]]>
خواطر :
ماخطرتش على بالك يوم تسأل عنى ... وعنيه مجافيها النوم يا مسهرنى...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

خفايا إستبعاد تونس من تقرير دافوس الاقتصادي

بواسطة: عادل السمعلي  |  بتاريخ: 2012-09-28 ، الوقت: 10:36:41
  • تقييم المقالة:
كانت المنظومة الإحصائية المالية والاقتصادية  في العهد السابق تتبنى مقاربة تلميع وبرقشة  الأرقام والمؤشرات المالية والاقتصادية لإعطاء إنطباع  محلي ودولي أن كل شيء على أحسن ما يرام وأن تونس هي بلد الفرح الدائم التي يطيب فيها الحياة ويكتنفها رغد العيش حتى أنه سمعنا من ينظر   للمعجزة الاقتصادية التونسية   تشبها بماليزيا وأندونيسيا وتركيا وقد تبين للجميع بعد   سقوط النظام أن هذه المعجزة المزعومة ما هي الا  محض إفتراء وإدعاء كاذب يتحمل وزره  آلة الدعاية الاعلامية الإقتصادية  الكاذبة والتي ما زالت إلى اليوم تمعن في تزوير الوعي الاقتصادي للشعب التونسي . وللبرهنة على هذه الحقائق التي لا تغيب على العارفين نورد على سبيل الذكر لا الحصر مؤشرين تلاعب بهما النظام السابق كما أراد وأشتهى طيلة عقدين من الزمن لإعطاء صورة خاطئة للوضع ولمغالطة الرأي العام المحلي والدولي وهما مؤشر البطالة ومؤشر الفقر بتونس     مصداقية مؤشر الفقر :
 
كان مؤشر الفقر في تونس قبل الثورة يتراوح بين 3.8 % و11.4  % إعتمادا على معهد الإحصاء ولكن إصدار وزارة الشؤون الاجتماعية لرقم جديد ومفزع لهذا المؤشر بعد الثورة  وهو نسبة24.7%  أثار موجه عارمة من التساؤلات والاستفهامات وخاصة التشكيك في النسب التي كانت تنشر في عهد النظام السابق
وقد أدى ذلك إلى التراشق الاعلامي بين معهد الاحصاء ووزارة الشؤون الاجتماعية وكل منهما يتهم الآخر بالمغالطة وعدم الدقة مما يضع المتابع الغير متمكن في حيرة من أمره .. من يصدق ... ومن يكذب ... خاصة وأن هذا المؤشر بالغ الأهمية لدى المنظمات الدولية والعالمية التي تقوم بتصنيفات دورية لمستوى العيش في بلدان العالم ..
والسؤال المطروح ما هو الرقم الذي يمكن الاعتماد عليه والوثوق فيه لكي تكون المقارنات في الزمن والتحليلات ذات جدوى ومصداقية      
التلاعب بمؤشر البطالة :    كان مؤشر البطالة في السنوات الأخيرة لنظام السابع من نوفمبر يتراوح بين 13% و14% وبالرغم أن هذه النسبة تعتبر مرتفعة وسلبية إلا أن  أغلب الملاحظين كانوا  يشككون بصمت  في هذا المؤشر نظرا لما يشاهده التونسي على أرض الواقع من مؤشرات عينية على أرض الواقع من كثرة إزدحام المقاهي والأماكن العامة في أغلب الأوقات بفاقدي الشغل ومن إنسداد آفاق تشغيل حاملي الشهائد العليا بعد التخرج حتى أنه بعض المعارضين السياسيين  كان يتندر بهذا المؤشر المزيف ويقول متهكما : من قدر على تزييف نسبة الانتخابات لن يعجزه تزييف المؤشرات الاقتصادية وخاصة نسبة البطالة     . ومن حسن الحظ ومن بركات الثورة أن المعهد الوطني للإحصاء أصدر في شهر ماي 2011  تقريره الاحصائي الجديد والذي قدر نسبة البطالة ب 18.3%  وهذا الرقم ذو مصداقية ويمكن الاعتماد عليه عكس الأرقام السابقة المذكورة آنفا ولكن من سوء الحظ أن بعض الأبواق النادمة على رحيل بن علي ومنها مواقع إلكترونية متخصصة في التحليل المالي والاقتصادي قدمت هذا الرقم الجديد المفزع على أنه نتاج الانفلات الأمني والاجتماعي الناتج عن الثورة وكأنها تريد أن ترسخ في وجداننا التأسف على العهد السابق والحقيقة التي لا مراء فيها أن هذا المعطى السلبي مرتبط في أغلبه بالنسيج الاجتماعي والاقتصادي أيام النظام السابق والذي أجتهد بكل خبث ومكر في إخفائه والتستر عليه زمن أكذوبة المعجزة الاقتصادية       إن العقل الاقتصادي لا يقبل أن تتحول نسبة البطالة المعلنة من نسبة 14% إلى نسبة 18% في ظرف ستة أشهر  وأن ذلك  لا يمكن أن يقع حتى في زمن الحروب فكيف بذلك في ظروف إنتقال سلمي للسلطة ويبدو على الأرجح أن الهيئات المكلفة بالاحصاء لم تكن لديها الشجاعة الأدبية الكافية للإعتراف بزيف الأرقام السابقة وأن تقر بذلك على الملأ وتعلن  بداية صفحة جديدة تتسم بالشفافية والمصداقية     إن إعتماد تقارير دافوس على أرقام مزيفة زمن العهد السابق هو الذي جعلها تبوأ تونس مكانة متقدمة في التصنيف العالمي إذ أن تونس كانت تحتل المرتبة 40 في آخر عهد بن علي  و  هذا التمشي في إعطاء صورة مخادعة للإقتصاد التونسي ساعد النظام السابق على  جلب الاستثمارات الخارجية كما ساعده على التحصل بسهولة على منح و قروض خارجية من الهيئات المالية العالمية كالبنك الدولي والبنك العالمي وهذا مما ساهم في إطالة عمر النظام لمدى عقدين من الزمن إلى أن جاء الوقت الذي إنكشف فيها المستور
فالإلتجاء للمديونية المشطة لإخفاء فشل النموذج التنموي هو أقصر الطرق لتمديد زمن الحكم والسيطرة على مقدرات الشعب والمجتمع 
ولكن هذا الطريق لا يمكن أن يكون إلا من المسكنات الوقتية التي تعالج العوارض ولا تنفذ إلى عمق الأزمة مما يهدد بالانفجار تماما كما حصل إبان ثورة 14 جانفي    
ليقف المتتبع  على هذه الحقيقة  التي يحاول أيتام بن علي وشركاؤه في الجريمة  نكرانها  والتستر عليها  نورد فقرة مقتصرة لتقرير دافوس لسنة 2010  في عهد الرئيس السابق حيث كانت تونس تتبوأ المراتب الأولى بفعل تزييف المعطيات الاقتصادية  :    ( كان أداء تونس أفضل من دول المنطقة الأوروبية مثل البرتغال 43 وايطاليا 49 واليونان 67 وعلى مستوى المؤسسات تم تصنيف تونس في المرتبة 22 إذ تميزت بحصولها على المرتبة الثانية في مجال التصرف في الأموال العمومية والمرتبة 14 فيما يتعلق بمناخ الثقة في أصحاب القرار والمرتبة 15 في مجال شفافية قرارات الحكومة . كما حصلت تونس على المرتبة 27 بالنسبة للصحة والتعليم الابتدائي من جهة والتعليم العالي والتكوين من جهة أخرى وعلى المرتبة 30 فيما يتعلق بنجاعة سوق الخدمات. وتحصلت على المرتبة 40 على المستوى العالمي ) من تقرير دافوس 2010       ولكن بعد إنكشاف الأمر وتضاربت الأرقام بعد الثورة لم يعد بالامكان تقييم الوضع بجدية وتقديم مقارنات في الزمن بين معطيات لا رابط بينهما فألتجأ خبراء دافوس في مرحلة أولى السنة الماضية في عهد حكومة السيبسي سنة 2011  إلى تخفيض رتبة تونس التنافسية بثماني درجات كاملة  وفي مرحلة ثانية هذه السنة إضطروا إلى إستبعادها من الترتيب حتى تتوضح الرؤيا ويتم التدقيق والتثبت من المعطيات الحقيقية  وهذا بالضبط ما يستشف وما يقهم من الفقرة التي خصصت لتونس في تقرير دافوس 2013 وكان القائمون على اعداد تقرير دافوس للتنافسية قد ارجعوا مسألة غياب تونس عن التصنيف هذا العام الى التغيير الهيكلي الكبير المسجل في المؤشرات مما جعل من الصعب مقارنتها مع مؤشرات السنوات السابقة مع الأمل في اعادة تصنيف تونس في العام المقبل
 
 
 
 
إن منظومة بن علي كانت تقوم على الزيف والخداع محليا ودوليا وأن التنميق والتلميع والإفراط في إستعمال المساحيق كانت هي الخطة التكتيكية المتبعة رسميا وإعلاميا وإن أمواج النقمة الشعبية والثورة  الجماهيرية على الأوضاع الظالمة كانت كفيلة بإذابة هذه المساحيق ليتجلى الوضع الاقتصادي على حقيقته وتظهر للعيان عمق الأزمة .
وبذلك كشفت الأستار عن أبواق الدعاية لصانع التغيير وباعث أمجاد البلاد وتجلى للجميع بما في ذلك المنظمات العالمية والدولية أكذوبة المعجزة الاقتصادية التونسية والطفرة التنموية التي لا أساس لها على أرض الواقع      في المحصلة إن إستبعاد تونس من تقرير التنافسية العالمية لهذه السنة ما هو إلا ضريبة تتكبدها الثورة من جملة ضرائب أخرى آتية لا محالة
وما أوردناه أنفا ما هو إلا تأكيد أن جنود الديكتاتور الذين عضوا الأصابع حين هروبه و الذين تفننوا وأبدعوا في تلميع وتزييف الوضع الاقتصادي العام في تونس مازال لديهم الموهبة الكافية والابداع اللازم لإيهام الرأي العام المحلي والدولي أن الثورة كارثة و خراب في خراب وأننا فقدنا بهروبه قائدا جهبذا قلما يجود به الزمان  .
وكيف لا نؤكد ذلك ونحن نرى بأم أعيننا من كان يتحدث عن المعجزة الاقتصادية التونسية  في زمن الهارب هم أنفسهم ... بنفس أسماءهم وصفاتهم ... بنفس أقلامهم ... وعلى نفس منابرهم السياسية والاعلامية والاقتصادية يحلفون بأغلظ الايمان أن تونس دولة فاشلة والاقتصاد خراب والمجاعة على الأبواب ..   .عادل السمعلي  محلل وكاتب إقتصادي  

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق