]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عوائق جدية أمام مراقبة المال السياسي

بواسطة: عادل السمعلي  |  بتاريخ: 2012-09-25 ، الوقت: 15:21:22
  • تقييم المقالة:

 

إن كثرة  الحديث في الآونة   الأخيرة في تونس    عن المال السياسي المتدفق من مصادر مجهولة باتجاه خزائن بعض الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية  له ما يبرره  في ظل تعاظم  مظاهر بذخ بعض الأحزاب  بطريقة تدعو للتساؤل والاستفهام بجدية  حول جدوى وفاعلية  عملية الانتقال الديمقراطي في ظل تدخل مكشوف وسافر  لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية للتحكم في  مسار اللعبة السياسية والتي نريدها جميعا نزيهة وشفافة ولا تخضع لابتزاز وسطوة أصحاب النفوذ المالي والاقتصادي    فمن المسلم به أن  تدخل رأس المال السياسي ليتحكم في عملية الانتقال الديمقراطي بتونس من شأنه أن يفسد كل ما خاضه الشعب التونسي من نضالات وما قدمه من تضحيات من أجل الوصول إلى دولة مدنية ديمقراطية تحترم الإرادة الشعبية وتوفر الحد الأدنى من الحرية والكرامة الاجتماعية وذلك بعد معاناة ستة عقود من الحكم الفردي والاستبدادي الذي لم يكن فيه المواطن  التونسي يتمتع بالقدر الأدنى من الاحترام و الاعتبار وكانت فيه مصادر  التمويل السياسي معطى لصيقا لإرادة لحزب الحاكم  ومن والاه من الطبقة السياسية المتحالفة  معه لتشكيل مشهد سياسي وإعلامي مزيف  يخضع للطاعة والولاء  ولا يعكس ضرورة رغبات وطموحات الشعب التونسي     إن الجدل التي شهدته البلاد سواء على منابر الإعلام السمعي والتلفزي أو على صفحات الاعلام الألكتروني أو المكتوب  اتسم في  أغلب  الأحيان بالضبابية والضمور وبإلقاء التهم جزافا ضد هذا الطرف أو ذاك دون معطيات صحيحة أو حقائق موثوقة  بل  تتم مناقشة ذلك والتطرق إليه حسب المعاينات و الانطباعات و ما يلاحظ من تظاهرات ونشاطات بعض الأحزاب التي  تتكلف أموال طائلة  وإمكانات مادية هائلة  في الوقت الذي كانت هذه الأحزاب    بالأمس القريب لا تجد  ثمن معين كراء مقراتها السياسية وتحتجب صحفها عن الصدور لضيق ذات اليد وعدم القدرة على الإيفاء بالتزاماتها المالية   وبناءا على ذلك فإن طرح هذه المسألة للبحث  بجدية و روية ومسؤولية من ضرورات الانتقال إلى حكم رشيد ودولة مدنية ديمقراطية تكون فيه المساواة بين مكونات  المجتمع أبرز سماتها  ولكن لنا أن نتساءل عن قدرة المجتمع على التوافق على هذه المسألة ومعالجة هذه القضية الحديثة في واقعنا السياسي بطريقة تغلق كل المنافذ المؤدية إلى سيطرة رؤوس الأموال والمتنفذين على مشهد سياسي تونسي مازال يعاني من الضعف والهشاشة نتيجة نظم الحكم الاستبدادية السابقة    وفي هذا الإطار نؤكد أنه لا أحد يمكن له أن  يمنع  حزب سياسي من أن يتحصل على تمويلات ومنح مادية أوعينية من طرف الأعضاء الميسورين أو حتى من طرف رؤوس الأموال المتعاطفين مع توجهاته ولكن ضرورات التنافس والشفافية يفرض أن تمر هذه الأموال عبر وثائق وعقود  قانونية لكي يتم قيدها وإدراجها في قوائم المحاسبة المالية والتي يجب أن تخضع للمراجعة والتدقيق من طرف مختصين  في مجال المراقبة المالية و ذوي الخبرة في المحاسبة  والتدقيق المالي كما يجب أن يتم نشر هذه البيانات المحاسبية سنويا في الرائد الرسمي التونسي وإحدى الصحف اليومية تماما مثل الشركات التجارية وذلك لضرورات النزاهة والشفافية للأحزاب السياسية وذلك  لقطع دابر الشكوك والتأويلات حول مصادر المنح والتمويلات    فمن وجهة نظر تقنية بحتة واعتمادا على القوانين المالية ومعايير المحاسبة العمومية والخاصة  المعمول بها حاليا يمكننا الجزم بكل وثوق أن مراقبة وضبط المال السياسي من أصعب المسائل والإشكاليات التي ليس من السهل ولا من الممكن الإحاطة بها وضبطها بطريقة دقيقة وشفافة وأن الاعتراف بذلك أولا وبعيدا عن المزايدة السياسية أول الطريق لتفكيك وحلحلة معضلة  تدفق المال السياسي وذلك لعدة أسباب تقنية ومنهجية لعل أهمها  غياب منظومة محاسبية شفافة للأحزاب والجمعيات   في القانون التونسي     إن أغلب مكونات المجتمع المدني لا تتبنى منهج واضح ودقيق في ضبط الموازنات المالية وأنها تعتمد في العموم على نظام محاسبة يعتمد القيد الواحد وهذا النظام لا تتوفر فيه أدنى شروط الشفافية بل هو نظام محاسبي تقليدي يشبه لحد كبير منظومة حسابات تجارة التفصيل والمهن والحرف الفردية الكلاسيكية والتي لا يفرض عليها القانون  إجبارية المحاسبة ويخضعها لقانون جبائي مبني على التصريح الفردي على رقم المعاملات وفق شهادة على الشرف في صدق المعطيات المالية  والمحاسبية .   ومن هذا المنطلق يغيب عن مكونات المجتمع المدني التزام نظام محاسبة على مستوى المداخيل والمصاريف يتسم بالدقة والصرامة  و هو لا يعتمد بتاتا على المعايير المحاسبية المعتمدة وطنيا ودوليا  التي تستوجب اعتماد طرق ومناهج واضحة وخاضعة للتدقيق والمساءلة  وبهذه الطريقة لا يمكن تدقيق المعلومة المحاسبية ولا التثبت من صحتها كما تقتضيه ضرورات المراقبة المالية  ولنا في انتشار ظاهرة الفواتير المزيفة محليا وحتى دوليا  أكبر دليل على صعوبة  وإشكال  إخضاع هذه الأحزاب والجمعيات للرقابة القانونية الصارمة   إن الجدل الدائر حول تمويل الأحزاب والجمعيات الأهلية من طرف الشركات التجارية أو من طرف رؤوس الأموال الفردية  هو جدل يدور خارج طبيعة الحقائق الواقعية للنسيج الاقتصادي التونسي وهو جدل مفارق لطبيعة المشهد الاقتصادي والمالي التونسي  ولا يأخذ بعين الاعتبار أن أغلب الشركات التونسية ذات صبغة عائلية يسيطر فيه القرار الفردي على القرار الجمعي للذات المعنوية التجارية مما يفسح المجال للاستفراد بالرأي عند مالكي الشركات والتي من المفروض أن تمتعها بالذات المعنوية الاعتبارية يجعلها بمعزل عن القرارات الانفرادية وهذا مما لا يتوفر بعد في النسيج الاقتصادي والمالي التونسي   وبناءا على ما سبق نؤكد أن مراقبة  تدفق المال السياسي عملية  في منتهى الدقة والتعقيد وتخضع لضوابط تصرف قانونية ومحاسبية  ولا يمكن أخذها بالبساطة والسهولة التي يتناولها الآن بعض الأقلام الصحفية الإعلامية والسياسية و التي يبدو أنها  لا تحيط علما بكنه ودقائق  المعاملات المالية والاقتصادية   وللبرهنة على تعقيد هذه العملية لا بد أن نشير أنه رغم التقاليد الديمقراطية العريقة  لبلدان أروروبية كفرنسا  مثلا  إلا أن ذلك لم يمنع من ظهور فضائح وتجاوزات في عمليات التمويل السياسي حتى أن القوانين الفرنسية عرفت تنقيحات عديدة وتجاذبات قوية مكنت من تنقيح القوانين عديد المرات لسد منافذ التمويلات المشبوهة التي تظهر على الساحة من حين لآخر وهذا الأمر يحدث في أعرق الديمقراطيات فما بالكم في بلد مازال يتلمس طريقه نحو الانتقال الديمقراطي     و ختاما نؤكد أن محاصرة  ورصد التجاوزات  المرتبطة بتدفق المال السياسي   بطريقة توفر حد أدنى من العدل والحياد إتجاه العملية السياسية الوليدة  لا تتطلب  فقط سن قوانين جديدة أو تبني معايير محاسبية رادعة بل يجب أن نتجاوز ذلك إلى تبني منظومة  أخلاقية سياسية وميثاق شرف  في هذا الشأن  يجمع كل أطراف المجتمع المدني  وهذا الميثاق الأخلاقي الذي ندعو إليه  لا بد أن يمر عبر لجنة عليا مشتركة يتم تكوينها بالتوافق بين جميع المهتمين وتتكلف هذه المؤسسة بوضع الأسس والضوابط لتدفق المال السياسي لجميع مكونات المجتمع المدني بطريقة معلنة وشفافة وتخضع للمحاسبة والمساءلة  وهذا ما ننتظره ونطمح إليه من خلال المجلس التأسيسي المنتخب حديثا والذي يكتسب الشرعية الشعبية والقانونية لفض هذا الاشكال بالتوافق مع جميع الأطراف ممثلي الشعب   إن المزاوجة  من جهة بين قوانين رادعة ومعاير محاسبية جديدة وبين ميثاق شرف يجمع جميع الأطراف من شأنه أن يحصر تداعيات المال السياسي ويحد من تأثيره السلبي على المشهد السياسي التونسي وبدون ذلك   سيبقى الجدال عقيما ومفرغا من محتواه وموجها لضرب أطراف سياسية معينة  بإلقاء الاتهامات يمينا ويسارا في غياب معايير واضحة والتزامات موثقة من الجميع باحترام عمليات التمويل السياسي التي هي من  أسس وقواعد الانتقال الديمقراطي 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق