]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سيارة النقل البوسطة****1

بواسطة: محمود فنون  |  بتاريخ: 2012-09-27 ، الوقت: 11:10:54
  • تقييم المقالة:

 

 البوسطة****1

 محمود فنون 8|5|2011

 

 دخل الجندي الى الممرالطويل الذي يوزع على الغرف ,وبيده ورقة ,وأخذ ينادي على الاسماء :....

وما ان انتهى حتى قال :

"بكرة الساعة ستة كلّو بكون جاهز ..  مفهوم  ؟بكرة بوسطة" وسلم ورقة للشاويش(وهو احد المعتقلين الموقوفين يتم اختياره كيفما اتفق ويستحسن ان يكون على معرفة باللغة العبرية).

-"ما هي البوسطة؟"سأل احدهم .

-"هي سيارة نقل المعتقلين من سجن الى آخر وهي بادارة غير ادارة السجن ويسمى العاملين فيها بالنحشون وتكون البوسطة كل يوم اثنين وخميس بشكل اعتيادي بخلاف ما يلزمهم بشكل طاريء."

لا احد يعرف الى اين يكون النقل ولا لأي غرض ,فيذهب بعض المعتقلين وخاصة غير المجربين مذاهب شتى..

ان يوم البوسطة يوم مميز ,فهو يستثير كل الافكار والهواجس ,وعلى اية حال فان البعض يفضل الانتقال من مركز توقيف عصيون ,لانه اشبه بالزريبة وشديد الاكتظاظ وسيئ الطعام وسيء المعاملة ,وعدا عن الحشرة والضيق  لاتوجد حمامات بالغرف,ويوجد ثلاث حمامات  يتدفق عليها المعتقلون على قسمين,وقلّما يتوفر الماء الساخن وحينما يتوفر لا يكفي لكل الموقوفين في كانون الاول.

تتداخل امواج الفكر في رؤوس الموقوفين الذين يجهلون مصيرهم..

يجهلون مصيرهم ..انهم في السجن ..ولكن هذه المحطة الاولى ..نعم نعم  المحطة الاولى في عصيون ..يتجمعون  ويتعارفون ..ويتآلفون ..ثم يتفرقون يحملون معهم احزانهم وفراقهم ..يتفرقون ليبدأوا رحلة جديدة مغمسة بالعذاب .

- الى عوفر من اجل المحكمة ..محكمة؟!اداري ام توقيف؟

- للمحكمة ؟ قال احدهم.

-"طيب يا رفيق ,انا لوين بدهم يوخذوني؟"

-"انت قبل اسبوعين اخذوك للتوقيف الاداري ,يمكن المرة للتثبيت.."

-"طيب شو اعمل؟"

هو يشتغل في شراء الحديد الخردة ويبيعه وراء الخط الاخضر ,وقال لي انه ليس له اية علاقة بحماس وهو أميّ في الاربعينات من عمره, بل انه يحصل على تصريح دخول وراء الخط الاخضر .

-"اصرخ في المحكمة "قلت له "اصرخ وقل لماذا انا في السجن ؟انا معي تصريح وكل يوم  أمر من الحاجز ولا مرة عارضوني ,انا ليس لي علاقة بأحد. اصرخ بهذا قبل ان يسألوك واعترض على أي شيء يقوله القاضي اذا كان غير الافراج"

-أين سيأخذونني يا رفيق ,انا ..يعني انا ..اول..  اه اول مرة ..يعني اول مرة.. أدخل السجن.."

كان قد ادخل السجن قبل اسبوع,ولا يعرف الطين من العجين .ويبدو انه كان يستشعر رهبة السجن رغم كل ما احطناه به من دفء انساني ,وكل التسلية والمجاملات وتعليمه لعبة الزهر.

-"لا تخف ,يمر كل المساجين  بهذه التجربة وعادة "اول مرة تحصل مرة واحدة",ربما يستدعيك المحققين ليسألوك بعض الاسئلة ,واصبحت الآن تعرف كيف تتصرف ,المهم لا تدين نفسك ولا غيرك بأي شيء...اياك ان تضر احدأ,واعلم ان الاعتراف بأي شيء هو امر مخزي وهو خيانة ...الانسان يحمي نفسه بنفسه وكذلك يخون نفسه بنفسه .والأصعب ان يخون  نفسه والناس الآخرين ."

-"انا مجنون ؟!..اصلا أنا لا اعرف احدا ,ولا يهمك ,لا توصي حريصا وانا والله سأرفع رأسك عاليا.."

-"حبيبي..انت قبضاي ..وكلنا احببناك.."

-طيب وانا يا رفيق ..انا ..قصدي ..يعني ..انا ذكرني في التحقيق ثلاثة معترفين,طيب..ما الفائدة..قصدي ..ما الفائدة من الانكار؟

-"وما الفائدة من الاعتراف ؟ لا يوجد أي فائدة ,بل كل الضرر ونحن هنا لا نبحث عن فوائد .ان سؤالك غير صحيح وليس في محلة والاجدر ان تصمد في التحقيق "

-"اسمع.. قل للشرطي :انا ما عرفت أحدا ولا رأيت أحدا ولا سمعت أحدا ,وكل ما تسألني عنه لا أعرفه. واصمد" .

- ماذا يحصل؟ ما الذي سيحصل لي ؟انا لا افهم شيئا ؟

-ولا شيئ  اذا كان  ملفك جاهزا,فهم يستكملوه بسؤالك ,وسواء ايدت ما في الملف ام لم تؤيده ,فانهم سيقدموا ملفك للمحكمة العسكرية وسيتم توقيفك بناء على هذا الملف   ,فقط لا توافق على أي شيء يقولوه ولا توقع على ورقة  ولا على إفادة مهما كانت .وإذا قال لك انا كتبت اقوالك ,فقل له وقع نيابة عني .

لقد غير القضاء العسكري موقفه من الذين لا يعترفون في التحقيق ,فقبلا كان يسجنهم بالحكم الإداري ,واما اليوم فهو يحاكمهم على اعتراف الغير ,وهذا يعني انه عندما يعترف شخص على علاقة بشخص آخر فان اعترافه يدين هذا الشخص ويستخدم في المحكمة دليلا قاطعا ضده حتى لو عاد الشاهد عن شهادته ,وبالطبع لا يستطيع احد ان يقدم دليل برائته كما يحصل في الافلام.كل من دخل عندهم  سيبقى في السجن ثمانية ايام على الاقل ,ثم الى المحكمة سواء محكمة الاداري او محكمة التوقيف وكلاهما تابعة للقضاء العسكري ووفقا لقانون الطواريء والاوامر العسكرية التي اصدرها الحكام العسكريين عبر سنوات الاحتلال.وفي محكمة التوقيف  يتقرر المصير :فاما تستطيع النيابة تقديم لائحة اتهام ,وحينها يتم توقيف المتهم الى حين انتهاء المحاكمة ,او يكتفى بالتوقيف ويجري الافراج عن المتهم .

- ولكن ادارة السجن ابلغتني بأنني موقوف لمدة ستة أشهر اداري؟

*******

-ان السلطات العسكرية (قائد المنطقة الوسطى )هو الذي يأمر بالتوقيف الاداري بالمدة التي يراها ,ولا تزيد عن ستة اشهر في المرة الواحدة .ثم تبدأ عملية خاصة بالإداريين .

فيقدم الموقوف لمحكمة الإداري للنظر في القرار ,حيث يقول القاضي رأيه أرتباطا بملف سري يقدم له من قبل النيابة ولا يطلع عليه الدفاع,بعد ذلك تعود المحكمة للانعقاد للنظر في الحكم ثانية ويجري تثبيت الحكم الاداري بالاشهر ذاتها التي تقررت في المحكمة السابقة او أقل .وعندما تنتهي المدة يتكرر السيناريو ذاته اذا قامت ادارة السجن بتبليغ المتهم بالتوقيف الجديد ,او يجري الافراج عنه اذا انقضت المدة ولم يجدد له.

-"وهل يستطيع القاضي ان يفرج عني ؟"سأل احد الموقوفين اداريا.

"ان مع القاضي هامشا صغيرا ,فهو يقصر المدة المقررة ,أو يبقي عليها وقليلا جدا ما ينطق بالافراج .واذا كان نطقه بالافراج غير مقبول من الجهات الامنية المختصة(كلهم جهات امنية متكاملة)فان هذه الجهات تعيد القبض عليه أو تستأنف قرار القاضي او تلجأ لقاض آخر..ولا يعجزهم الامر .

"وهل المحكمة جهة امنية؟"

***

-هناك شبكة متكاملة مهمتها التعامل مع قضايا الاعتقال ,وكل يقوم بدوره بشكل مستقل ادارياعن الآخر ومتكامل معه وظيفيا .

الشاباك. والجيش,ادارة السجن والسجانين(الشّباص),و النقليات (النّحشون) المسؤولين عن البوسطة,والمحكمة ,والنيابة العسكرية,والخدمات الطبية التابعة لمصلحة السجون, وكلهم باشراف القائد العسكري .

-"ما الشاباك والشاباص..؟"سأل احدهم.

فالشاباك يقود عملية الاعتقال بالتعاون مع الجيش .حيث يجري نقل السجين الى احدى مراكز التوقيف مشفوعا بالتقارير اللازمة وبأوامر التوقيف اللازمة.والشاباك هو جهاز الامن الاسرائيلي الداخلي.

 ولا بد من ذكر ملاحظة بأن الادارة العسكرية الامنية تراعي غالبا الجانب الشكلي والتنفيذي في عملية الاعتقال حسب أصول يرونها ,وادارتهم عريقة وتمتلك الخبرة والدراية الكافيتين  لتأمين صحة الجانب الاجرائي الشكلي دون انتقاص.

فهم يستحصلون على أمر الاعتقال والتفتيش ,ويدونوا كل خطواتهم وملاحظاتهم بشكل دواويني مدقق.ويصر قائد حملتهم على الطلب من المعتقل حال اخراجه من البيت ان يوقع لهم على برائة ذمة بأنهم لم يأخذوا شيئا من البيت .

وحال وصولهم الى مركز التوقيف المحدد,تقوم دورية الاعتقال بتسليم السجين الى الادارة حسب اصوليات متبعة ,وادارة السجن او مركز التوقيف غير معني اساسا بأسباب وجود السجين وهو معني بوظائف محددة تتعلق بالقيام بواجب السجان حسب القرارات والاوامر العسكرية المرعية  وبالتعاون مع بقية الجهات ذات الصلة .

والنحشون هم فريق التنقلات الذي يؤمن انتقال المعتقلين ضمن ادائرة السجون والمحاكم والمخابرات للتحقيق, والشرطة لاستكمال اجراءات التحقيق بتوثيقها باسم الشرطة لا باسم الشاباك(المخابرات).

ثم القضاء العسكري للاداري او لمن وفروا لهم لائحة اتهام وكل منهما درجات تبدأ من المحكمة الاولى ثم الاستئناف .

**********

-وانا طلبوني اول امس واقتادوني سيرا على الاقدام الى مكان قريب,وسألوني أسئلة وهددوني بحبسي سنوات طويلة اذا لم اصدق معهم,وقام احدهم بالقائي على الارض وكانت باردة ومبلولة ,وداس على رقبتي وهددني بالموت.. .

ماذا قلت له؟

-الحمد لله وباذن الله عدت سالما ..

-ولكن ماذا سألك وماذا قلت له؟

-طلب مني أسماء مؤيدي الكتل الطلابية في شعبتنا في الجامعة وسميتهم له..ثم طلب مني ان اسمي كل من يؤيدوا الكتل الطلابية في الجامعة وقال بأنه سوف يطلبني مرة ثانية..

-وعن السجن ماذا قلت؟

-سألني عن عدد من الأشخاص وقلت له أنا لا اعرف عنهم شيئا سوى أنهم حماس كما اعتقد وكما سمعت والله اعلم.

"انظروا ماذا فعل هذا النذل..وشى بالناس الذين في الخارج وأكد على اناس موجودين في السجن وموقوفين اداريا ليثبت عليهم.."

 *******

وانا امضيت في التحقيق ثمانية وتسعون يوما في مكان بعيد, معظمها منفردا في الزنزانة ,وخلال العشرة ايام الاولى لم يسألوني أي سؤال ,ثم ادخلوا عندي شخصا يوحي مظهره بالثقة ولم يسألني شيئا سوى عن صحتي وحاول تسليتي ,وكان يقوم للصلاة صباحا .

كان يعود بعد أن يأخذوه ويؤكد أنهم حققوا معه في الأمور الخطيرة ومن خلال تعرضه لما يحصل معه في التحقيق فهمت انه من كبار القادة العسكريين ,وشيئا فشيئا وبعد ان قال لي بأنهم(المخابرات)فشلوا تماما في التحقيق معه بل وتيقنوا من براءته (طبعا بسبب ذكائه وقدراته الخارقة )يتوقع ان يفرجوا عنه ,وعلى الاقل سينقلوه من السجن الى سجن آخر..

استشعرت على الفور فراغا وضيقا لاحتمال نقله وكأن صدري ينقبض ..في الحقيقة فقد احببته ,وأخذت اسأله عن مصيري,فتبادلنا الحديث حول وضعي وعلاقاتي وظروفي وكأنني افاتح مسؤولا عني ..

وبعد ان غادر بساعات ,استدعوني للتحقيق ووجدت كل ما قلته له أمامي وبالحرف الواحد..

-"ما اتعسك ! لقد كان هذا عصفورا ,استدرجك لتدلي له بكل ما تعرفه ,وهو بدوره ولأنه جزء من التحقيق ,قام بتسجيل كل ما قلت ,ففاتحوك به .والأولى ان تنكر كل ما قلت مرة ثانية ...

- لقد قلت له عن كل أصحابي من أجل ان يتوصى بهم ..

- وهو قد استوصى بهم فعلا وسيكونوا كلهم في السجون..

- ولكن انا قلت بعض الاشياء على سبيل التباهي وبالغت كثيرا ,وقلت له عن اشياء لم اعملها !

- ان ما قلته سوف يقدم مع ملفك الى النيابة العسكرية ,وهناك  سيكيفون كل أقوالك في لائحة اتهام ويقدموها للمحكمة ,سواء ما هو حقيقي أو ما هو مبالغة .

-ما العمل اذن ؟لقد ضحك عليّ.

انهم يضحكون على الهبل من أمثالك, والهبل هؤلاء هم الأغلبية ممن يتعرضون للتحقيق .وهناك طرفان يتحملان المسؤولية عن نتائج التحقيق في المستوى الوطني :

الاول:هو التنظيم الذي لا يكلف نفسه عناء التثقيف بمجريات التحقيق  ووسائل حماية التنظيم من نتائج التحقيق وكل ما يتعلق بالحماية الامنية,وذلك لأن الكثيرمن المسؤولين  كانوا ضعفاء في التحقيق وكانوا يعترفون على كل شيء ويعتبرون تسليم اسرار التنظيم للعدو هو امر في اطار" لا يكلف الله نفسا الا وسعها " ويجرّ الواحد ورائه ملء باص الجيش ليواجهوا مصيرهم . ثم يتوبوا الى الله عن فعلتهم ويعودوا الى تكرارها في الاعتقال اللاحق بعد ان تعوّد عليهم المحققين وخبروا ضعفهم,وفي السجن يتولى بعضهم مسؤليات اعتقالية بدلا من نبذهم ومعاقبتهم .

ان قلة من المعتقلين يصمدون في التحقيق رغم ان وسائل التحقيق اليوم اسهل من السابق ,وهؤلاء القلة يمثلون للمعترفين تذكيرا لهم بسفالتهم وجبنهم ورذالتهم  وضعفهم امام المحقق الذي ينتزع منهم اسرار النضال ويوجه الضربات الاعتقالية القوية بالاستناد الى تعاون هؤلاء الضعفاء . ان دورهم اكثر خطورة من دور الجواسيس ,وهم يتحملون المسؤولية عن تضخم عدد المعتقلين – ضحاياهم

والثاني :هو المعتقل ذاته والذي يتوجب عليه ان يدافع عن نفسه بالصمت والتحرز على كل ما لديه من معلومات عن نفسه وعن غيره..أليس هو المناضل في مواجهة العدو ؟اليس التحقيق هو محطة من محطات المواجهة ؟ هنا البطل يصمد والجبان يخون...

-سنقدم لكم في ليلة ثانية ندوة عن دور العصافير ودور المسؤولين الكبار الضعفاء ومسؤوليتهم عن ضرب التنظيمات واضعافها بسبب تعاونهم مع المحققين وعن كل الذين يتعاونون في التحقيق سواء بواسطة العصافير او بغيرها .ان الواحد منهم يصبح اداة بيد العدو للبطش بالتنظيم .

-ولكن انا قرأت كتاب فلسفة المواجهة ,وقد أدخلو عندي أحدهم في اليوم الثاني واخذ يظهر حزنه بسبب صغر سني ..

"كم عمرك يا بني"محاولا تقليد صوته الاجشّ.."انهم ظلمة ولا يرحمون صغيرا ولا كبيرا "

- وقد حاول بوسائل شتى ولكنني في كل مرة كنت اشرح له بأنه لا علاقة لي بأي شيء ولا أعلم لماذا اعتقلوني..وقد غيروه مرتين وعاد هو مرة ثانية ,ولما فشلت تجربة العصافير اخضعوني لقسوتهم اكثر من خمسة عشر يوما وذلك لأن احدهم ذكر انه شاهدني مع مجموعة  من طلاب الصف التاسع كانت تلقي الحجارة على جنود العدو. ثم نقلت الى هنا مرة ثانية منتصرا ..ونفخ صدره الصغير تعاظما وافتخارا .

*********

بعد ان صلى بعضهم العشاء جماعة ,تحلقنا حول بعضنا ..فقد نشأت بيننا ألفة ومشاعر لطيفة ,وغدا يوم آخر قد يتفرق البعض بعد ان توطن الناس على الصبر على ماهم فيه بسبب تآلفهم  وايناسهم هذا.

- "صحبتكم كانت حلوة.."

-"والله انكم قد كنتم اكثر من أهل وقد خففتم عن روحي وطأة الاعتقال .."

-ارجوكم ان تذكروني بعد فرج الله القريب ان شاء الله وتزوروني في البيت ..."

- لقد احببناك ..مع انك لم تشاركنا الصلاة..لقد خففت عنا كثيرا ونوّرتنا بامور كثيرة كنت مثل اخ كبير لنا.."

واخذ الجميع يغني "يا ظلام السجن خيم ...

ثم خلد بعضنا الى النوم  وتظاهر البعض بالنوم وسهر الباقون مع بعضهم حتى موعد صلاة الصبح حيث ينهض المصلون من المنتسبين للتيارات الدينية ويتيممون على الجدران صعيدا طيبا ويؤذن واحد منهم ثم يقيموا الصلاة ويحاول الجميع النوم مرة ثانية.

**********

-"عدد عدد ..يلا عدد عدد  سفيراة.."يضرب الجندي على الابواب بعصا غليظة صارخا في المعتقلين النائمين ,ثم يفتح الباب للشاويش ليقوم باستكمال المهمة لينهض النائمين من نومهم ,ويطلب منه ان يدعو المنقولين للبوسطة بأن يحضروا انفسهم.

يجلس المعتقلون في حلقة واحدة على ركبهم وايديهم مشبوكة الى الخلف حيث يدخل ضابط العدد وهو جندي برتبة عسكرية  ومعه جوقة من المرافقين ويتمم عدد المعتقلين بالمناداة على الاسماء كالعادة .

وبعد تمام العدد الصباحي ,طلب المناوب من الشاويش ان يستدعي المنقولين ,فيخرجوا الى الساحة بانتظار اتمام اجراءات النقل . يكون هذا عادة بعد الساعة السادسة صباحا  بقليل

يبقى المعتقلون في الساحة الصغيرة يتمشون أو يجلسون  حتى ما يقرب من التاسعة واحيانا حتى العاشرو والحادية عشرة,ثم يسمعون صوت سيارة البوسطة تتوقف قرب جدار السجن مباشرة ..فيأتي احد الجنود ويتأكد من جاهزية المعتقلين بالمناداة على اسمائهم .

ينزل" الناحشون" من السيارة وهم حوالي اربع او خمسة, ويسمع المعتقلون اصوات السلاسل وهم ينزلونها من السيارة لأدخالها الى داخل السجن.

ينادي الضابط المناوب على المعتقلين ليبدؤوا بالخروج من الساحة الى باحة أخرى خارج قسم إقامة المعتقلين لتبدأ عملية التفتيش وخلع الملابس والتأكد من الهوية ,وبعدها مباشرة عملية الربط في القدمين ومن ثم ربط اليدين إما بالقيد الحديدي ان توفر أو بقيد البلاستك الذي يشد اليدين بقوة ,والاصطفاف بجانب الجدار المجاور لباب السجن الخارجي والوجوه جهة الجدار والجندي يصرخ بشكل متكرر لمنع الكلام تحت طائلة العقاب .

ويتم الاستلام والتسليم فيأتي احدهم من"الناحشون" ويتأكد من سلامة ربط القيد في الرجلين ,ثم تبدأ المناداة على الاسماء ليتوجهوا فردا فردا الى الباص المعد خصيصا لهذه المهمة حيث يصعد المعتقلون المقيدون بصعوبة درجات الباص ليتم اجلاسهم على الكراسي الحديدية الصلبة والباردة ,وتبدأ رحلة النقل حيث يكون الباص محروسا بقوات من الجيش او حرس الحدود حتى الوصول الى مدخل سجن عوفر وبسرعة كبيرة والباص يهتز ويرقص  بشكل لا رحمة فيه.

***

اغمض عينيه وهو يمر من حاجز النفق.

-"سأدخل من النفق هذه المرة بشكل علني بعد ان عبرته الى القدس مرات عديدة بشكل سري ملتفا من جهة المخرور الى باب النفق حيث تنتظرني السيارة الموعودة وتحملني الى رام الله لبعض اللقاءات والاجتماعات

-عبور عن عبور يختلف ,لقد كنت تعبر وانت حر ,بينما تعبر هذه المرة مكبلا بالأصفاد ,كنت تعبر في سياق العمل والاجتماعات واللقاءات ,بينما هذه المرة للمحكة ,او التحقيق .

- منذ سنة 2002 م بعد ان اجتاحوا مناطق ألف ,أصبحت غاراتهم متكررة ,ان التقسيم الى الف وباء وجيم ليس سوى تقسيما لتسهيل المهات ولا علاقة له بالسيادة والاستقلال والحرية ,انهم قد ضحكوا علينا- ضحكوا علينا بالتعاون مع "غصن منا"وبواسطته.

***

-"اسكتوا" صاح الشرطي فينا بعد ان سمع دردشة بين السجناء.ممنوع الكلام ..

عاد ثانية وكرر الصياح ..انه يستطيع ان يعاقب الجميع بطرائق مختلفة !انه لا يتحمل مسؤولية عن تصرفاته ,فهو لا يتبع ادارة سجن عصيون ,وما ان نصل الى مرحلة محاسبته على سوء تصرفه نحتاج الى اضراب شامل مدرج في مطالبه واحتجاجاته  حول معاملة النحشون كي نتمكن من توصيل الرسالة بواسطة الادارة العامة للسجون حيث يتبع قسمهم هذا.

انهم مسؤولون عن كل عمليات النقل بين السجون وبين السجون وبين المحاكم وبين السجون ومراكز التحقيق  وكذلك نقل  المحررين من المعتقلين في سجون الداخل الى بوابات العبور مع الضفة الغربية وغزة.

 

 

 

يتبع البوسطة****2

..اسكتو ..صاح الشرطي ,وقد كنا ننظر من فتحات البوسطة ,وشاهدنا مرورنا من النفق ودخولنا الى القدس من الجهة الشمالية الغربية .

لقد عبرنا النفق هذه المرة دون تصريح ,وليس بالتهريب,و مكبلين بالأصفاد وفي عربة البوسطة محروسين بالسيارات العسكرية  من امامنا ومن خلفنا كما لو في موكب رسمي !,ولكن مكبلين .

كم كنت مشتاقا للقدس ,كم كنت مشتاقا للنزول من درج باب العامود وقبل الاتجاه  الى باب خان الزيت,والى اليسار من اسفل الدرج حيث يستريح الهاوي مثلي في الفرن البلدي  ويتناول قرصا مقمرا مع البيض والنقانق المخبوز فورا وحسب الطلب,يستريح بين الراغبين مثلي في ممارسة هذه العادة  التي تمارس من أجل ذاتها ..لا..لا..بل من اجل التوحد مع القدس والعادات المقدسية القديمة ,من أجل ان يعبر العاشق عن عمق ارتباطه بمعشوقه  واندماجه في كيانه ..

 - تشمور على شيكت (اسكتو )صاح الشرطي بجلافة .

كانت السيارة تصعد طريقا قوسيا يظل يلتف لمسافة طويلة حتى يتصل بشارع عريض ينبع من جهة القدس القديمة ,ثم يعود ويخرج منها  ويستمر محاذيا للسور الفاصل الى ان يقف امام بوابة عسكرية ويدخل الى معسكر عوفر الذي يضم بين جنباته السجن المعروف باسمه بالإضافة إلى المحاكم العسكرية للإداري والمواقيف,وقسم التحقيق .

عبرت السيارة حتى وصلت الى مبتغاها ,حيث توقفت تماما ,شعرنا ان الحراس قد نزلو منها ..وبعد وقت فتحوا الباب الخلفي ..ونادوا على اسمي ,وانزلوني الى مكان تصعد اليه  على درج ..واقتادوني الى مكان بين حاويات حديدية واجلسوني على كرسي وانا مصفد بالقيود في القدمين واليدين..

***

 - "مرحبا ..انا فلان..قادم من سجن عصيون ..ماذا يوجد هنا ..لم يسبق لي ان كنت هنا ..."

- هذا مركز تحقيق,قال احدهم ..انت هنا من اجل التحقيق ..هل حققوا معك في عصيون؟

- لا ,فقط أدخلوني السجن قبل أسبوع ..واليوم أحضروني الى هنا ..لديّ خبرة كبيرة في التحقيق ..

- على اية حال لو ارادوا تحقيقا شديد العنف ..لهم أماكن أخرى..

 

- يا شرطي اريد ان ادخل الى الحمام ..هل يوجد حمام هنا ؟

فك الحارس قيد يديّ ودلني على المرحاض.

وشيئا فشيئا على همس المنتظرين واخذوا يتبادلون الحديث ,وبين كل فترة وأخرى يؤكد الحراس على وجودهم بالصياح وطلب الصمت ,ويأتي بعضهم ويحاول فرض ارادته بالصراخ والرفس ..

نحن في مكان مكشوف يوجد به عدد من الحاويات يضعون في الحاوية الواحدة مجموعة القادمين معا من سجن واحد, واما الباقي مثلي فيضعونهم هنا وهناك على كرسي لمن يوجد له كرسي والبعض الآخر يظلّوا وقوفا حتى ساعة استدعاؤهم,بعضهم قادم من سجن عوفر وبعضهم من عسقلان وبعضهم من النقب ..

بعد حوالي ساعة حضر احدهم واقتادني داخل المبنى.

ادخلني الى غرفة وفك القيد من يديّ وطلب مني ان انتظر واقفا .

جاء شرطي ,نظر اليّ من اسفل الى اعلى ,وقبل ان يتكلم طلبت منه ان يحضر ماء بلهجة هي ليس امر ولكنها تنم عن حشيء من الحزم ,عاد ونظر اليّ من اسفل الى اعلى فكررت عليه الطلب ,فأوعز لأحدهم ثم جلس وطلب مني ان اجلس قبالته على الكرسي فجلست على الفور .

سألني ان كنت اريد شيئا ..شايا أو قهوة .

اكدت عليه انني فقط اريد ماء لا غير وانني لا اشرب شيئا آخر .

- انت اول واحد لا يريد شيئا .. كلهم يطلبون القوة.

- انا لا أشرب شيئا ..هل انت محقق ؟

- نعم .

- وهل انت مكلف بالتحقيق معي ؟

نظر في ملف امامه وقال:لست بحاجة الى التحقيق معك ,هناك ثمانية اشخاص ادلوا عنك باعترافات ومن بينهم شخصيات مرموقة عندكم ,ويبدو ان هذا لا يهمك .. انت من القلائل الذين يبدأون بالسؤال ,الأصل انا هنا من يسأل .

- يفضل ان لا تسأل .

- خلاص انا لست بحاجة للسؤال ,فقط سأقول لك ما هي التهم التي نوجهها لك ,وهناك ما يكفي من الاعترافات ضدك لتحاكم وفق قانون اعترافات الغير  .

- لست مهتما .

- انصحك ان تهتم لدواعي عملية تهمني وتهمك .طيب انا مستعد ان اقول لك من هم الذين اعترفوا عليك وسببوا لك الاعتقال وبينهم شخصيات مرموقة عندكم  .

واخذ يتلوا أسماؤهم وانا اعد,وكانوا ثمانية .

- كلهم لا اعرفهم ولا اريد ان اعرفهم .

- هذا لا يهم ..ولا تستطيع مهما حاولت وبأقوى المحامين ان تفند اقوالهم الثمانية وفقا لطريقة عمل المحكمة العسكرية ..وسأزيدك علما انه لو جاء احدهم الى المجكمة ونفى اقواله فان المحكمة سوف تأخذ بأقواله في الافادة وتعتبر شهادته في المحكمة كاذبة أو بسبب الخوف .

- اعرف ذلك فكل النظام المتبع منظم أصلا لوضع الفلسطيني المطلوب في السجن سواء بطريقة لائحة الاتهام أو الحكم الاداري .

ان النظام الموضوع يكفل انجاز مهمتكم بنجاح.

الشاباك يقود عملية الاعتقال بمساعدة الجيش ,وبيدهم الاوراق الشكلية المطلوبة حسب الاصول والتي يسهل الحصول عليها بسبب تقسيم العمل الذي ينظمه القائد العسكري لوحدته العسكرية والادوار التي ينيطها كتخصصات  تخدم الغرض  ,وقانون الطواريء والاوامر العسكرية اللوائح اللازمة التي تسهل العمل موجودة بما فيها القوانين التي تسمح بالاعتقال الإداري دون إبداء الأسباب واعتقال الأفراد باعترافات الغير دون ان يتمكن الشاهد من نفي أقواله ودون ان ينجح المتهم في ضحد الشهادات المقدمة ضده رغم نفيه لجميع التهم المنسوبة إليه, كل هذا اعرفه واعرف ان المحاكم العسكرية بكل درجاتها وانواعها هي جزء من الديكور  ..وكل هذا لا يوجد له مثيل في أي بلد في العالم ..حتى عندكم وراء الخط الاخضر يوجد نظامين قانونيين :نظام لمحاكمة الفلسطينيين المعتقلين على خلفية وطنية وقومية وامام المحاكم العسكرية  وقانون الطواريء والانظمة العسكرية  ,ونظام لمحاكمة اليهود المعتقلين على خلفية وطنية وقومية  امام المحاكم المدنية ووفقا للقانون المدني ,وهذا ورثتموه من بريطانيا ومقبول عند ما يسمى بالمجتمع الدولي والمقصود به امريكا واوروبا .

- انني افهم من كلامك انني الآن سأواجه حكما من قبل المحكمة العسكرية شئت ام ابيت حتى لو قدمت اية ادلة نفي .

- لا مكان لأدلة النفي ...ليس امامك سوى ان يتفاهم المحامي مع النيابة في صفقة يتفقان عليها لتسهيل عمل المحكمة ,وهذه الصفقة قد تكون في صالحك اذا صادف وان رتب لك المحامي حكما اقل من المعدل او حوله ,وبغير ذلك فان القاضي سوف يعطيك حكما تأديبيا ليجبر المحامي على عقد الصفقات لاصدار احكام.

- لاصدار احكام تبدو مقبولة من المحامي ومن المتهم ؟! ان على المتهم ان يظهر قبولا بالحكم الصادر بحقه كما لو كان سقراط ,مع ان احدا من المحكومين لا يعترف بالقوانين والانظمة التي يحاكم عليها ,ولا يعترف بالدولة التي تسيطر علينا بادواتها المذكورة .اننا جميعا نراها أدوات قمع.

- تراها كما تراها ..ان قيادتكم تعترف باسرائيل وبهذا فانها تعترف بحق اسرائيل في الدفاع عن امنها وبالطرق التي ذكرتها بنفسك ,بل ان قانون الطواريء اصبح جزء من المنظومة القانونية عندكم هو والاوامر العسكرية  ان كنت لا تعلم ,ثم انكم تصوغون نظامكم القانوني بمصادقة وموافقة لجنة مختصة من طرفنا .

- اراك تتعدى التحقيق للحديث في أمور أخرى ..أنا لست من الصنف الذي يفتح الحديث خارج الموضوع ..أعود وأقول لك إنني لا اعترف بالتهم التي تنسبها لي ..

- طيب انا أرجوك ان توقع بانني عرضت عليك هذه التهم واكتب قبل توقيعك انك توقع على ذلك .

كتبت في مكان رأيته مناسبا على الورقة "انني أوقع بأن الشرطي قرأ عليّ التهم المنسوبة لي".

ثم طلبت منه ان اتصل بالهاتف على أهلي للتطمين (كنت قد عرفت من المعتقلين إنهم يسمحون بذلك)وطمأنتهم فعلا بكلمتين .

استدعى جنديا وأعاد ربط يديّ وساقني حيث كنت .

وشرحت كل ما حصل معي للموجودين .

- ان بعضهم يضع كل ما لديه وهو يشرب فنجان القهوة ويتبادل الاستلطاف مع المحقق. قال احدهم .

- بل ان احدهم قال بأنه شعر بالخجل والحرج من لطف المحقق! واعترف على كل الخلية بما فيها احدهم مختفي ,ومع الاسف قام العدو بتصفيته .وهذا الشخص يكثر من الاستغفار خوفا من عذاب الله يوم القيامة  . قال آخر.

انهم يستعملون التعذيب الوحشي في اماكن عدة لمن لا يعترف هنا كما يستعملون العصافير والتعذيب النفسي ولمدة طويلة تزيد على خمسين يوما وتصل لأكثر من ثلاثة اشهر في زنازين التحقيق الانفرادية .اكد احدهم المجرب وقال :اسألوني قضيت تسعين يوما ولا زالوا يلاحقونني علهم يأخذوا شيئا.

سمعت هذا الأخير  وشعرت أن قامتي ترتفع.. شعرت أن العالم يزدهر ويزهي أمام مثل هذا الكادر الكبير ."هو الثوري والآخرون اقزاما.." قلت في نفسي.

ان الذي يضع اسرار الثورة امام المحقق عدو الثورة انما يساهم في قمعها بيديه القبيحتين ..يقول بعضهم  ان  الله يغفر السيئات ولكن بعض آخر أعلم بالأمر يقولون ان الله والشعب لا يغفران لمن يتعاون في التحقيق مع العدو الغاصب..ان الواحد يعترف على حمولة باص  من كادرات الثورة فيتهدم بناها وتضعف, بينما يدخل المعترف الى السجن ويتقاضى مخصصات اسير من عدة اطراف مثله مثل غيره وبعضهم يكثر في السجن من أكل  العسل والكاشو والمكسرات .وبعضهم يستتوبهم المسئول الذي سبق وان استتابوه  من قبل .

يتوجب علينا ان نميز بين من هدم جدران الثورة  ومن صانها فهما ليسا بسواء .

تكاثر الحديث عن جدوى الصمود بل عن ضرورة امساك اللسان عن كل ما يلحق الضرر بالفكرة الثورية او البنى الثورية والافراد ايا كان موقعهم ودورهم حماية للنضال الثوري ضد العدو ..الى ان جاء احدهم من الناحشون واقتادني الى نفس الطريق التي اتيت منها حيث البوسطة ,والعودة الى سجن عصيون البائس .

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق