وشرحاً وتفصيلاً حتى أصبح علماً ذا مناهج فكرية وعلمية لتحليلهِ أو كتابتهِ ولا أعتقد هنالك أي مجتمع أو فرد ليست مأسوراً بشكل وآخر بتأريخه وأرى أن أفضل من كتب عن التأريخ هو من خرج عن المسلمات والمعتقدات والموروثات الاجتماعية  حين نحاها جانباً ودرس التأريخ بعقل متفتح وعلمية موضوعية ومتحرراً من الأهواء والموروثات والغايات الأستباقيه التي يحاول البعض إقحامها من أجل غايات معينه تخرج التأريخ عن سياقه الحقيقي المتجرد . ولا يخفى على أي ذي بصيرة أن العوامل الموضوعية والذاتية بكافة تفاصيلها الطويلة العريضة وبتداخلاتها اللا نهائية حيث يصبح الموضوعي والذاتي شيء واحد لا يمكن أن نجزئهُ ولا يمكن أن نضعهُ في دائرة ((الثنائية)) لأن كل العوامل متداخلة وتصبح سلسة طويلة فيها السبب نتيجة والنتيجة سبب في ذات الوقت ومحصلة كل هذهِ العوامل هو هذا التأريخ البشري الذي بين أيدينا وأنا هنا لا أريد أن أضيف شيئاً في بحوث التأريخ لكن ما لفت انتباهي أن معظم المؤرخين ينظرون إلى التأريخ كحقب تاريخيه ويحللوها ويقيمونها كليةَ دون الدخول في أجزاء حقب التأريخ وهذا ما يحدث غالباً في دراسة تأريخنا العربي والإسلامي فلنأخذ مثلاً عن الدولة العباسية التي يتغنى بأمجادها القاصي والداني والكم الهائل عما كتب عنها وعن عظمتها ولكن لو نظرنا في الأجزاء الزمنية التي قاربت من خمسة قرون لوجدنا أن عظمة هذهِ الدولة لا تتعدى قرناً واحداً أما باقي سنينها فكانت تأريخ أسود من صراع العائلة المالكة حيث قتل أحد خلفائهم خنفاً على أيدي زوجاتهِ وجواريه في الحمام وآخرون سملت عيونهم وآخرون أركبوا بالمقلوب على الحمير وطيف بهم في الأسواق وآخر هرب في طرقات بغداد عاصمة الدولة الإسلامية مذعوراً كي لا يتوج خليفةً على المسلمين في زمن كان الخلفاء يتوجون ليلاً ويصبحون جثثاً مقطعة الأوصال عند آذان الفجر وأصاب بغداد فلتان أمني حيث السرقة والفرهود وتحول الجيش الإسلامي العباسي إلى جيش من اللصوص والقتلة على مدى قرون وكانت الفيضانات والأوبئة والطاعون والإتاوات والصراعات الطائفية والعرقية وتلاعب الفرس والترك بمصائر الخلفاء والعباد ما يفوق الخيال وأصاب الانحلال عوائل الخلفاء فأحد الخلفاء كان يرقص عارياً متهتكاً وهو يقبل أعضاء الغلمان والجواري التناسلية ثم يقتل على يد أبناءهِ في أحدى لياليه الحمراء وقد شبت الفتن ولم يسلم منها لا سني ولا شيعي ولا يهودي ولا أيزدي ولا صائبي وحدثت مذابح رهيبة للأقليات الدينية لكن المؤرخين ينظرون إلى قرن من عمر هذهِ الدولة ويتناسون أربعة قرون عجاف .

وأنظر إلى تأريخ صلاح الدين الأيوبي وإيغاله بدم المسلمين وحكم وزيرهُ قرقوش الذي ذهب مثلاً في السخرية إلى يومنا هذا مما كان يفرضهُ من الضرائب والإتاوات وكيف قتل صلاح الدين أخوتهِ الذين آزروه في بناء دولتهِ لكن المؤرخون يصورونهُ أسطورة ألهيه أنقذ الدين والعباد من الصليبين ويعممون هذا الجزء على كل الأجزاء الطويلة من خلافتهِ التي كانت غايةً في الدموية والقسوة ثم أنظر إلى دولة الأندلس وصراعات العوائل المالكة وحروب ممالكها المشتتة والى ما عاناهُ المسلمون والسكان الأصليون من مصادرة الأموال وسبي النساء المسيحيات حيث بيعت في كافة أصقاع العالم الإسلامي واشتراهن البدوي العربي والأفريقي البدائي الذي كان يأخذهن إلى مجاهل غاباتهِ ولكن المؤرخون يركزون على جزء مضيء بسيط ويتناسون الأجزاء الدموية التي غطت كل التأريخ ((فردوسهم المفقود)) .

وأنظر إلى الخلافة العثمانية والفاطمية والراشدة والأموية وأنظر ما ذا حدث فيها من مآسي ودماء حيث قتل عباد الله لترتفع راية الله .

أصبح المسلمات لدينا التي لا تقبل الشك كما يقول مؤرخونا أن تأريخنا كلهُ أمجاد في أمجاد لكن السؤال كيف خلقت كل هذهِ الأمجاد العظيمة هذا الحطام الأعظم في كل مرافقنا الحياتية

في النهاية يجب أن نعيد طريقة تفكيرنا في كل شيء وأن تخرج عن المسلمات والبديهيات الجوفاء وأن ندرس كل شيء بشكل دقيق وواعي خارج عن الأسلوب المعتاد وأسلوب التقديس وأسلوب الشائع والمألوف وخاصةً في دراستنا للتأريخ فيجب دراستهُ بشكل مجزئ من حيث السنين والأشهرِ والأيام وحتى الساعات فربما لحظةً لعبت دوراً مهماً وانقلابا هاماً في التأريخ وحتى تأريخ الخلافات والدول يجب دراسة كل خليفة وملك على حدهِ إضافة إلى دراسة الواحد منهم في أيامهِ وسنينهِ ومراحل حياتهِ من الطفولة إلى الشيخوخة بشكل مفصل لا كما جرت العادة في دراسة حياة كل خليفة كحقبة زمنية متماسكة وغير متناقصة .

أن دراسة الأجزاء الزمنية توصلنا إلى حقائق نسبية لا مطلقه ومجردة من الهالات والقداسات أما دراسة التأريخ بشكل حقب زمنية وكأنها متكاملة ومتجانسة دون تجزئتها زمانياً ومكانياً فأنها توصلنا إلى حقائق مطلقه لا نسبية وتغلفها الهالات والقداسات المطلقة.

أن دراسة التأريخ بأجزائه الدقيقة تعيد الإنسان إلى الأرض أما دراسة التأريخ بكليتهِ يرفع الإنسان إلى السماء والى القدسية المطلقة أو إلى الجحيم وكذا الأمر بالنسبة للحضارات والدول والممالك والأمارات والمذاهب والأحزاب والأديان وهذا ما وقعنا بهِ في تأريخنا العربي والإسلامي والذي كان نتيجته هذا الحطام الفكري والروحي والعقلي الذي الذي نعيشهُ الى يومنا هذا من الجدير بالذكر والملاحظة أن الدراسات الكلية توصلها إلى ثنائيات مطلقه مقدسةُ معلقة في السماء غير مثمرة أو منتجة للحياة ولا واقع فعلي لها على أرض الواقع أما الدراسات التفصيلية للتأريخ وبكل أجزاءهِ الزمنية فحتماً توصلنا إلى حقائق نسبية وصادقة لها مصداقية على أرض الواقع وتكون منتجة ومثمرة للفرد والمجتمع والحياة .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق