]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الكرامة الصوفية

بواسطة: محمد معمري  |  بتاريخ: 2012-09-26 ، الوقت: 15:48:27
  • تقييم المقالة:
تشكل الكرامة الصوفية إحدى الظواهر التاريخية التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بظاهرة الولاية و الصلاح، فهي شرط أساسي للترقي في مراتب الولاية. و قد ظلت الكرامة الصوفية قطاعا منسيا، و مهملا من لذن الباحثين في حقل التاريخ، باعتبار أنها مجرد عطاء فكري و سلوكي وثيق الارتباط بقوى غيبية، بينما هي في الواقع نتاج اجتماعي، و إفراز لشروط تاريخية و انعكاسات لإكراهات اجتماعية، و تجل لواقع يزخر بالتناقضات [1]، فماهو المقصود بالكرامة الصوفية ؟ و ماهي أنواعها ؟  تعرف الكرامة بأنها أمر خارق للعادة يظهر على يد رجل ظاهر الصلاح ليس بشيء في الحال، و لا في المال. و الفرق بين المعجزة و الكرامة هو المقارنة بدعوى النبوة، و أن الكرامة تكون من جنس المعجزة، إلا ما ثبت اختصاصه به (ص) كالقرآن الكريم [2]، فالكرامة بهذا المفهوم محاكاة للنبوة، و استمرارا للزمن الأصلي، فأصحاب هذه الكرامات يواصلون عمل النبي الذي ينتمون إلى دينه، أي متابعة الدعوة إلى هذا الدين بواسطة الخوارق لمن يحتاج إليها. فكل ما كان معجزة لنبي يجوز أن يكون كرامة لولي، فالنبوة هي المثال، و الولاية هي صورة أو نسخة لتلك النبوة، و النبي مثال الولي، و كذلك معجزاته تجد في كرامات الأولياء صورا لها [3]، و يعرف أحد الباحثين [4] الكرامة الصوفية بأنها بنية أساسية في الفكر البشري، و هي كالبنية العقلانية مرتبطة بنمط مجتمعي، و بأسلوب معيشي في الوجود، و هي ممارسة لمعتقد ديني، و تأكيد لهذا المعتقد، و الفكر الكرامي نمط فكري      و اجتماعي، و شمولي النظرة، كما أنه يأخذ، و يعلل كل شيء باللجوء إلى الخيال، و أوليات الدفاع عن الذات، و الإشباعات النفسية، كما أنه يرضي الوعي تجاه كل التحديات            و الحواجز ترضية سهلة، أما على مستوى الشكل فالكرامة الصوفية هي تعبير عن لون معين غالبا ما يكون عبارة عن قصة قصيرة تروي قصة بطل صوفي، أو ولي صالح له من القدرات ما يمكنه من تحقيق ما هو خارق للعادة، و مخالف لسنن الطبيعة ، و اعتبرها عبد اللطيف الشاذلي [5] تشكيلا للواقع، و أسلوبا رمزيا للتعبير عنه. و قد قسم ابن عطاء الله الكرامة الصوفية إلى قسمين: كرامة حسية، و أخرى معنوية،   و يدخل في إطار النوع الأول كل ما هو محسوس، و ملموس على أرض الواقع بما في ذلك: تسهيل قطع مسافة معينة في مدة قصيرة، أو تخليصا من عدو، أو سماع خطاب من هاتف، أو تكثيرا لطعام أو شراب، أو إتيانا بثمرة من غير إبانها، أو حصول ماء في زمن عطش، أو صبرا عن الغذاء لمدة تخرج عن العادة...أما الكرامة المعنوية فهي معرفة الله،   و دوام الخشية له، و دوام المراقبة له، و المسارعة لامتثال أوامره و نواهيه [6]، و بهذا المعنى قد تكون الكرامة حسية ناتجة عن الكرامة المعنوية، أما ابن عربي فقد أشار إلى أن الجوارح قد تكون لها كرامات إذا ما تم تسخير هذه الجوارح فيما يرضي الله بالتفاني في طاعة أوامره، و اجتناب نواهيه، فكرامات العين تتمثل في رؤية الزائر قبل قدومه على مسافة بعيدة، و خلف حجاب كثيف، و رؤية الكعبة عند الصلاة حتى يتوجه إليها، بالإضافة إلى مشاهدة العالم الملكوتي الروحاني و الترابي من الملائكة و الملأ الأعلى و الجن،        و غيرهم... أما كرامات الأذن فتتجلى في إثبات البشرى للولي بأنه من أهل الهداية و العقل عن الله تعالى، بالإضافة إلى سماعها لنطق الجمادات، أما اللسان فمن كراماته: النطق بالكون قبل أن يكون، و الإخبار بالمغيبات و الكائنات قبل حصول أعيانها في الوجود...     و نفس الشيء ينطبق على باقي الجوارح [7].   و قد أثارت ظاهرة الكرامة – باعتبارها أحد أسس البنيان الصوفي – عمليات أخذ و رد بين مؤيد لها يحاول إثبات وقوعها، و الدعوة للتسليم بها، و معارض لها و مشكك في واقعيتها، و يعتبر المعتزلة في مقدمة من أنكر وقوع الكرامات، كما يستنتج هذا الإنكار أيضا مما ورد في كتاب " المستفاد في مناقب العباد " عند الترجمة لآبي الحسن الفندلاوي، حيث يقول المؤلف بعد أن ذكر بعض كراماته: " و للشيخ أبي الحسن أشياء غير هذا لا يمكن أن تودع في الكتب لكثرة المنكرين لذلك "، أما منكرو هذه الكرامات من الباحثين المحدثين فنجد من بينهم الأستاذ زكي مبارك الذي أشار في كتابه التصوف الإسلامي في الأدب و الأخلاق إلى أن الاعتقاد في الكرامات عزاء كبير للفقراء، فهم يخلقون لأنفسهم دنيا من المجد الوهمي، يعوضون بها ما ضاع عليهم من حظوظ الدنيا، و يضيف مبارك أن هذه الوساوس لا تسود إلا في فترات الضعف السياسي، و التدهور الاقتصادي [8]. و يبدو أن المتصوفة قد جوبهوا منذ القديم بهذا الإنكار، لذلك ليس من الغريب أن يعمل هؤلاء على تأسيس مبحث للدفاع عن الكرامة الصوفية، و جوازها شرعا، و نقلا، حيث يذهب هؤلاء إلى القول بأن  ظهور الكرامات جائز،  بل واقع، فهي عون للولي على طاعته، و مقربة لبقينه، و حاصلة له على حسن  استقامته،  و دالة على صدق دعواه الولاية إن ادعاها لحاجة، و شهدت له بها الشريعة [9]، و في نفس الاتجاه أشار صاحب كتاب المقصد الشريف أن ما جاز أن يكون مقدورا لله تعالى جاز وقوعه كرامة للأولياء، و أن كل كرامة تظهر على يدي ولي، فهي محسوبة في معجزة ذلك النبي، إذ بسبب إتباعه له، و اقتدائه بشريعته ظهرت له الكرامة، (...)، و الفرق بين السحر و الكرامة هو أن الساحر يدعو إلى نفسه، غير مقتد بشريعة، و الولي مقتد بشريعة، و متبع لرسول قد وضحت دلائل صدقه [10]، و قد أورد الأستاذ الميلودي شغموم [11]  نقلا عن كتاب " جامع كرامات الأولياء " للنبهاني ثلاثة أدلة على جواز الكرامات: أولها هو أن امتناع الولي عن إظهار كراماته قد يفسر بأن الله ليس أهلا لآن يقوم بهذا الفعل، أو أن المؤمن ليس أهلا لهذه الأعطية الإلهية، فالأول قدح في قدرة الله و هو كفر، و الثاني باطل، إذ أن معرفة ذات الله و صفاته و محبة الله،           و طاعته،  و المواظبة على ذكره و تقديسه أشرف من إعطاء رغيف واحد في مفازة، أو تسخير حية أو أسد، أما الحجة الثانية فتتمثل في أن الولي عندما يسخر كافة جوارحه في طاعة الله، و لا يترك فيها نصيبا لغيره فإن الله يتكفل به، مستشهدا بالحديث القدسي الذي جاء فيه: " ما تقرب عبد إلى بمثل ما افترضت عليه، و لا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا و بصرا و لسانا و قلبا و يدا و رجلا، بي يسمع و بي ينطق و بي يمشي "، أما الحجة الثالثة التي ساقها النبهاني في هذا الإطار فتتمثل في أن الله إذا شرف عبدا بأن أوصله إلى عتبات و درجات خدمته، و أوقفه على أسرار معرفته، و رفع حجب البعد بينه و بين نفسه، و أجلسه على بساط قربه، فأي بعد في أن تظهر بعض الكرامات في هذا العالم، مع أن كل هذا العالم بالنسبة إلى ذرة من تلك السعادات الروحانية و المعارف الربانية كالعدم المحض ؟ ". إن الكرامات تجعل من الولي نموذجا يحاكيه الأتباع إلى أن يصل الواحد منهم إلى درجة وليه أو يفوقه، فيتحول بدوره إلى نموذج له أتباع،      و هكذا دواليك، و بالتالي فإن الولي يترك لمن دون هذه الدرجة خبر ولايته ليتوارثوها جيلا عن جيل يتناقلها الأتباع و المريدون و العامة، كما يتناقلها أولياء آخرون لأنها دليل إضافي على ولايتهم، فالكرامات الممكنة في السابق على يد أولياء الماضي دليل على جواز الكرامات في الزمن الحاضر والآتي [12] و بغض النظر عن رجحان كفة هذا الفريق أو ذاك فإن ما يهمنا هنا هو كيف يمكن أن تستغل النصوص الكرامية في البحث التاريخي خاصة في شقه الاجتماعي، فخطاب الكرامة يعد خليطا من الواقع و المتخيل، مزيجا من التاريخ و الأسطورة، إلا أنه- و كما يرى أحد الباحثين [13] –  لا تجب المجازفة بمحاولة عقلنة هذا الخليط، و اعتبار الجانب التاريخي منه مادة توثيقية يعتمد عليها، و أن الجانب الأسطوري لا يفيد، باعتبار أن ترسبات الإبداع الخيالي تتراكم فوق الحدث الواقع فتغلقه باستمرار، مما يجعل منه مادة متماسكة لا يمكن تفكيكها،  و على أي حال فالكرامة وسيلة للوصول إلى معرفة مشاكل الإنسان، و كيفيات تغلبه عليها ، فالكرامات تطرقت إلى أهم المواضيع التي كانت تشغل بال العامة و المجتمع بشكل عام، فمهما اختلفت مواضيعها و محاورها فإن هدفها الأساس يظل هو التباهي بمكانة الأولياء،   و الإلحاح على حاجة المجتمع إليهم في كل الأحوال [14] و عليه يمكن اعتبار الكرامة وثيقة تاريخية من شأنها الكشف عن عدد من الجوانب الغفلى من تاريخ المجتمع على كافة المستويات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و النفسية و الفكرية.

[1]- القادري بوتشيش إبراهيم: الإسلام السري في المغرب العربي.  سينا للنشر، ط 1، 1995، ص: 131.

[2]- الكتاني نور الهدى: الأدب الصوفي في المغرب و الأندلس في عهد الموحدين، م س، ص: 13.

[3]-شغموم المميلودي: المتخيل و القدسي في التصوف الإسلامي الحكاية و البركة. منشورات المجلس البلدي بمدينة مكناس، مطبعة فضالة المحمدية، ط 1: 1991، صص: 102-103.

[4]- القادري بوتشيش إبراهيم: الإسلام السري في المغرب العربي، م س، ص: 132

[5]- الشاذلي عبد اللطيف: التصوف و المجتمع/ م س، ص: 95

[6]-  الكتاني نور الهدى: الأدب الصوفي في المغرب و الأندلس في عهد الموحدين، م س، ص: 13.

[7]-  التليدي عبد الله بن عبد القادر: المطرب بمشاهير أولياء المغرب،.م س، صص: 34/35/36.

[8]- الكتاني نور الهدى: الأدب الصوفي في المغرب و الأندلس في عهد الموحدين. م س، 14/15.

[9]- ماسينيون لوي و عبد الرازق مصطفى: التصوف. ترجمة إبراهيم خور رشيد و عبد الحميد يونس و حسين عثمان، كتب دائرة المعارف الإسلامية 16، دار الكتاب اللبناني و مكتبة المدرسة، ط 1، 1984، صص: 86-87.

[10]- البادسي عبد الحق: المقصد الشريف. م س، ص: 93.

[11]- شغموم المميلودي: المتخيل و القدسي في التصوف الإسلامي الحكاية و البركة/ م س، صص: 89-99.

[12]- شغموم المميلودي: المتخيل و القدسي في التصوف الإسلامي الحكاية و البركة/ م س، ص: 136.

[13]-  الشاذلي عبد اللطيف: التصوف و المجتمع/ م س، صص: 112-113.

 

[14]- المحمودي أحمد: عامة المغرب الأقصى في العصر الموحدي.  سلسلة دراسات و أبحاث 7، منشورات عكاظ، الرباط 2001، ص: 134.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق