]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

علينا بالفن لكي لا يقتلنا الآخرون

بواسطة: فتحي العكرمي  |  بتاريخ: 2012-09-27 ، الوقت: 15:03:49
  • تقييم المقالة:

لنل الفن لكي لايقتلنا الآخرون

فتحي العكرمي

يبدأُ كلّ فعل من فكرة أو أمل أو حُلْم أو من الكوابيس أو الرغبة في تجاوز النقائص وتغيير الموجود – في بعض جوانبه أو كلّه - وكذلك كانت الثّورات التي كانت مسبوقة بأغاني تطلب الحرّيّة وبقصائد تحلم بوطن جميل وبروايات مُهَرّبة تنقد وتفضح وتُعرّي  الواقع وحاكميه  تبحث في جزء منها عن وجود مغاير للذي يريده الحاكم وتسعى إلى تأصيله القوى المتحكمة في العالم وفي العرب أساسا . فالفن لم يكن غريبا وبعيدا أو مناقضا للثّورات التي جاءت كتجربة تتصوّر الواقع العربي بمنظور جديد أفضل من السّائد ، غير أنّ ما وقع أثناء الصّراع بين الحاكم والمواطنين قبل الثّورات وبعدها وما بثّته وسائل الإعلام الغربيّة من إساءات (الشريط والرسوم الكاريكاتوريّة) كشف عن انحسار وتراجع البعد الفنّي داخل الوطن الواحد وفي ردود الفعل التي ظهرت في أغلب الدول ، وذلك يتطلّب مراجعة ووقفة تأمّل لنكشف عن الأخطاء ولردّ الاعتبار للرّؤية الفنّيّة التي تستطيع مقارعة الحجّة بالحجّة والفن بالفنّ في انتظار أن نمتلك تقنية تستطيع الرّدّ على الأسلحة الغربيّة المتطوّرة ، فأن نبدأ من البسيط أفضل من البقاء في ذات الموقع السلبي 

كيف يكون التفكير في الفن ممكنا في زمن عربيّ مصنوع من كل أشكال الموت والتدمير والعنف والعذاب والفقر والتجهيل؟

هل هذا الواقع هو قَدَر محتوم على كل عربيّ أن يدفع ضريبة قصوى : الموت ،التعذيب ، التجهيل،السجن،الفقر...؟

 إذا كان الأمر كذلك فما الجريمة الأولى التي ارتكبها العرب ممّا حتّم عليهم أن يقدّموا الأرواح والأوطان والتّاريخ للتكفير عنها ؟

وإذا كان عِشق الموت ورفض الحياة  والصّراعات المستمرّة ميزة عربيّة خالصة فما الذي يبرّر هذا الحلول في اللاحياة والرّغبة في إشعال الحرائق في كل شبر من الأرض العربيّة أو لماذا أصبحنا هكذا  ؟

الفرضيّة الأولى غير ممكنة والدليل هو ما كانت تحوز عليه الحضارة العربيّة  من تميّز في الترجمة والعلم والفقه والتّأويل والصّناعة ومحاولة فهم الطبيعة وطريقة عملها بمنطق موضوعي وأيضا التفكير في الشّأن السياسي بطريقة عقلانيّة – ابن خلدون-ابن رشد-الفارابي ، وعلى  مستوى المقاربة الفنّيّة والجماليّة  للعالم  تمّ في عهد بني أميّة وبني عبّاس إبداع فنّ التصوير لرسم الإنسان والحيوان والطبيعة ، فعلى جدران قصور الأمراء والخلفاء تمّ رسم صُور ملوّنة وكذلك في قصور الشّام وسامراء ، وفي الموسيقى في العهد العبّاسي اخترع الفارابي آلة القانون كما تميّز زرياب وإسحاق الموصلي في هذا الفن . الدّليل الآخر على أنّه لا توجد خطيئة عظمى هو بعض الشّعراء المخضرمين مثل حسّان بن ثابت... لم يُطلّقوا الشِّعر حين أسلموا بل واصلوا فيه إلى حدود الإبداع فلو كان هذا النوع من الفن مناقضا للحياة لَما تركوا القصائد المتعددة.

كيف يمكن الحديث عن فنّ ممكن في الرّاهن العربي ؟

الثّورة هي من جهة ما رؤية جديدة للوطن وللعالم وللسّلطة وللمستقبل وهو ما نجده في الفنّ الذي يُعيد صياغة الكون والحياة وتفاصيل الإنسان ومشاعره وانتظاراته بشكل جمالي وهذه نقطة الاختلاف الجذرية بينه وبين الثورات العربيّة التي رسمت تصوّرها الجديد للأوطان ليس بالألوان والأشكال والذّوق بل بالموت والإعاقة والتشريد والحرب وتداخل الحسابات الإيديولوجية والمذهبيّة . أليس هذا دلالة على أنّ الثّورة تحمل بداخلها أسباب موتها ؟ سيكون الأمر كذلك إذا أضحى الفن ما بعد الثّورات ضربا من الحرام والانحطاط الأخلاقي والتّرف العقلي والمادّي ، نحن الآن أمام مفارقة : نشيد الموت - الذي عزفناه قرونا طويلة بسبب فقداننا لما يجعل الحياة ممكنة-  أو الغناء للحياة ، وليس غريبا أن يكون ديوان أبي القاسم الشّابي " أغاني الحياة " وقصائد درويش الفائقة الإبداع   من ألهم مع مصادر أخرى وفنون متعددة الثّورات ، وكذلك شعر المقاومة مع  سميح القاسم ومعين بسيسو حيث التغنّي بالحياة رغم السجون التي تحاصر المواطن العربي أينما ولّى وجهه من استعمار داخلي وخارجي واستيطاني . كان الفن في مختلف فروعه فَضْحا لواقع مُشوّه وتعرية لأشكال القهر والاستبداد ورغبة في التحرّر  ممّا جعله رديفا للحياة الحسنة والفُضْلى .

فالواقع العربي المتأزّم داخليّا وإقليميا وعالميّا والمُسْتَهدف بإساءات متكررة منقوص من فعل فنّي إبداعي متحرّر يستطيع الكشف عن قدرة العرب والمسلمين على التّفكير والنّقد بقدرات عقليّة وذوقيّة تستطيع التّأسيس لمعارف متعدّدة تبني مستقبلا صلبا قادرا على الوقوف في وجه رياح الاجتثاث العاتية التي تأتي من كل الجهات لتقلع الحضارة والأوطان .

لم يكن غريبا أن يقول قسّ بن ساعدة في لحظة تكوّن الوعي العربي " يا أيّها النّاس اسمعوا وعُوا وإذا وعيتم فانتفعوا " ، هذا الخطاب الذي يحتوي على مفهوم الوعي – كشرط لكل فعل ايجابي – يدعو إلى الاستماع المقترن بالوعي ثمّ بعد ذلك يكون الانتفاع من أخطائنا وتصحيحها . فهل كانت ردود الفعل الأخيرة عن الإساءات- الشريط والرسوم السّاخرة من الرّسول -  قريبة من هذه الدّعوة؟

ما ينقصنا إلى حدّ الفراغ العقل الحِسابي الذي راهنت عليه الحضارة الغربية منذ عصر الأنوار فجعلت منه أداة للتفكير المنتج في تنظيم الدولة والقانون والعلاقات ونوع السّلطة وفي ذات الوقت الانصباب على الطبيعة لمعرفة  آليّة اشتغالها والسّيطرة عليها وتوظيفها لصالح الفرد – الدّولة ، في مقابل ذلك ها نحن نغرق في مشاعر جيّاشة تصاحبها ردود أفعال غير محسوبة العواقب فكان الوبال مُضاعفا : موت بعض المواطنين مع تأكيد ما أرادت الاستفزازات قوله وهو أنّ المسلمين لا يملكون من القدرة سوى الحرق والقتل والفوضى مع ما يصاحب ذلك من تراجع للمصالح الاقتصاديّة والسّياحيّة للبلدان التي شهدت مؤخّرا أعمال عنف . بهذه الطّريقة   يكون الشريط المسيء للرسول قد حقّق أكثر ممّا تمنّاه منتجوه  وهو البرهنة ليس من خلال مضمونه بل بواسطة المسلمين ذاتهم على ما أراد تبليغه من إساءات   ؟

الحاجة الأكيدة اليوم هي " التفكّر والاعتبار" ممّا حدث لمعرفة ما قد يأتي لاحقا – وسيكون عظيما وكبيرا – بحسب الوضعيات الإقليمية : الحرب في سوريا وما ستنتجه من وضع جديد تماما  – الصراع المرتقب بين إسرائيل وإيران -  الانتخابات الأمريكية لاحقا  ، فكل هذه العوامل ستحمل معها بالضّرورة وضعا جديدا وحسابات مغايرة يكون فيها العرب والمسلمون الحلقة الأضعف كما أرادت لهم الحضارات الأخرى ، فهل مازال الوقت باكرا على مراجعة جذريّة لعلاقتنا بالعقل وبالإبداع الفنّي ؟ ألسنا بحاجة لجعل الفن بكل فروعه ومعه العلم والتقنية وسيلة للتحرر من قيود التبعيّة للآخرين ولرفض آليات التسلّط التي يفرضها الحاكم الوطني والحاكم الأمريكي معا على شعوب أُرِيد لها أن تكون خاضعة وقانعة وسلبيّة  ؟

لماذا لا نفعّل مخزونا حضاريّا ممتلئا بالعقل ليصبح فعلا راهنا يمكن من خلاله الحفاظ على خصوصيات حضاريّة قيميّة وفي ذات الوقت الانخراط في عالم إنساني منفتح على العلم والتقنية  وعلى تجدّد مستمرّ ؟

فالعودة إلى العقل وما يقترن به من تأويل وفنّ  وتجديد والبحث عن أفق جديدة للتحرر من أشكال اللاّفكر : الجهل- الاستبداد – التعصّب – الوقوف عند مظهر الأشياء – العنف- التعصّب – واحديّة الحزب والحقيقة ، تبدو أمرا ليس ضروريّا فحسب ، بل هو شرط إمكان الوجود .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق