]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِي اللهُ عنْهُ

بواسطة: أحمد عكاش  |  بتاريخ: 2012-09-25 ، الوقت: 06:01:52
  • تقييم المقالة:

مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ

(رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)

بقلم: أحمد عكاش

 

قالَ رسولُ اللهِ: (معاذُ بنُ جبلٍ) أعلمُ الأَوَّلينَ والآخِرينَ، بعدَ النَّبِيِّينَ والمُرْسلين

وإِنَّ اللهَ يباهي بِهِ الملائكةَ..

-وقالَ رسولُ اللهِ: خذُوا القرآنَ منْ أربعةٍ: مِنِ ابنِ مسعودٍ، وأُبَيِّ بنِ كعبٍ، ومعاذِ بنِ جبلٍ وسالمٍ مولى أَبِي حذيفةَ.

-وقالَ رسولُ اللهِ : أرحمُ أمّتي بِأُمَّتي أبو بكرٍ، وأشدُّها في دينِ اللهِ عمرُ، وأصدقُها حياءً عثمانُ، وأَعْلَمُهمْ بالحلالِ والحرامِ معاذُ بْنُ جبلٍ.

-وَخَطَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ النَّاسَ بِالجَابِيَةِ، فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ الفِقْهَ فَلْيَأْتِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ.

مُعاذٌ أَحَدُ أعلمِ الصَّحابةِ رضوانُ اللهِ عليهمْ، يحبُّهُ رسولُ اللهِ ويخصُّهُ بالعلمِ، ويُثْنِي عليهِ في علمِ الحلالِ والحرامِ، فمنْ هوَ رضيَ اللهُ عنهُ؟.

اسْمُهُ: معاذُ بنُ جبلِ بنِ عمرِو بنِ أوسِ بنِ عائذِ بنِ عديٍّ الخزرجيُّ.

وكُنْيَتُهُ: أَبُو عبدِ الرَّحمنِ.

 أُمُّهُ: هندُ بنتُ سهلٍ، من بني رفاعةَ، منْ جُهَيْنَةَ.

صِفَاتُهُ: جميلٌ طويلٌ، عظيمُ العينينِ أكحلُ أبيضُ، جعدُ الشَّعْرِ حسنُهُ، قَطَطٌ (أَيْ: شديدُ الجعودةِ)، مجموعُ الحاجبَيْنِ، برّاقُ الثنايا، حَسَنُ الثَّغْرِ، من خيرِ شبابِ قومِهِ، لا يُسألُ شيئاً إلاَّ أعطاهُ.

إِسْلامُهُ: أسلمَ (معاذٌ) ولَهُ منَ العمرِ ثمانيَ عشرةَ سنةً، إنَّهُ في عمرِ الورودِ، ما كادَ قلبُهُ الطريُّ ينبِضُ بالفتوَّةِ والشَّبابِ حتَّى امتلأَ بالشهادةِ القدسيَّةِ: أشهدُ أَلاّ إلهَ إلا اللهُ محمَّدٌ رسولُ اللهِ، وكانَ ذلكَ في أَوَّلِ عهدِ الأَنصارِ بالإسلامِ على يَدَيْ (مصعبِ بنِ عُمَيْرٍ) الدَّاعيةِ المكيِّ المُهَاجِرِ الأَوَّلِ، وكانَ أَحَدَ السبعينَ في بيعةِ العقبةِ الثانيةِ، شهدَهَا وهوَ شابٌّ أَمْرَدُ (أيْ: لَم يَنْبُتْ شَعْرُ لِحْيَتِهِ).

كانَت حَيَاتُهُ قصيرةً، لكنَّها حافلةٌ بالخيرِ والعلمِ والصَّلاحِ، يَتَجلَّى لَنا هذا واضِحاً إِذا عَرَفْنا مايلي:

مَكَانَتُهُ بَيْنَ الصَّحابَةِ:

قالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ: إنْ أَدْرَكني أَجَلي وأبو عبيدةَ حيٌّ استخلفتُهُ…وإنْ أَدْرَكني أَجَلِي وقدْ توفِّيَ (أبو عبيدةَ) أستخلِفُ معاذَ بنَ جبلٍ، فإنْ سألَني رَبِّي، قلْتُ: إِنِّي سمعْتُ نبيَّكَ يقولُ: إنَّهُ يُحْشَرُ يومَ القيامةِ أمامَ العلماءِ بِرَتْوَةٍ (الرَّتْوَةُ: المسافةُ القريبةُ) فمعاذٌ سابقٌ العلماءَ، مقدّمٌ عليهمْ عندَ اللهِ.

وعنْ أبي سلمةَ الخولانيِّ قالَ: دخلْتُ مسجدَ دمشقَ فإذا فيهِ نحوٌ منْ ثلاثينَ كهلاً منَ الصَّحابةِ، فإذا فيهمْ شابٌّ أكحلُ العينينِ، برّاقُ الثَّنايا ساكتٌ، فإذا امترى القومُ «أي: اختلفُوا في الرَّأْيِ» أقبلُوا عليهِ فسأَلُوهُ. فقلْتُ لجليسٍ لي: مَنْ هذا؟. قالَ: معاذُ بنُ جبلٍ. فوقَعَتْ محبَّتُهُ في قلبي.

-وعالِمٌ مثلُ (معاذٍ) تكونُ لَهُ في مدينتِهِ مكانةٌ لا تكونُ لسواهِ، لحاجةِ النَّاسِ إلى علمِهِ، فإذا تحوّلَ عنْ مَدِينَتِهِ إلى غيرِهَا، أَحْدَثَ تحوُّلُهُ خَلَلاً لا يسدُّهُ إلا عالمٌ مثلُهُ، فكانَ (عمرُ بنُ الخطَّاب) يردِّدُ في مناسباتٍ شتَّى حينَ خرجَ معاذٌ إلى الشَّامِ قولَهُ: لقدْ أَخَلَّ خروجُهُ بالمدينة وأهلِهَا في الفِقْهِ، وفيما كانَ يُفْتيهمْ به، ولقدْ كنْتُ كلَّمْتُ أبا بكرٍ أنْ يحبِسَهُ (أي: أن يبقيَهُ في المدينةِ) لحاجةِ النَّاسِ إليهِ، فَأَبَى عليَّ؛ وقالَ: رجلٌ أرادَ وجهاً (يعني: الشَّهادةَ) فلا أَحْبِسُهُ. قلتُ: إنَّ الرَّجلَ لَيُرْزَقُ الشهادةَ وهوَ على فراشِهِ.

-لمَّا فتحَ المسلمونَ الشَّامَ، أرسلَ (عمرُ بنُ الخطَّاب) (عُبَادَةَ بنَ الصّامِتِ) و(أبا الدَّرْداءِ) و(معاذَ بنَ جبلٍ) إلى الشَّامِ، فأقامَ (معاذٌ) في فلسطينَ يعلّمُ أهلَها القرآنَ.

مِنْ فَضائِلِهِ:

-كانَ رابعَ أربعةٍ جمعُوا القرآنَ الكريمَ في حياتِهِ كلُّهمْ منَ الأَنْصارِ: أُبَيُّ بنُ كعبٍ، وزيدٌ، ومعاذُ بنُ جبلٍ، وأبو زيدٍ.

- أَحبَّ النبيُّ معاذاً، وكانَ عليهِ السَّلامُ يَخُصُّهُ بالرِّعايةِ والإِرشادِ كلَّما سنحتِ الفرصةُ لذلكَ، وبالمقابلِ نجدُ معاذاً يحرصُ على الاستزادةِ منْ إرشادِ النبيِّ وتوجيهِهِ، فقدْ قالَ له : أَمْسِكْ عليكَ هذا. (وأشارَ إلى لسانِهِ)، فقالَ معاذٌ: أَوَ نَحْنُ مُؤَاخذونَ بما نتكلَّمُ بِهِ؟ فقالَ: ثكلتْكَ أُمُّكَ يا معاذُ؛ وهلْ يَكُبُّ النَّاسَ على مَنَاخِرِهمْ في نارِ جهنّمَ إلاّ حَصَائدُ أَلْسِنَتِهمْ؟!، (أيْ: هل يُدخِلُ الناسَ النَّارَ إلا خَوْضُهم في الكلامِ المحرّمِ؟).

-عنْ معاذِ بنِ جبلٍ قالَ: كنْتُ رديفَ رسولِ اللهِ (أي: راكباً خلفَهُ) على حمارٍ يقالُ لَهُ عفيرٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ أَوْصِني.

قالَ: اعْبُدِ اللهَ ولا تشركْ بِهِ شيئاً.

قالَ: يا رسولَ اللهِ زِدْني.

قالَ: وإذا أسأْتَ فَأَحْسِنْ.

قالَ: يا رسولَ اللهِ زِدْنِي.

قالَ: استقمْ. (أي: داومْ على عملِ الخيرِ) ولتُحسِّنْ خُلُقَكَ.

-ومنْ فضائلِهِ التي تُؤْثَرُ عنْهُ أنَّهُ كانَ يُفْتي للمسلمينَ في عهدِ رسولِ اللهِ وهذه مأثرةٌ لم يحظَ بها إلا قلّةٌ منْ كبارِ الصَّحابةِ يُعَدّونَ على رؤوسِ أصابعِ اليدِ الواحدةِ: عنْ محمَّدِ ابنِ سهلِ بنِ أبي حثمةَ عنْ أبيهِ قالَ: كانَ الذينَ يُفْتونَ على عهدِ رسولِ اللهِ ثلاثةً مِنَ المهاجرينَ: عمرَ وعثمانَ وعليّاً، وثلاثةً منَ الأَنْصارِ: أبيَّ بنَ كعبٍ ومعاذَ بنَ جبلٍ وزيدَ بنَ ثابتٍ.

وعنْ ينارَ الأَسلميِّ أنَّ عمرَ كانَ يستشيرُ هؤلاءِ: وذكرَ أُناساً منهمْ معاذُ بنُ جبلٍ .

- وكانَ (معاذُ بنُ جبلٍ) يتعاونُ معَ أمثالِهِ منَ الشَّبابِ المسلمِ فيكسرونَ أصنامَ المشركينَ وآلهتَهمْ، فكانَ يتآمرُ معَ (عبدِ اللهِ بنِ أنيسٍ) و(ثعلبةَ بنِ غنمةَ) يدخلونَ على صنمِ (معاذِ بنِ عمرِو بنِ الجموحِ) فيطرحونَهُ في بعضِ حُفَرِ بني سلمةَ، وفيها عُذَرُ النَّاسِ (أي: قاذوراتهم)، فيغدو (مُعَاذُ بْنُ عمرِو بنِ الجَمُوحِ) فيجدُهُ مُنْكبّاً على وجهِهِ في العُذْرَةِ، فيأخذُهُ ويغسلُهُ ويُطَيِّبُهُ، ويقولُ: لوْ أعلمُ مَنْ صنعَ هذا بكَ لأَخْزيتُهُ. ففعلُوا ذلكَ مراراً، ثُمَّ جاءَ بسيفِهِ فعلّقَهُ عليهِ، وقالَ: إنْ كانَ فيكَ خيرٌ فامتنِعْ (أي: دافعْ عنْ نفسِكَ) فهذا السَّيفُ معَكَ.

 فلمَّا أَمْسى أَخَذُوا كلْباً ميْتاً فربطُوهُ في عنقِهِ، وأخذُوا السَّيفَ، فأصبحَ فوجدَهُ كذلكَ، فَهَداهُ اللهُ إلى الحقِّ وأَسْلَمَ.

ويروى أنَّ (معاذاً) وصحبَهُ هؤلاءِ ذهبوا إلى أصنامٍ لبني سلمةَ فحطَّمُوها، وعُبّادُها ينظرونَ، فلمْ يستطعْ أحدٌ أنْ يحميَها، فكانَ تحطيمُها سبباً في إسلامِ جَمْعٍ منهمْ، لهذَا كانُوا يشبِّهونَ مُعاذاً بإبراهيمَ عليهِ السَّلامُ الذي حطَّمَ الأَصنامَ ليبرهنَ لِعَابِدِيها أَنَّها لا تصلُحُ للعبادةِ.

وكانَ كثيراً ما يجادلُ اليهودَ، ويدعوهمْ إلى الإِيمانِ، ويذكِّرُهم بِأَنَّهم كانُوا يبشِّرونَ بِظُهورِ النبيِّ ويصفونَهُ بصفاتِهِ، عنْ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ زُفَرَ (أيِ: اليهودَ) كانُوا يستفتحونَ على الأَوْسِ والخزرجِ برسولِ اللهِ rقبلَ مبعثِهِ (أي: يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ)، فلما بعثَهُ اللهُ منَ العربِ كفرُوا وجحَدُوا ما كانُوا يقولونَهُ فيهِ (أيْ: تَنَكَّرُوا لِقَوْلهمْ وكفرُوا بِهِ) فقالَ لهمْ (معاذُ بنُ جبلٍ) و(بشرُ بنُ البراءِ بنِ معرورٍ): يا معشرَ زُفرَ اتَّقُوا اللهَ وأَسْلِمُوا، فقدْ كنتمْ تستفتحونَ علينا بمحمَّدٍ، ونحنُ أهلُ شركٍ، وتخبروننا أَنَّهُ مبعوثٌ، وتصفونَهُ بصفتِهِ. فقالَ (سلامُ بنُ مسلمٍ) وَهُوَ أَحَدُ يَهُودِ بني النَّضيرِ: ما جاءَنا بشيءٍ نعرفُهُ، وما هُوَ بالذي نَذْكُرُهُ لكمْ.

مُعاذٌ المُقْرِئُ الفَقِيهُ:

أبرزُ ميزاتِهِ علمُهُ الغزيرُ في فقهِ الشَّريعةِ، فقدْ كانَ rيرسلُهُ إلى هنا وهناكَ، ومهمَّتُهُ الوحيدةُ نشرُ العلمِ وتفقيهُ النَّاسِ، فَلمَّا فتحَ رسولُ اللهِ مكَّةَ استخلفَ عليها (عتابَ بنَ أُسَيْدٍ) يصلِّي فيهمْ، وخلّفَ (معاذَ بنَ جبلٍ) يقرئُهمُ القرآنَ ويفقّهُهُمْ في دينِهمْ.

والصَّحابةُ رضوانُ اللهِ عليهمْ يعرفونَ لَهُ طولَ باعِهِ في ذلكَ، وغزارةَ علمِهِ، فكانُوا يخْشَوْنَ الزَّللَ أمامَهُ: فعنْ شهرِ بنِ حوشبٍ قالَ: كانَ أصحابُ محمَّدٍ إذا تحدّثوا وفيهمْ (معاذُ ابنُ جبلٍ) نظروا إليهِ هَيْبَةً لَهُ.

ولِحُبِّهِ الشَّديدِ للقرآنِ الكريمِ وتلاوتِهِ، كانَ يطيلُ القراءةَ في صلاتِهِ إماماً في النّاسِ، حتَّى شَكَوْهُ إلى رسولِ اللهِ، فعنْ (معاذِ بنِ رفاعةَ) أنَّ رجلاً منْ بني سلمةَ يقالُ لَهُ «سليمٌ» أتى رسولَ اللهِ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا نظلُّ في أعمالِنا فنُمْسِي حينَ نُمْسي، فيأتي «معاذُ بنُ جبلٍ» فينادي بالصَّلاةِ، فنأتيهِ، فيطوّلُ عليْنا. فقالَ رسولُ: يا معاذُ لا تكنْ فَتَّاناً، إِمَّا أنْ تُصلِّيَ معي، وإمّا أنْ تخفِّفَ عنْ قومِكَ.

-لقدْ رفعَ اللهُ قدْرَ «معاذٍ» بينَ قومِهِ بالقرآنِ والعلمِ والفقهِ، وكذلكَ يرفعُ اللهُ بالإِسلامِ أقواماً، لم يرتفعُوا بمالٍ ولا سلطانٍ ولا جاهٍ، لكنِ ارتفعُوا بما في قلوبِهمْ منْ إيمانٍ، وبما في عقولِهمْ منْ علمٍ، فقدْ رُئِيَ (سهيلُ بنُ عمرٍو) يتردَّدُ إلى «معاذِ ابنِ جبلٍ» حتَّى يقرئَهُ القرآنَ، وهوَ بمكَّةَ حتَّى خرجَ «معاذٌ» من مكَّةَ، فقالَ (ضرارُ بنُ الخطَّابِ) لسهيلِ بنِ عمرٍو: يا أبا يزيدَ، تختلفُ إلى هذا الخزرجيِّ يقرئُكَ القرآنَ؟! أَلاَ يكونُ اختلافُكَ إلى رجلٍ منْ قومِكَ منْ قريشٍ؟.

فقالَ: يا ضرارُ! هذا (أي: تعصُّبُنا القَبَليُّ) الذي صنعَ بنا ما صنعَ، حتَّى سُبِقْنا كلَّ السَّبقِ، إِي لَعَمْرِي أَخْتَلِفُ إليهِ، لقدْ وضعَ الإسلامُ أمرَ الجاهليَّةِ؛ (أي: ألغى الإسلامُ العَصَبيَّةَ لغيِر الإِسلامِ) ورفعَ اللهُ بالإِسلامِ قوماً كانُوا لا يُذْكَرونَ في الجاهليةِ، فَلَيْتَنا كنَّا معَ أولئِكَ فتقدَّمْنا.

-وعنْ معاذٍ قالَ: لما بَعَثَني رسولُ اللهِ إلى اليمنِ قالَ لي: كيفَ تقضي إنْ عَرَضَ قضاءٌ؟.

قلْتُ: أقضي بما في كتابِ اللهِ.

قالَ: فإنْ لم يكنْ في كتابِ اللهِ؟.

قلْتُ: أَقْضِي بما قضى بِهِ رسولُ اللهِ.

قالَ: فإنْ لم يكنْ فيما قضى بِهِ الرَّسولُ؟.

قلْتُ: أجتهدُ رَأْيِي ولا آلو (أيْ: لا أُقَصِّرُ في طلبِ الحقِّ والعدلِ)، فضربَ صدري وقالَ: الحمدُ للهِ الذي وفّقَ رسولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي رسولَ اللهِ.

    رويَ أنَّ (معاذَ بنَ جبلٍ) قَدِمَ منَ اليمنِ وفي يدِهِ خاتمٌ، فقالَ رسولُ اللهِ : ما هذا الخاتمُ؟. قالَ: يا رسولَ اللهِ إِنِّي كنْتُ أكتبُ إلى النَّاسِ فأفْرَقُ (أي: أخافُ) أنْ يُزادَ فيها، ويُنْقَصَ منها، فاتخذْتُ خاتماً أَخْتِمُ بِهِ. قالَ: وما نَقْشُهُ؟. قالَ: محمَّدٌ رسولُ اللهِ. فقالَ رسولُ اللهِ: آمنَ كلُّ شيءٍ في (معاذٍ) حتَّى خاتَمُهُ.

 ثُمَّ أخذَهُ رسولُ اللهِ فتختَّمَهُ.

-وعنْ أنسِ بنِ مالكٍ قالَ: أتاني (معاذُ بنُ جبلٍ) فقلْتُ: مِنْ أينَ جئْتَ يا معاذُ؟.

قالَ: جئْتُ منْ عندِ النبيِّ .

فقلْتُ: ما قالَ لكَ؟.

قالَ: قالَ مَنْ شهدَ ألاَّ إلهَ إلا اللهُ مخلِصاً دخلَ الجنَّةَ.

فقلْتُ: فأَذهَبُ فأسألُ النبيَّ ؟.

قالَ: اذهبْ. فأتيْتُ النبيَّ فقلْتُ: يا نبيَّ اللهِ حدّثَني (معاذُ بنُ جبلٍ) أَنَّكَ قلْتَ: منْ شهدَ ألاَّ إلهَ إلا اللهُ مخلِصاً دخلَ الجَنَّةَ.

قالَ: صدقَ معاذٌ، صدقَ معاذٌ، صدقَ معاذٌ.

_عنْ أنسِ بنِ مالكٍ قالَ: خرجَ رسولُ اللهِ ومعاذُ بنُ جبلٍ بالبابِ، فلما رآهُ قالَ: يا معاذُ!

قالَ: لَبَّيْكَ يا رسولَ اللهِ.

قالَ: منْ ماتَ لا يُشْركُ باللهِ شيئاً دخلَ الجنَّةَ.

فقالَ معاذُ: يا رسولَ اللهِ ألا أُخْبِرُ النَّاسَ؟.

قالَ: دعْهمْ فلْيتنافَسوا في الأَعمالِ، فإنِّي أخافُ أنْ يَتّكلُوا عليها.

كَرَمُهُ : كانَ (معاذُ بنُ جبلِ) رجلاً سمحاً, لا يبخلُ على أحدٍ بشيءٍ، فلمْ يزلْ يُدانُ حتَّى أغلقَ مالَهُ كلَّهُ، فشكاهُ الذينَ اقترضَ منهم إلى النبيِّ فقالُوا: يا رسولَ اللهِ خُذْ لَنَا حَقَّنا منهُ. فقالَ رسولُ اللهِ : رَحِمَ اللهُ مَنْ تَصدّقَ عليهِ (أيْ: عفَا عن دَيْنِهِ أو بعضِهِ) فسامَحَهُ بعضُهمْ بقسمٍ منْ دَيْنِهمْ عليهِ، وعفَا عنهُ بعضُهمْ كُلَّ دَيْنِهمْ، ولم يتنازلْ بعضُهمْ عنْ شيءٍ مِنْ دَيْنِهِ وكانُوا يهوداً، بلْ قالُوا لِرَسُولِ اللهِ : يا رسولَ اللهِ بِعْهُ لنا.

فقالَ لهمْ: خلُّوا عنهُ، فليسَ لكمْ إليهِ سبيلٌ.

ثم أخذَ النبيُّ منهُ مالَهُ كلَّهُ، فدفعَهُ إلى غُرَمائِهِ فاقْتَسَمُوهُ بينَهمْ، فاستردَّ كلٌّ منهمْ خَمْسَةَ أسباعِ حَقِّهِ، فقامَ (معاذٌ) ولا مالَ لَهُ. وانصرفَ؛ فقالَ لَهُ أحدُهمْ: يا أبا عبدِ الرحمنِ! هلاَّ سألْتَ رسولَ اللهِ فقدْ أصبحْتَ مُعْدَماً (أيْ: شَديدَ الفقرِ). قالَ: ما كنْتُ لأَسْأَلَهُ.

ثم دعاهُ رسولُ اللهِ إليهِ بعدَ ثلاثةِ أيَّامٍ فبعثَهُ إلى اليمنِ وقالَ: لعلَّ اللهَ يجبُرَك ويؤدِّي عنْكَ دَيْنَكَ.

مُعاذٌ إلى اليمنِ: بعثَ رسولُ اللهِ (معاذاً) إلى اليمنِ جامعاً لِلصَّدَقاتِ والجزيةِ، وقبلَ أنْ ينطلقَ (معاذٌ) في وُجْهَتِهِ يزوِّدُهُ بوصايا جليلةٍ تكونُ لَهُ زاداً في غُرْبَتِهِ وسراجاً يستضيءُ بنورِهِ، ويَهْتَدِي بِهَدْيِهِ، خرجَ يُوصيهِ، ومعاذٌ راكبٌ، ورسولُ اللهِ يمشي تحتَ راحلتِهِ، فلمَّا فرغَ قالَ: يا معاذُ إنَّكَ عسى ألا تلقاني بعدَ عامي هذا، ولعلَّكَ أنْ تمرَّ بمسجدي وقبري، فبكى معاذٌ جزعاً وحزناً، لفراقِ رسولِ اللهِ .

فقالَ : لا تَبْكِ يا معاذُ.

 ثُمَّ دعا لَهُ فقالَ: حَفِظَكَ اللهُ مِنْ بَينِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ وَدَرَأَ عَنْكَ (أيْ: رَدَّ عنْكَ، وحماكَ) شَرَّ الإِنْسِ وَالجِنِّ.

وكتبَ رسولُ اللهِ إلى حاكمِ اليمنِ يقولُ: أَمَّا بعدُ؛ فإنَّ رسولَ اللهِ محمداً النبيَّ أرسلَ إلى (زرعةَ ذي يزنَ) أَنْ إذا أتاكُمْ رُسُلِي فأُوصيكمْ بهمْ خيراً: معاذُ بنُ جبلٍ، وعبدُ اللهِ بنُ زيدٍ ومالكُ بنُ عبادةَ، وعقبةُ بنُ نمرٍ، ومالكُ بنُ مرّةَ وأصحابُهم، وأَنِ اجمعوا ما عندَكمْ منَ الصَّدَقَةِ والجِزْيَةِ منْ مُخَالِفيكُمْ وأَبْلِغوهَا رُسُلِي، وإنَّ أميرَهم معاذُ بنُ جبلٍ فلا ينقلبنَّ (أيْ: لا يَعُودُ) إلاّ راضياً.

وكانَ أوّلَ منِ اتّجرَ في مالِ اللهِ، حتَّى أصابَ مالاً، فَقَدِمَ المَدِينَةَ، -وَأَبو بكرٍ يَوْمَها خَليفَةٌ- فقالَ (عمرُ بنُ الخطَّابِ) لأبي بكرٍ:

-أرسلْ إلى هذا الرَّجُلِ، فدعْ لَهُ ما يعيِّشُهُ وخُذْ سائرَهُ.

 فقالَ أبو بكرٍ: إِنَّما بعثَهُ النبيُّ لِيَجْبُرَهُ، ولَسْتُ بآخذٍ منْهُ شيئاً، إلا أنْ يُعْطِيَني.

فحملَ معاذٌ إلى أبي بكرٍ الأَموالَ والعَبيدَ الذينَ أَتَى بهمْ مِنَ اليمنِ، فقالَ له أبو بكرٍ: واللهِ لا آخذُهُ منْكَ، قَدْ وَهَبْتُهُ لكَ.

فلمَّا أصبحَ رأى معاذٌ أَرِقّاءَهُ (أيْ: عبيدَهُ) يُصَلُّونَ، فقالَ لهمْ: لمنْ تُصَلُّونَ؟.

قالُوا: للهِ.

قالَ: فأنتمْ للهِ. وأعتقَهمْ أحراراً.

المؤاخاةُ في اللهِ: آخى رسولُ اللهِ بعدَ الهجرةِ بينَ معاذِ بنِ جبلٍ وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهما، فنِعْمَ الأُخوَّةُ أُخوّتُهما، ونعمَ الأَخَوانِ هما.

جِهَادُهُ: شهدَ غزواتِ النبيِّ rكلَّها، شهدَ بدراً ولَهُ منَ العمرِ إحدى وعشرونَ سنةً، وأُحُداً والخندقَ وفَتْحَ مَكَّةَ، وحروبَ الرِّدّةِ وتبوكَ، وفي غزوةِ تبوكٍ هذهِ ذَكَرَ (أبيَّ بنَ كعبٍ) فقالَ رجلٌ منْ قومِهِ: خلَّفَهُ -يا نبيَّ اللهِ- بُرْداهُ، والنَّظرُ في عِطْفَيْهِ (أي: خلّفَهُ عنِ الجهادِ كِبْرُهُ). فانبرى معاذٌ يدافعُ عنْ (أبيٍّ)، ويخفِّفُ غضبةَ رسولِ اللهِ عليْهِ، وقالَ لِلرَّجُلِ: بئسَ ما قُلْتَ. ثُمَّ قَالَ لِلنّبيِّ : واللهِ يا نَبِيَّ اللهِ! ما علمْنَا عليْهِ إلاَّ خيراً. فسكتَ رسولُ اللهِ .

-وفي معركةِ اليرموكِ أرسلَ الرُّومُ إلى (أبي عبيدةَ بنِ الجرَّاحِ) يطلبونَ أنْ يبعثَ إليهمْ رجلاً يُسائِلُونَهُ عنِ العربِ والمسلمينَ؛ فأرسلَ إليهمْ (معاذَ بنَ جبلٍ).

-وكانَ (معاذٌ) قائدَ ميمنةِ جيشِ المسلمينَ، وقدْ ألقى في المسلمينَ خطبةً طويلةً جاءَ فيها: يا قُرّاءَ القرآنِ، ومستحفظي الكتابِ، وأنصارَ الهُدى، وأولياءَ الحقِّ…استحيُوا منْ ربِّكمْ أنْ يراكُمْ فُرّاراً منْ عدوِّكمْ وأنتمْ في قبضتِهِ.

ولَمَّا فرغَ جعلَ يمشي في الصُّفوفِ ويحرِّضُهمْ ثُمَّ انصرفَ إلى موقفِهِ فكانَ النَّصرُ بإذْنِ الله.

مَوْتُهُ: أرسَلَ عُمَرُ بْنُ الخطّابِ مُعاذاً إلى الشّامِ مُقْرئاً ومُعَلِّماً، فَمَكَثَ ثَمَّةَ مَاشَاءَ اللهُ، إِلى أَنِ انتشرَ طاعونُ عَمَواسَ في الشَّامِ، فَأَهْلَكَ النَّاسَ، فَصَعِدَ (معاذٌ) المنبرَ يوماً يقولُ عنِ الطَّاعونِ: إنَّهُ رحمةُ ربِّكمْ، ودعوةُ نبيِّكمْ، وموتُ الصَّالحينَ قبلَكُمْ، اللَّهُمَّ أَعْطِ (معاذاً) وآلَ معاذٍ منْهُ النَّصيبَ الأَوْفرَ.

فلمْ يلبثْ إلا قليلاً حتَّى مَرِضَ ابنُهُ (عبدُ الرحمنِ) بالطّّاعُونِ وماتَ، ولحقَ بِهِ زَوْجَتَا (مُعاذٍ)، ودُفِنَتا معاً في حفرةٍ؛ ثُمَّ مَرِضَ (معاذٌ) وماتَ؛ فقدِ استجابَ اللهُ دعوتَهُ.

وخيرُ ما نختمُ بِهِ الحديثَ عَنْهُ؛ قولُ (عمرِو بنِ العاصِ) فيهِ بعدَ أنْ صلَّى عليْهِ:

رحِمَكَ اللهُ يا معاذُ

 

فقدْ كنْتَ ما عَلِمْناكَ منْ نُصَحاءِ المسلمينَ

 

ومنْ خِيارِهمْ وأَعْلامِهمْ

 

ثُمَّ كنْتَ مؤدِّباً لِلْجَاهلِ، شديداً على الفاجرِ

 

رحيماً بالمؤمنينَ

 

و ايمُ اللهِ لا يُسْتَخْلَفُ مِنْ بعدِكَ مثلُكَ.

 

انتهت

 

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق