]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المتخفّي وراء شريط "براءة المسلمين "

بواسطة: فتحي العكرمي  |  بتاريخ: 2012-09-27 ، الوقت: 15:01:10
  • تقييم المقالة:

المخفيّ وراء شريط " براءة المسلمين"

فتحي العكرمي

ما حدث من ردود أفعال متعددة رافضة للإساءة التي تعرّض لها المسلمون في مختلف أصقاع العالم ليست الأولى ولن تكون الأخيرة لذلك فإنّ كل تشويه للحضارة عامّة ولمقدّساتها ليس عملا عَرَضيّا لأشخاص مجهولين بل هو محكوم بغايات مباشرة وأخرى متخفّية لقوى مختلفة تتحكّم في العالم وتريد لكلّ حضارة مغايرة لها أن تكون خاضعة لأوامرها وتابعة لثقافتها . ولفهم هذا يجب تفسير ما حدث في سياقات مختلفة يتداخل فيها الحضاري والديني والسياسي والاقتصادي والإقليمي خاصّة بعد حدثين أساسيين في التاريخ المعاصر حوّلا وجهة العالم وهما أحداث سبتمبر والثّورات العربيّة.

ففي الحرب ضدّ العراق برّر بوش التدخّل العسكري بأنّه حرب  صليبيّة فوّضه اللّه لقيادتها وقال أنّه يحمل كتب الديمقراطيّة ودروس الحرّيّة للشعب العراقي ولبقيّة الأوطان العربيّة ، وحين بدأت الحرب عمليّا على العراق فذلك يعني أنّ الحضارة الغربيّة ومن وراءها الأمريكيّة انتصرت بما حملته للشعوب من قتل وتدمير وأقمار صناعيّة توجّه الأسلحة بدقّة  فهي تعبّر بذلك عن تطوّر تكنولوجي تستطيع به غزو أيّ حضارة مغايرة . فهذه الحرب كشفت بالإضافة للنّتائج المباشرة مثل تقسيم العراق وإشعال الفتن الداخلية المذهبية والعِرقيّة عن كراهيّة وإذلال تمارسه الولايات المتحدة على العرب والمسلمين وما حدث في سجن " أبو غريب " يدلّ على ذلك ، وما ظهر في الفيلم ظاهره "براءة المسلمين"  وفي باطنه الكثير من اللاّبراءة ومن انعدام للبعد الفنّي والذّوقي ومن استفزاز رديء  وكأنّ العنوان جاء كمغالطة وصفت من يهتدي به المسلمون بصفات سلبيّة المستهدف منها تاريخيّا  وواقعيّا وراهنا ورمزيّا  : الرّسول بصفته الفرد الكوني  والحضارة العربيّة والمسلمين والشعوب التي قامت بالثّورات والأحزاب الإسلامية الحاكمة في مصر وتونس .

على أنقاض خيمات الهنود الحُمر بنت ناطحات السّحاب التي تمّ تدميرها بصناعة أمريكيّة –الطائرات- مثل العالم الافتراضي الذي راهن عليه الحكّام العرب ليكون سببا في تنحيتهم، وعلى مقربة من آبار النّفط وضعت بوارجها ليكون الخليج ملكا لها بعد أن زرعت في الشّرق الأوسط إسرائيل حيث تتبادلان الأدوار . فالصّراع الأمريكي العربي يتداخل فيه عنصران : الأوّل حضاري تاريخي بما يحمله من بعد معرفي وفنّي وجمالي وإبداعي والثاني اقتصادي عسكري أي سياسي ، فتوظيف الرّسوم والأشرطة والكتب المسيئة للعرب وللمسلمين يكون دوما مرتبطا بالبعدين السّابقين ، فالحضارة الغربيّة التي عرفت تخلّفا رهيبا في القرون الوسطى وأثناء محاكم التّفتيش وتجريم النّقد والإبداع تثأر الآن من الحضارة العربيّة الإسلامية التي كانت قد عرفت كمّا هائلا من الإبداع في مختلف المجالات حين كانت  بقيّة الحضارات قابعة في الجهل والتخلّف .

أمّا لماذا طُرِح هذا الشّريط في هذا الوقت بالذّات فلأسباب متعددة ومتداخلة ، فالثّورات العربيّة بدأت تتحسّس طريقها الصّعب والشّائك باتّجاه ثقافة جديدة أهمّها الوعي بالحرّية كمطلب إنساني وذلك يدلّ على درجة من الفهم والنّقد والمراجعة أي استعمال العقل بكلّ أبعاده وهذا في ذاته تهديد للحضارة الغربية التي تريدنا تابعين وجهلة أو على الأقلّ أن نمرّ بما عاشته في العصور الوسطى مع ذلك تريد الولايات المتحدة للتّوتّرات الداخلية والإقليمية أن تستمرّ  بين المذاهب السّنّيّة والشيعيّة والجهاديّة وبين الحاكم والمواطنين لتجد تبريرا لتدخّلها في الأوطان  ولتظلّ إسرائيل القوّة الوحيدة في المنطقة .

ما أحدثه الشّريط من توتّرات وعنف وضحايا فسح المجال للولايات المتحدة لكي تحسب بدقّة ما الذي يجب فعله في المنتظر من الثورة السّوريّة نظرا لتمركز كل العالم في ذلك الصّراع وما سينتج عن ذلك يهمّ إسرائيل التي بدورها تريد القضاء على مدّ شيعي مجاور لها – حزب الله- وآخر قريب منها بصواريخه الجديدة هو إيران ، وما يخيفها هو أن يجد هؤلاء موقعا لهم بعد الثّورة السّوريّة فيصبح وجودها في خطر .

الواضح أنّ الرّهان من ذلك الشّريط لم يكن معرفيّا أو نقديّا أو جماليّا لأنّه لا يحتوي على شيء من هذا بل كان الهدف عميقا وبعيدا يتمثّل في تحسّس كيف سيكون ردّ المسلمين وأساسا كيف ستتعامل الأحزاب الإسلامية الحاكمة  في تونس و مصر مع ما سيقع من ردود أفعال  ومعرفة الوجهة والقوّة وردّة الفعل التي يمتلكها السّلفيون . فهذا الشريط كان بمثابة المقياس  الذي  تعرف  به الولايات المتحدة كل الأطراف وعرفت أنّ الوضع العربي الرّاهن يمكن لها أن تتحكّم فيه كما تريد ،  فمثلا كشفت ردود الفعل الأخيرة عن عدم انسجام وصراع بين النهضة الحاكمة في تونس و السّلفيين وحكومة  مصر وجماعة سيناء أو بعبارة أخرى أرادت أن تقول للحاكمين الجدد عليهم بطاعتها أو فإنّ عدوّهم موجود معهم ويمكن له في كل لحظة إرباك حكمهم . فهذا التوتّر مُضاف له الصعوبات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والصراع حول الإعلام والقضاء يجعل الحاكمين الجدد بحاجة إلى دعم مادّي في شكل قروض ممّا يفرض عليهم المرور بموافقتها  لتكون لهم ضامنا لذلك فانّ الشّريط " في ظاهره لا يزيد عن الاستفزاز واللامسؤوليّة وفي باطنه رهانات عميقة " أهمّها الإبقاء على سيطرة أمريكيّة على العالم وتقوية إسرائيل بتدمير العرب والقضاء على كلّ قوّة يمكن لها أن تنافسهما وهي بذلك تسرع الخُطى لتكمل أنهاك العالم العربي والإسلامي المُنهك أصلا بثورات وصراعات مذهبيّة وبحسابات سياسيةّ تحرّكها أطراف داخليّة وخارجيّة معا .

فالمرور من ظاهر الإساءة إلى عمقها يتطلّب فهما لمقاصدها والغايات التي تريد بلوغها والأهداف المباشرة والإستراتيجية لذلك من المطلوب الوعي بالمُتخفّي وراء كل فعل ليكون الرّدّ " نظرا وتحقيقا " ينتج إبداعا يفوق الإساءة ويجعلها عاجزة عن بلوغ أهداف تحرّكها سوء نيّة سياسيّة واقتصادية وحضاريّة .

 

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق