]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ذكرى صحفية .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-09-30 ، الوقت: 11:21:18
  • تقييم المقالة:

 

 

أذكر أنه في عام 1997  ، عملت لشهور قليلة رئيس تحرير لجريدة محلية في مدينتي ، ثم نشأ اختلاف موضوعي بين مديرها المسئول وبيني ، فانسحبت منها كمسئول أدبي عن التحرير ، وكمراقب للموضوعات الوافدة على الجريدة ، وكمتحمل لأي قضايا قانونية ، أو نزاعات قضائية ، تقع فيها الجريدة ، وبقيت أكتب فيها كقلم حـر فحسب ، فشاعت في المدينة أقاويل مغرضة ، أطلقها بعض المرجفين . ثم أجرت معي جريدة منافسة حوارا بسيطا ، تطرقنا فيه لكثير من الأمور ، في سلسلة من الأسئلة والأجوبة ، وكان من بينها هذا السؤال وجوابه :

السؤال :

ـ لتكن بداية حديثنا من جريدة { ... } .. أنت عملت فيها كرئيس تحرير منذ العدد الأول ، واليوم يشاع أنك ستتوقف عن العمل فيها ، بسبب خلاف بين المدير المسئول وبينك .. فهل هذا صحيح ؟

الجواب :                                    

ـ كوني سأتوقف عن العمل في الجريدة ، كرئيس للتحرير ، هذا صحيح ، وليس إشاعة .. أما أن هناك خلافا بين المدير المسئول وبيني ، فهذا غير صحيح ؛ لأن الخلاف ـ في نظري ـ يجر إلى عداء سافر ، ويدفع إلى خصام جائر ، يبذر في النفس الآدمية مشاعر فظيعة ، ويشحن المرء بانفعالات بشعة ، تحوله من إنسان عاقل إلى دابة شريرة ، يستخدم كل طاقاته الذهنية ، وجهوده الفكرية ، وربما عضلاته البدنية ، للقضاء على الطرف الآخر ... وهذا ما لم يحدث بين المدير وبيني ، ولله الحمد .

وإنما هناك اختلافا في منهاج العمل الصحفي ، وتقييد الدور المنوط بكل واحد منا ، وبعض الشؤون الصغيرة ، التي هي من أسرار المهنة .. وأنا أربأ بنفسي عن الخوض في تفاصيل هذا الاختلاف غير الضار ؛ فالحادثة الفردية التافهة أتجنب التحدث عنها ؛ لأن المعركة بسببها قد تكون كبيرة ، ولكنها غير مجدية على صعيد الكسب الإنساني .. وأنا أحرص على الكسب الإنساني ، والسمعة الحسنة ، والكلمة الطيبة .

ثم إنني أرى أن الجريدة مثل السفينة ، عليها أن تنقل المسافرين ( القراء ) إلى بر الأمان ، وتوصلهم إلى ميناء محدد ، هذا الميناء اسمه : { الحقيقة } .. وإذا كانت هذه السفينة يقودها ربانان لا يتفقان على ميناء مشترك ، ولا يسترشدان بنفس البوصلة ، فإن فوضى عارمة ستعمم السفينة ، وينتاب الركاب الفزع والقلق والخوف ، ويصابون بدوار البحر . وحين يستيقنون أن السفينة تغرق وتتحطم ، يلعنون الربانين معا ، ويبحثون عن أطواق النجاة ، وزوارق الإنقاذ ، ويستغيثون بسفينة أخرى .

« ومن حقنا أن نختلف ، فالاختلاف طبيعة الحياة ، ورمز الحرية والإبداع ، ومن حقنا أن نتجادل ، وأن نتنافس ، و أن يطمح كل فريق إلى تحقيق رؤيته ، ولكن من حقنا وواجبنا أن نتذكر الأصل ، أن نتذكر القاعدة ، أن نتذكر السفينة ، فكل شيء جائز إلا أن تغرق السفينة ، أو تتعثر في الانطلاق » .

لهذا أحب أن أوجه إلى السيد المدير ، بحكم الزمالة والمشاركة و( العيش والملح ) ، كلمات ، هي من وصايا شيخ الصحفيين ، الكاتب الراحل مصطفى أمين (1997/1914) :

« إن القارئ لديه رادارا على درجة خرافية من قوة اليقظة ، وآذان استشعار تتلمس الفواصل غير المرئية بين طبقات اللون الواحد ، وذاكرة حديدية محفور على جدرانها كل كبيرة وصغيرة بأزميل من حديد .. فلا تحاول غشه ، أو تجاهله ، أو الضحك على ذقنه ، أو التغابي عليه ، أو التمثيل عليه ، أو تزيين الحال المائل له ، أو تزييف الواقع بفرشاة وردية ، أو ترقيع الثغرات ، أو لـَيًّ الحقائق ، أو تقديم التأخير ، أو تبجيل الخائب ، أو ترقيع المفضوح ، أو تجريم البريء ، أو النيل من المحترم ، أو تغطية المكشوف ، أو دفن الحقائق .

وذلك لأن انتقام القارئ عظيم وكبير ، ويكفيك منه عقابا ـ إذا ما لمس كذبك ، واكتشف خواء منطقك ، وأسقطك من نظره ـ أنه كلما شاهد توقيعك الصحفي في صحيفة طواها .. فإنه بهذا يحكم عليك بالإعدام حيا ... »


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق