]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الأحلام المؤجّلة

بواسطة: فتحي العكرمي  |  بتاريخ: 2012-09-27 ، الوقت: 15:12:08
  • تقييم المقالة:

الاحلام المؤّجّلة

فتحي العكرمي

أن يموت حُلم جميل دفع من أجله الكثيرون حياتهم فذلك فصل جديد من خصوصياتنا العربيّة المُبدعة للمهازل، وأن يظلّ الحقّ غائبا بعد الثّورات فهذا من المُضحكات المُبكيات القديمة والمتجدّدة. وبما أنّ أهمّ دافع لتثوير الواقع كان المطالبة بحقوق دُنيا هي العدالة الاجتماعيّة والحقّ في العمل والتوزيع العادل لثروات الوطن ، فإنّ هذه الحقوق أصبحت أكثر ابتعادا عن طالبيها ، فأن توفّر الدّولة شغلا للمواطن و بنية تحتية معقولة وتواصل تزويده بالماء والكهرباء مازالت مؤجّلة ربّما سيتمّ تحقيق بعضها  وقت الحملات الانتخابيّة أمّا الآن فالأحزاب السياسيّة غارقة في

حسابات تداخل فيها الدين والتكفير واليسار والسّلفيّة والعقل أربكت المواطن وأبعدته عن المطالب التي كان يتمنّاها قبل – الهيجان – أي الثّورة ، فالمشكل السياسي العربي الرّاهن هو اعتقاد كل حزب أنّه الوحيد الذي يمتلك الحقيقة الواحدة والمنهج القويم والمرجعيّة الفُضلى وأنّه قادر لوحده على قيادة البلاد الغارقة في صعوبات قديمة وتراكمت أكثر ، فبالإضافة للمشاكل التقليديّة : الشّغل،السّكن،العدالة الاجتماعيّة  كشفت الثّورات على مخزون من الوصاية التي يريدها السّاسة  والمتعصّبون لفهم خاطئ للدين ولتأويل لا يتجاوز منطوق الآية ، فليس غريبا ما وقع لابن رشد  والحلاّج وابن عربي وللسهروردي وحرق كتاب ألف ليلة وليلة وكلّها علامات دالّة على عجز العقل عن قبول الاختلاف والتّأويل وعدم القدرة على معرفة أنّ الواقع الإنساني متغيّر كنهر هيرقليطس لذلك لا يمكن تثبيته . فالوصاية على الآخرين وعلى العقل هي دلالة على الدرجة الصّفر من التفكير أي من الحياة ، فكل أشكال التعصّب لشخص أو لدستور أو لحزب أو لقبيلة أو حتّى باسم الشّعب تدلّ كلّها على أنّ الأوهام مازالت ترافق الشعوب العربية التي لا يمكن لها – حتّى لو قامت بآلاف الثورات – أن تصل إلى رهانها الأساسي المتمثّل في الحرية إلا إذا تجاوزت التعصب ورفضت الوصاية وتخلّصت من الأوهام  المبثوثة في الإعلام وفي الشوارع وعند كل من يدّعي حيازة الحقيقة لوحده  سواء كان شخصا أو قائدا أو وزيرا أو داعية أو مثقفا .

تتأسس الحياة الإنسانية على أبعاد كثيرة تبدأ من المطالب البيولوجيّة الجسديّة مثل التغذية والمسكن - وهما يشترطان شغلا – والموجود الآن هو أنّ هذه المطالب الدّنيا ماتزال عالقة أو مؤجّلة وربّما غير معترف بها أصلا ، و لا يمكن لوجود المواطن أن يقف عند حدود ما هو مادّي بل يتجاوزه إلى مطلب الحرّيّة . المشكل أنّ رهان الحرية الذي قامت من أجله الثورات – حتّى لو كان بشكل لاشعور جمعي أو فردي  إذ لكل تصوّره للحرّيّة ورغبته في أن يحيا متحرّرا-  أصبح بعيد المنال بعد أن أضحت الحرية الشخصية في المعتقد والتفكير واللباس مهدَّدة من طرف جماعات ترى في المواطنة وفي الدولة وفي الديمقراطية وفي الحرية شيئا حراما  . فكأنّنا نعود من جديد إلى تقليد مارسه الحكّام السّابقون متمثّل في مقايضة الحرّيّة بالشّغل ، فالمواطن الذي يريد الحصول على أبسط المطالب عليه أن يتنازل طواعيّة  أو كراهيّة عن حرّيّته أي عن إنسانيته – بالمعنى الذي أعطاه روسّو للحرّيّة بما هي شرط الإنسانية- أي الفارق الجوهري بين الإنسان والحيوان . 

المشكل الجديد الذي ظهر بعد الثّورات هو تعدّد تعريفات الحرّيّة فكلّ يريدها خليلته والصّادرة عنه وهو الذي يوزّعها كما يريد وبالحدود التي يرسمها ، وفي هذه الحالات ثمّة من عليه أن يخضع وأن يُطبّق ويطيع ويعتقد في هذا النمط من الحرّيّة وهو دائما المواطن البسيط الذي يدفع وسيظل ضريبة من مرّوا على الأوطان ومن يحكمونها واللاّحقين ، فلا يكفي أن يكون عاطلا وجسرا يمرّ عليه السّاسة ليصلوا إلى العروش فهو " قُربان من حطّوا ومن رحلوا " ، بل يعطونه جُرعة صغيرة من الحرّيّة ويسحبونها أحيانا أخرى ويحرّمونها أحيانا بمعنى تحويلها إلى بضاعة يتمّ بيعها وتسويقها في المناسبات وتُسْحَب من السوق في الايام العاديّة .

فحرية التفكير والتعبير هي ميزة المواطن المنخرط داخل دولة بما يعنيه ذلك من قانون وسلطات تشريعية وتنفيذية التي تُحدّد هذه الحرّيّة حسب مرجعيتها الإيديولوجية ووفق طبيعة المجتمع الذي تريد تأسيسه ، فما وقع في تونس من اعتداء على المبدعين وعلى الصحفيين في فترات متعددة يجسّد صراعا بين من يمنع ويُحرّم الكلمة الحرّة ويقتل الحُلم ويجعل كل البلاد تفكّر وتتحرّك وتحلم وتفكّر بذات الطّريقة وذلك يعني  الثبات والتمركز حول واحدية الحقيقة والمعتقد وبين من يريد أن يحيا الحرّيّة المسؤولة وفق القانون . والصراعات التي تدور بين ممثّلي الإعلام وبين المسيطرين على الحكم تُظهر الرّغبة في تطويع الكلمة سواء صدرت عن شاعر أو كاتب أو صحافي أو فنان .

هل يوجد سياسي عاقل يصادر ويحرّم الحرّيّة وهو يرى آلاف الضحايا والمعوقين واليتامى والمشرّدين الذين دفعوا أرواحهم ثمنا لحرّيّة تتساوق دوما مع إنسانية الإنسان وخاصّة المواطن العربي الذي حُرِم منها وحلم بها وضحّى من أجلها لكن قد يكون كلّ ذلك مجرّد توهّم في عالم عربي يخاف التحرر ويرى فيه تمرّدا على الحاكم الماسك بكل شيء .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق