]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بعد 64 عاماً من البطولة و الصمود و التضحيات: ببساطة نستسلم

بواسطة: مصطفى بدر  |  بتاريخ: 2012-09-29 ، الوقت: 09:44:09
  • تقييم المقالة:

بقلم: مصطفى بدر

في إحدى المقابلات التلفزيونية مع الفنانة الفلسطينية "تمام الأكحل" قالت  بأنها ذهبت للصين و زوجها الفنان "إسماعيل شموط" و التقوا بالزعيم  الصيني  الراحل "ماو تسي تونغ" في الستينات, و حينها قالوا له بأنه  معلمهم  و  قائدهم في النضال فتفاجئوا به يقول لهم: "أنتم من علمتمونا".  كان ذلك هو  حال الفلسطيني الذي دحر فلول الدبابات بجسده في الكرامة, و  صمد صمود  القلاع في بيروت, و أفزع كياناً كاملاً بالحجارة في الضفة, و قدّم  أنهار دمٍ لونت  بحر غزة, إنه الفلسطيني الذي علّمهم الكرامة و الكفاح و  الصمود و الجهاد, و  أرضخ كل العالم لعناده و عزة نفسه.

و بعد أن استشهد بعضهم أو نفي للخارج أو نقل قسراً لقطاع غزة, دون أن يسمحوا للإحتلال بتدنيس كنيسة المهد, نجد دعواتٍ لما تسمى بـ"مسيرة بيت لحم الأولى" يوم الجمعة القادم, ليست ضد الإحتلال, أو الجدار و الإستيطان, أو حتى الغلاء المعيشي, بل مسيرةٌ تتكون من فلسطينيين و إسرائيليين برفقة أجانب تدعوا للتعايش بين الطرفين, أو كما كتب حرفياً في الإعلان "لتعزيز التغيير, لزرع بذور التفاهم و التقبل, للإعتراف باحتياجاتنا الأساسية".

يبدوا أننا أقبلنا على مرحلةٍ مخجلةٍ من الإعتراف بالضعف و الفشل, و أمام إنعدام الأفق السياسي الذي نعيشة –سواء كان مع الإسرائيليين أو الإنقسام- و واقع الإستيطان المتغلغل الذي غيّر طبيعة بلادنا الجغرافية و الديموغرافية بشكلٍ ميئوسٍ منه, و بالإضافة لذلك فإن الضغوط الدولية الإقتصادية الشديدة التي تتعرض لها السلطة الوطنية الفلسطينية و الهادفة إلى إرغامها على تنازلاتٍ غير مسبوقة, كل هذا و أكثر جعل المواطن الفلسطيني ييأس من السلطة و الوضع القائم, و بدأ الحديث عن إلغاء اتفاقية أوسلو و حلّ السلطة, و العودة إلى ما قبل عام 1993.

و لا شك أن يأسنا من الوضع القائم جعلنا نرى عهد الإدارة المدنية و "يهودا و السامرة*" نعيماً, و خصوصاً بعد أن نسينا أن كل إنتفاضتنا و شهدائنا عام 1987 كانت بالأساس للتخلص منها و دحر الإحتلال, و لكن سقف توقعاتنا إما قد كان مرتفعاً, أو أننا كنا ضحية خدعةٍ كبرى, و في كلا الحالتين فإن إدارة الاحتلال المدنية – و إن ظن البعض أن كوننا عمالةً رخيصةً لهم هو حل أزمتنا الإقتصادية – ليست الحل, و إن ظن البعض أن قبل أوسلو كان أفضل فيجب أن يتذكروا أن ما فات لن يعود, و أن الوضع قد اختلف اليوم, و هناك الجدار الذي يستطيع ضابطٌ في وزارة الدفاع الإسرائيلية أن يحبس خلفه الملايين من أبناء الضفة الغربية و يقيد خروجهم إلى ما وراءه بشكلٍ أكبر مما نعانيه الآن.

و يكفي تغيّر النفوس, فتقبل كل طرفٍ للآخر أصبح شبه معدوم, خصوصاً من المجتمع الإسرائيلي, و محاولات التعايش و الدولة الواحدة حالياً لا يجب أن يكون ضمن خياراتنا, ليس ضغينة, ولا حقداً, لكن طالما هناك قضايا جوهرية يجب بحثها و تسويتها معهم فالحديث عن التعايش لازال باكراً, و من يظن أن كرامتنا الوطنية و عزتنا في ورشات بنائهم و مطاعمهم و متاجرهم فليعلم أنه بهذا قد تجاهل دماء شهدائنا, و دموع أمهاتنا, و صراخ معتقلينا, و حنين لاجئينا, و إن كان شأناً إقتصادياً فكما نقول: "المصاري بتروح و بتيجي", و لطالما مررنا بظروفٍ أصعب من هذه و لن يقتلنا الإستغناء عن بعض سمات الرفاهية في حياتنا, و إن كانت قضية وصولٍ إلى فلسطين التاريخية كافة يسبحوا في شواطئ تل أبيب و يتسوقوا في "كانيون المالحة*", فليعلموا أنه سيكون بإستطاعةِ أي مستوطنٍ الدخول إلى وسط نابلس و رام الله و جنين و بيت لحم و الإستيلاء على البيوت فيها و تحويل حياة سكان تلك المدن إلى جحيمٍ كما الحال في قدسنا المحتل و الخليل.

و يبدو بأننا مقبلون على مرحلة غير محمودة, و هناك قراراتٌ قد تصدر في المراحل القادمة, و في كل الأحوال سنندم كثيراً عليها, و من هنا أناشد المجتمع الفلسطيني بكل فئاته قيادةً و أفراداً, أن لا يشاركوا بهكذا أنشطة, و أن لا ينسوا بأنه و مع كل دقة ساعة فإن الأنفاق تحدث تصدعاتٍ أكثر في أساسات المسجد الأقصى المبارك, و أن كل هذه الأرض و من عليها هي ملكٌ لنا, فقط لنا, و إن طال الزمان, فأحدنا سيبقى واقفاً, و أنتم تعرفون الإجابة.

 


*يهودا و السامرة: الإسم الذي أطلقه الإحتلال على الضفة الغربية عند احتلالها عام 1967.

*كانيون المالحة: مجمع تجاري إسرائيلي مشهور بني في قرية المالحة المهجّرة جنوبي القدس.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق