]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

وضاعت . . . من بين أصابعه .

بواسطة: د. وحيد الفخرانى  |  بتاريخ: 2012-09-28 ، الوقت: 19:31:47
  • تقييم المقالة:

وضاعت . . . من بين أصابعه .

-----------------------------

 

عرفها وعرفته منذ سنوات قليلة مضت ، عرفها فى بادئ الأمر من بعيد ، وظلت عيناه ترقبها وتتفحصها فى كل مرة يراها ،وكأنه كان يتوقع أن يقتربا من بعضهما ذات يوم من الأيام ، عرفها منذ البداية بسيطة ، تلقائية ، هادئة ، كتومة ، رقيقة الحال ، مظهرها يُنبئ عن مستوى إجتماعى متواضع جداً ، ولكنها كانت طموحة ، حالمة ، تسعى إلى رفع مستواها فى كل شئ .

 

وذات يوم من الأيام ، شاءت إرادة الله أن يتلاقيا عن قرب ، وأن يجمعهما مجال عمل واحد ، فكانا يلتقيان كل يوم بحكم العمل ، فرأى هو ذلك فرصة سانحة لكى يتعرف إليها عن قرب وأن يتعاملا بصورة مباشرة ، ولم تتردد هى طويلاً فى أن تحقق له ما يريد ، تركته يُمسك بمقبض باب حياتها ليكون أول رجل يفتحه ويدخل إلى تلك الحجرة الصغيرة المظلمة التى لم يدخلها أحد من قبله ، تركته ليدخل ويفتح النوافذ كلها ليندفع نسيم الحياة إليها ، ولتشرق فيها الشمس من بعد طول ظلام ، سمحت له أن يعيد ترتيب وتنسيق كل ما بداخلها حسب هواه وإرادته ، تركته يتسلل إلى قلبها الصغير يلهو ويلعب ويمرح ويتعب فيجلس ويستريح ، يأخذها ذات اليمين وذات اليسار وهى تتمايل بين ذراعيه مثل تمايل أغصان الشجر بفعل الرياح ، كما يشاء هو وكما تحب هى .

 

وفجأة . . بعد عدة أسابيع إنقضت ، أيقنت أنها قد وقعت فى شباك هواه ، وأصبحت لا تطيق الحياة بدونه ، فقد أضحى بالنسبة لها هو الماء والهواء ، وهو الليل والنهار، وهو الشمس والقمر، وهو الحلم والأمل ، وهو ترياق الحياة ، ولم لا ؟ وقد تركته يفكر لها ، ويخطط لها، وينفذ لها ، ويرتب وينسق كل كبيرة وصغيرة فى حياتها ، تركته يفعل بداخلها وخارجها كل ما يريد ، وقتما يريد ، وأينما يريد ، وكيفما يريد ، لم تعارض إرادته ذات مرة قط ، ولم تخرج عن طوع بنانه قط ، وكانت تسير معه دوماً وفق هواه لا تُمانع فى شئ ، وكانت تحب كل ما يحب ، سايرته كثيرأ فى رغباته ، ورضيت كثيراً عن تجاوزاته ، لم تكن ترغب فى إغضابه وكانت تحرص دوماً على إرضائه ، كان بالنسبة لها الحاكم الآمر الناهى لأنها تركته يمتلك قلبها وعقلها وكل كيانها ووجدانها وجوارحها ، ولم يترك لها شيئاً تتملكه ، فأمست عاجزة عن الوقوف فى مواجهته .

 

أما هو . .  فقد كان على النقيض تماماً ، كان رجلاً أنانياً ، لا يرى إلا نفسه ولا يعشق سواها ، ولا يبحث إلا عن ذاته ولا يعنيه ما عداها  . .  حقاً أعطاها الكثير ولكنه كان يعطيها من أجل أن يأخذ منها الكثير والكثير والكثير ، كان الأمر يبدو له وكأنها صفقة  تجارية يبرمها ويتعامل معها بمنطق المكسب والخسارة ، ونسى أو تناسى متعمداً أنه يتعامل مع إنسانة ذات قلب ومشاعر وأحاسيس وعواطف ، إنسانه تفرح وتحزن وتتألم وتتوجع ، بل وتصرخ أحياناً من شدة الألم وقسوة الحبيب ، تعامل معها بعقله أكثر مما تعامل بقلبه ، ووضع سقفاً منخفضاً لتنازلاته معها ومن أجلها ، وفرض على نفسه قيداً ألا يتعداه أو يتجاوزه . . أما هى فلتضحى بلا حدود، وتتنازل بلا قيود ،  وتعطى بلا شروط ، وإن لم تفعل فلتذهب إلى الجحيم  ! ! فقد كان يعلم جيداً أن لكل طريق بداية ونهاية ، وقد وضع بنفسه نهاية لطريقه معها ، فأعد العُدة وهيأ نفسه للحظة النهاية .

 

وعندما حانت اللحظة الحاسمة فى علاقتها به ، طالبته بأن يتقدم خطوة للأمام ويضحى من أجلها ، ولكنه أبى ورفض ، وإنفرط العقد الذى ربط بينهما لسنوات بين يوم وليلة ، وذهب كل منهما إلى غايته ، وكأن القدر أراد أن ينقذها من براثنه ، وبعد أن مضت إلىغيررجعة وذهبت بعيداً بعيداً ، أيقن أنه فقدها وضاعت منه بعد أن كانت فى قبضته ومِلك يمينه ،رحلت إلى الأبد بغيررجعة ، وبعد أن كانت فى راحتيه . . ضاعت من بين أصابعه . . وإلى مقال آخر إن شاء الله

 

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق