]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نماذج بشريّة في الميزان ( نموذج رقم 3 ) الحيلة تغلب العار

بواسطة: تاجموعتي نورالدين  |  بتاريخ: 2012-09-25 ، الوقت: 16:29:35
  • تقييم المقالة:

 

                        (نماذج بشريّة في الميزان ) نموذج رقم 3 

 

بعد حصوله على ( اللسانس) في شعبة العلوم البيولوجيّة ، طرق الشّاب (إدريس) على كثيرٍ من أبواب

الشركات طمعاً في الحصول على عملٍ يقيه من مدِّ يده إلى أبيه المتقاعد منذ مدّة تزيد على السّنة ..

والذّي بالكاد يحاول جاهداً أنْ يلبّي متطلّبات أسرته من خلال ذلك الادّخار الهشِّ الذّي لمْلمه عرَقُه وكدّه

طوال عمله كموظّف بسيط   بإحدى الإدارات العموميّة ، وهذا ما دفع (إدريس) للتعبئة المتواصلة ،

بحْثاً عنْ أيّ عمل شريف ولو بأدنى سلّمٍ معترفٍ به ،إلاّ أنّ الانتظار بدأ يرخي على فكره وتفكيره سحباً

من اليأس والقنوط ، سبعة أشهر مرّتْ ولا أيّ شركة ردّتْ على طلبه المُرْفقِ بالدّبلوم وشهادة من السّجل

العدلي تؤكّد على حسن سيرته .. وفي خضمِّ هذه الصورة القاتمة ، طرأتْ فكرة - شبه مستحيلة نسبيّاً-

على مخيّلة الشاب (إدريس) ، وقبل أنْ يخرج من البيت لتنفيذ ما صمّم على القيام به ، أخذ من دولابه بعض

الدّراهم و وقف أمام المرآة قائلاً لنفسه:

لِمَ لا أجرّبْ أنا الآخر مصداقيّة المثل القائل : الحيلة أحيانا تغلب العار .

وبدون تردّد خرج صاحبنا باكراً إلى حيث اللّقاء بأحد أصدقائه الأوفياء وأحد زملائه في الحرم الجامعي ،

الذّي هو الآخر الْتحق بعد معاناة جبّارة للعمل بإحدى المقاهي الفاخرة وسط المدينة ، وبالفعل وبعد اللّقاء

الحار بينهما بالمقهى المذكورة وبعد دردشة رزينة ، وافق الصديق الذي يعمل نادلاً على خطّة (إدريس) قائلا له :

-  على العموم .. هو معتاد على أخذ وجبة الفطور عندنا على الساعة الثامنة والنصف .

(إدريس) وهو ينظر إلى ساعته اليدويّة :

-  لمْ يبق على مجيئه سوى القليل .. سأجلس هناك لقراءة إحدى الصحف .. ولا تنسى أرجوك .. إذا سأل

من أكون أجبه بأني خرجت و بأنّك تجهلني .. تمّ لا تنسى أنّ خطتي هي على مرحلتين أو أكثر إلى حين أنْ

يلحّ عليك بالسؤال عن هويّتي وعندها سأتقدّم إليه لأخبره عن غايتي .

الصديق (النّادل) :

لا عليك يا صديقي العزيز .. مادمتَ مصرّاً على خطّتك فما على الرّسول إلاّ البلاغ المبين .

وما هي إلاّ لحظات .. إذا بالشخص المستهدف يدخل متّجها نحو طاولته المعتادة .. ولحظات أخرى يُؤتى له

بفطور شهي متكوّن من عصير البرتقال وفنجان قهوة بجانبه كأس حليب ساخن مع هلاليتين و قليل

من الجبن البلدي بالإضافة إلى قنّينة من الماء المعدني .. وكم كانت الصّورة مضحكة ً نوعاً ما ..

ففي الوقت الذّي كان هذا الشخص يتناول فطوره بأرْيحيّة كاملة ، كان من ورائه صاحبنا(إدريس)

يتابع كلّ سكناته وحركاته من خلال الجريدة التي كان يُمِيلها  بين ناظريه مرّة عن اليمين ومرّة عن اليسار ،

داعياً ربّه من كلّ أعماقه أن تنجح خطّته المرتقبة .

لحظات يقف الزبون المستهدف وهو ينادي على النادل لكنّ هذا الأخير فاجأه قائلاً :

خلاص يا سيّدي .. الكلّ تمام.

الزبون :

-  الكلّ تمام .. كيف .. لم أفهمْ ؟؟

النّادل :

-  يا سيّدي تقدّم عندي شاب أديب .. وقام بدفع فاتورة الفطور ، وانصرف .

الزبون :

-  صفْ لي شكله ، ربّما هو أحد من أقربائي .. أراد مداعبتي .

النادل :

-  سيّدي .. هو شاب يظهر عليه أنه إنسان لبق ومؤدّب .

الزّبون مبتسماً :

-  كما قلتُ لك .. إذن هو من أقاربي .. فكلّهم لبقون ومؤدّبون .. طيّب مع السلامة .

وبانصراف هذا الأخير .. يتنفّس (إدريس) الصّعداء ليتقدّم عنده النّادل  ضاحكاً  :

-  خمسون في المائة من خطّتك قد نفذتْ .. هلْ ستواصل مغامرتك يا صديقي ؟، علماً أنّ في جعبتك

خمسة وخمسون درهما هذا اليوم .

(إدريس) وهو يناوله النّقود :

-  نعم سأستمر في محاولتي .. ولن أنسى حسن صنيعك وأنت تذكر له جميل الأوصاف عنّي

.. مع أنّي لم أطلبْ منك قول ذلك .

النّادل وهو يربت على كتفيه :

- لم أقل شيئاً هو غير موجود فيك يا صاحبي .. فلطالما تعلّمتُ منك كثيراً من الخصال الحميدة ..

وكلّ أملي أنْ تصل إلى هدفك المنشود .. هيّا في رعاية الله وإلى الغد .

نعم ويأتي الغد وفي وقت جدّ مبكر ، كان (إدريس) جالساً بالمقهى ، ولم يبقى في جيبه سوى مقدار

فاتورتين من نفس عيّنة الفطور ليوم أمس في حين أنّه ولمدّة تزيد على الشهر لا تتعدّى وجبته ملعقتين

من الزّيت داخل كسرة من الخبز وكأس من الشّاي .. لكن وكما كان يقول مناجيا نفسه : للظروف أحكام .

التّاسعة إلا ربع صباحا .. زبون الأمس يتناول فطوره المعتاد .. دقائق معدودة بدأ يشير على النّادل

ليأخذ المال لكنّ هذا الأخير لمّح له بيديه أنّ كلّ شيء خالص كما البارحة .. في حين أصرّ الزبون

على مكالمته في الحال .. وعند مثوله بين يديه خاطبه قائلاً :

ما هذا الهراء .. للمرّة الثانية يدفع أحدهم فاتورة الفطور دون أن أعرف من هو ؟ يجب أن تقول لي من هو؟

أمام إلحاح هذا الأخير ، أشار النادل على (إدريس) بالمجيء ليتركهما لوحدهما يتحاوران ..

الزبون و هو ينظر إليه بإمعان :

-  تفضل أولا بالجلوس !

(إدريس) في ثبات :

-  شكراً لكم سيّدي .

الزبون :

هلْ تعرفني ؟ لماذا قمتَ بدفع واجب الفطور مرّتين ؟

(إدريس) بثبات أكثر :

-  سيدي كما يقال : على قدر أهل العزم تأتي العزائم  وتأتي على قدر الكرام المكارم .

الزبون وكأنّه يتجاهل المعنى :

-  لم أفهمْ .. ما دخل هذا بذاك .. وضّح لي أرجوك ؟

(إدريس) وقد بدأ يستسلم للخجل :

سيّدي أنا أعرفكم تمام المعرفة .. وقد ضعتُ بمقرّ شركتكم المحترمة ثلاث طلبات في فترات مختلفة

وذلك من أجل الحصول على أيّ عمل ترونه مناسبا لي .. لكن وبعد  مرور أكثر  من ستّة أشهر لم

أتلقى أيّ ردٍّ .

الزبون :

ما هو مستواك الدراسي ؟

(إدريس) :

-  حاصل على ( اللسانس) شعبة العلوم البيولوجيّة .

الزبون :

-   سؤال أخير .. وأريدك أن تجيبني عليه بكلّ صدق .. ما هو طموحك الكبير في هذه الحياة؟

(إدريس) :

-  صدقني يا سيّدي .. كلّ طموحي هو أن أعيش بين حدّين لا ثالث لهما .. حدّ الكفاف وحدّ العفاف .

الزبون :

-  ما اسمك ؟

(إدريس) :

-  إدريس سيّدي .

في هذه اللحظة يقف الزبون مناديا على النّادل ، الذي امتثل في الحال قائلا له:

سجل عندك ، فطور شهر على شرف السيد إدريس على حسابي .

ثمّ يأمر (إدريس) بمرافقته لمقر الشركة حيث وافق بكل افتخار طلب الانضمام للعمل عنده .

ترى هل صحيح أنّ الحيلة أحياناً تغلب العار ؟

 

بقلم : ذ تاج نورالدين

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق