]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

( همسات من وحي رغيف الخبز )

بواسطة: Adnan Zowain  |  بتاريخ: 2012-09-30 ، الوقت: 19:44:36
  • تقييم المقالة:
( همسات من وحي رغيف الخبز )  

ما من شك البتة في ان الذي استهوى الانسان في مجتمعاته البدائية  وما دفعه لاستقصاء الحقائق كان مرده اشباع غرائزه او حب المعرفة وحسب , ولم يكن الامر وليد هواية او نزوة أيا كان شأنها . فمن المؤكد ان شعوره بالجوع دفعه كي يقيم اوده ويبحث ملياً عن غذاء يسد به رمقه , ذلك البدائي .. كان يرى بملء عينيه كل ما يدور من حوله يعزي بالأسباب في سبيل تلافي الاضرار .

وقد قطع الاشواط تلو الاخرى عندما تمخضت افكاره فيما بعد وتفتقت ذهنية في اختراع الادوات والآلات . فرغم بساطتها على سبيل المثال ضمت تلك الاداة الصغيرة المسماة المنجل في طياتها خفايا كثيرة , ومثلت صنعته تلك عصارة فكر وخبرة يندر حصولهما في تلك الاحقاب الغابرة , وما ادل على ذلك من استمرار التغيرات التي شهدتها تلك الاداة بما يتلائم ونوع النبات .

وفي هذا السياق قيل ان اول المنجزات العملاقة وأعظمها قاطبة والتي توصل الانسان لتحقيقها في مجتمعه البدائي تمثلت في اختراعه رغيف الخبز وعلى الرغم من ان ذلك الحدث (الثورة) لا يبدو بي ذي شأن للوهلة الاولى , الا اننا لو امعنا النظر بعيداً عمق جذور البشرية في تلك الاحقاب وحتى قبيل ان يبدأ حبوه مع اطلالة اولى الثقافات .. نقول لاستهان الامر علينا في استنتاج عظمة الانتاج المعجزة .. الرغيف ذلك الذي ضمت سجلات الحفريات في ثناياها براءة اختراع له بما ينيف عن مئة من القرون خلت في مكان ما من سهول الهلال الخصيب وهي تنتصب قائمة عبر اقبية مدينة اريحه المكان الذي استوطنته اكثر الموجات البشرية قدماً .

  باكورة الاعمال

كانت الزراعة باكورة الاعمال التي مارستها الثقافات البدائية بعد مرحلة القنص ولكي يصل الى وضع اولى المبادئ لصنع رغيف الخبز تتطلب الامر من الانسان ان يطحن القمح اولاً بل الاهم من هذا وذلك كان لزاماً عليه ان يصل الى حقيقة مفادها ان القمح افضل ما يتوفر من حوله قاطبة من مواد تناسب صنعته للرغيف فكان قراره المحكم والرصين اهم ما توصل اليه بعد طول عناء , بداية , اعتمد حبوب القمح لإتمام محاولاته على الرغم من انها بدت ساذجة في تلك الاحقاب وهنا تكمن نوعية النقلة فبعد ان استقر الراي على تلك الحقيقة , اراد ان يخطو خطوته الحاسمة في ان يحيل حبوب القمح القاسية الى طحين يسهل خلطه وجبله بالماء ومن ثم صيرورته كتل من عجين بعد ان اعاد للأذهان تجربته القديمة في خلط التراب مع الماء ليحصل على جبلة من طين , صنع منها آنيه فخار تحت اشعة شمس الصيف الحارقة لقد كان الحل يكمن في قساوة حجر الصوان , الذي اراد له ان يكون اداة لطحن الحبوب فكان له ما اراد في حجر الرحى .. لا احد يعرف على وجه التحديد , كيف ومتى استطاعت الثقافات البدائية ان تصل الى الحقائق المتعلقة بفوائد واهمية انضاج العجين ؟ وبتعبير اخر خبزه بفعل النار , والحقيقة التي اميل في ان ذلك الاكتشاف الرائع كان نتاج سعي دؤوب وجهد جبار للعديد من الافراد في مجتمعاتها القبلية , مما جعل الانسان يتفانى بتطوير رغيفه اليتيم ذلك اذ لم يكن بمقدوره كبح جماح هوسه المتنامي في الكشف عن الوسيلة المثلى لانضاج الرغيف .

ان الافران التي نشاهد , او تلك التي نستعمل في يومنا الحاضر ليست سوى حصيلة لسلسلة متظافرة من التطورات التي شهدها الفرن البدائي ( تنور من الصلصال ) ورغم الصدفة التي لعبت دوراً في احدى امسيات الشتاء الباردة  الا ان البدائي – وقد هدته الحيلة بوضع شيء من كتل العجين فوق احجار الموقد الذي اشعل نارها من بقايا اغصان وعيدان .. ورغم فعلت الاحجار الساخنة فعلها في تحميص كتل العجين تلك حتى باتت الرائحة المميزة للخبز المحمص تملئ ارجاء المكان فكانت سبباً في استثارة حفيظته في التعرف على مذاق ذلك الشيء المحمص .

الاسطورة

في عالم النظريات قيل ان " اسطورة القمح اشبه ما تكون بالقصص الخرافية بقصص الوراثة " , نقول ابتداء اينما وجدت الرحى وجد القمح , ووجدت الحضارة فلو اعتبرنا ارتباط الانسان بالموضع والمكان من الضرورات لتوصلنا الى ان مثله في ذلك كمثل قمح الخبز , والذي يعزز وجهة النظر , هذه وان القمح والماء يخلقان الحضارة اينما وكيفما ترافقا . ان القمح الذي وجد في قبور الفراعنة او ذلك اكتشف في اقبية مدينة اور لم يقع على عمق عشرات الامتار فحسب بل بعمق جذور تلك الحضارات .

وفي غفله من الزمان وقريباً من المصادفة التقى الانسان البدائي الراغب بالاستقرار في مكانه بالنبات الذي لا يتطاير بالرياح فاصبح لديه قمح يقتاد عليه .. فكان اعتماد القمح على الانسان في تكاثره وانتشاره , اذ ان قمح الخبز ذاك لا يمكن له ان يتكاثر الا بمساعدة الانسان مما يترتب عليه حصاد سنبلة ونثر حبوبه وبالتالي امسى كل منهما يعتمد على الاخر .

تنامي المعرفة

تعلمت المجتمعات البدائية صنعة الرغيف وتناقلتها , سيما بعد ان شهدت القبائل والمجتمعات شيئاً من الاستقرار وتكوين المستوطنات البشرية بعد ما كانت ذات القبائل تتجول هنا وتتنقل هناك لصيد ثمين تسد به الرمق او لفراء وفير تستر به الجسد نقول اصبحت المجتمعات بأمس الحاجة لتمتهن صنعة الرغيف وتعمل زراعة بالقمح وتدجين بالحيوان ولتلبية ذلك الامر استوجب الاستعانة بعدد وادوات اثقل وزناً واكبر حجماً لقد كانت الادوات احدى اهم المؤشرات سيما انه اتاح للمجتمعات امكانية استغلال المزايا الكثيرة على الصعد الاجتماعية والاقتصادية , وبوجه الخصوص ما يتعلق بإدارة الموارد الطبيعية وقد اضفت على الانسان طابع السكينة في سلوكه الاجتماعي , ولا سيما في اتخاذه للقرارات الحاسمة لقد بدأ الانسان يتحكم بعض الشيء بظروف الطبيعة  , ان لم يكن قد فضل تفادى الصراع مع تلك الظروف فخرج البدائي يغمره الزهو بمحراثه الخشبي يشق الارض متباهياً امام اقرانه وقد كانت تلك نقله اخرى حددت طبيعة تعامله مع الاشياء في اعتماده محراثاً بسيطاً لا يعدو ان يكون اكثر من اداة خشبية على هيئة عتله زودها بنصل قاطع , وقد ادرك بالتجربة قساوة الحجر فاعتمده بديلاً عن الخشب مثلما صنع المنجل من قبل من حجر الصوان القاسي . وجاءت النقلة الاخرى عندما عرف فوائد الحيوانات الداجنة في سحبها للمحراث فبات يستكمل الحلقات دواليك .

بصمات ظاهرة

لم تتح للإنسان البدائي تدوين ما توصلت له عبقرية , لافتقاره لأساليب الكتابة والتدوين ومهما يكن من امر , فانه وضع بصماته ظاهرة , كما تناقلتها اسفار التراث الموروث عبر العصور , فالكهوف التي استوطن والرسوم التي خط على جدرانها , لأنواع الحيوان والنبات خير شاهد لتلك الاسفار . فعلى مدى المسيرة الطويلة للبشرية , عملت المجتمعات البدائية في ايصال المعرفة عبر الاجيال , وكان هناك ثمة شيء يخالج ذلك البدائي في انه لا يقل فطنه وذكاء وتجربة عن اقرانه , طالما كان هو من وضع التصاميم , بل وقام بتنفيذ اول محراث واول منجل واقام اول فرن ( تنور ) معتمداً الاسس والقواميس الطبيعية , ومستهدفاً شق الارض لتلائم ومهد بذرة قمح انعمت عليه وعلى اقرانه برغيف الخبز .

وهنا وقفة لا بد منها , ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين قد تذكرنا تلك الادوات بأسلافنا الذين كان لهم الفضل في وضع اسس لحضارات زراعية , واستقرار المدنيات عبر التاريخ ... ويكفيهم فخراً في اننا مازلنا نستخدم المنجل والمحراث والتنور حتى يومنا الحاضر دون ان نجري عليها تغيرات جوهرية .

انجاز حضاري

والحديث عن رغيف الخبز ولست مبالغاً القول في انه كان انجازاً حضارياً لم يتح للتاريخ فرصة رصد عظمته عبر القرون . ان صناعة المحراث والمنجل ورغيف الخبز في تلك الاحقاب لم تكن البته ادنى اهمية من اقامة صرح لأعظم مفاعل نووي يشهده القرن العشرون ( ناهيك عن معايير المقارنة تلك ) .

بيد ان الفارق الوحيد يتمثل في ان من صنع الادوات البدائية تلك كان جسوراً ومقداماً يقضي وقته عاري الجسد , ويبحث عما يقيم اوده ويكسي له جسده وعلى خلاف ذلك , فان من اقام المفاعل كان جباناً ومتخماً مكسي الجسد ويبحث وبإلحاح شديد عمن يسقيه مخدراً ويعري له جسده , بل هو يعمل بكل ما اوتي من قوة نحو ذلك الهدف ليزيل عن جسده ورقة التوت الاخيرة , التي لا تستر ظلها . او لعله في كل هذا وذلك يحاول جاهداً ان يعيد للأذهان اصالته في العودة الى عري اسلافه القدامى ؟

سلاح ماضي

لقد آل التطور في المجتمعات الى تطور صنعة الرغيف البدائي عبر العصور , حتى اعتبر رغيفاً اثرياً , ونحن اذ نشهد في يومنا الحاضر صنوفاً من الرغيف مازالت تحمل معالم ذلك الرغيف الاثري . وعبر التاريخ كان الرغيف سلاحاً ماضياً , واليوم تتعاطاه الامم , وفي سبيله تتقاتل المجتمعات وبسببه تداس المقدسات , ولأجله تنتهك البلدان , وتشرد الجماعات .. بل ويحكم بالجوع على شعوب امنه في اوطانها . وهو نفس ذلك الرغيف الذي تعلم اسلافنا من قبل فنون صنعه ضمان لاستقرار الاوطان ونشر الخير في الربوع . في كل اشكاله وصفاته , مازال الرغيف دون تغير , وحسبه اشباع بطون خاويه ... ليس لسواد الاعين بل الى خوف من ان تثور تلك البطون وتمحق كل شيء من حولها بسطوه من جوع اذا ما هي تركت يوماً دون اشباع .

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق